- Info
إنتـخاب الرئيـس
يمكن من حيث المبدأ اللجوء إلى استخدام أي من نظم الانتخاب المستندة إلى دوائر انتخابية أحادية التمثيل لتنظيم الانتخابات الرئاسية المباشرة. فعندما يتم انتخاب الرئيس، بصفته السلطة التنفيذية الأعلى في البلاد، يفضل العمل بإحدى النظم الانتخابية التي تقوم على الفوز بالأغلبية المطلقة من الأصوات للفوز بالرئاسة. لذلك، نجد بأن غالبية البلدان التي تنتخب رئيسها انتخاباً مباشراً تستخدم نظام الجولتين.
يستفيد المرشحون المتقدمون في نتائج الجولة الأولى من الفاصل الزمني بين الجولتين للعمل على حشد الدعم والتأييد من قبل المرشحين الخاسرين في الجولة الأولى وناخبيهم. وعادةً ما ينحصر هذا النوع من التحالفات والتفاهمات في اعتبارات تتعلق بتحديد هوية الفائز في الجولة الثانية، دون الاستناد بالضرورة إلى توافق مسبق حول البرامج والسياسات، كما يمكن أن يحصل في ظل النظم التفضيلية المنتظمة من خلال جولة انتخابية واحدة. بالإضافة إلى ذلك، وكما سبق وأشرنا في موقع آخر من هذا الدليل، فإن نظام الجولتين يرفع من تكاليف العملية الانتخابية كما أنه يتطلب مزيداً من الموارد لتطبيقه، زد على ذلك النتائج المضرة بالنظام السياسي برمته والتي يؤدي إليها انخفاض مستويات المشاركة في الجولة الثانية، مقارنة بالجولة الأولى، والذي قد يشكل انخفاضاً حاداً في بعض الأحيان. لهذا السبب تنتشر مؤخراً محاولات البحث في إمكانية استخدام نظم أخرى لتنظيم الانتخابات الرئاسية، كنظام الصوت البديل.
إنتـخاب الرئيـس من خـلال نظـام الفـائـز الأول
تتمثل الطريقة الأبسط في انتخاب الرئيس من خلال الفوز بموقع الرئاسة من قبل المرشح الحاصل على أعلى عدد من الأصوات، حتى ولو لم يعني ذلك فوزه بالأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين. وهذا ما يعمل به في انتخابات الرئاسة في كل من البوسنة والهرسك، والكاميرون، وجزر القمر، وغينيا الإكواتورية، وغوايانا، والهندوراس، وأيسلاندا، وكيريباتي، وكوريا الجنوبية، ومالاوي، والمكسيك، وفلسطين، وبنما، والبرغواي، والفلبين، ورواندا، وسنغافورة، والتايوان، وتونس، وفنزويلا، وزامبيا. ومن الواضح بأن هذا النظام هو نظام بسيط، قليل التكلفة وفعال، إلا أنه يفسح المجال، خاصةً في الحالات التي يزداد فيها عدد المرشحين المتنافسين، أمام انتخاب رئيس لا يفوز سوى بعدد قليل من أصوات الناخبين، مما يفقده إمكانية الظهور كخيار الأغلبية، بل على العكس من ذلك فقد يبدو وكأن أغلبية معتبرة من الناخبين المقترعين للمرشحين الآخرين تعارض انتخابه. وهناك العديد من الأمثلة على ذلك، ومنها ما حصل في انتخابات عام 1993 في فنزيلا حيث فاز السيد رفائيل كالديرا بالانتخاب بحصوله على 30.5 بالمئة فقط من أصوات الناخبين، وانتخابات عام 1992 في الفلبين، حيث انتخب السيد فيدل راموس، أحد المرشحين السبعة، بفوزه بنسبة 24 بالمئة فقط من أصوات الناخبين. أما في التايوان، ففاز مرشح المعارضة في انتخابات عام 2000 بحصوله على 39 بالمئة من الأصوات، بفارق لا يصل إلى 3 بالمئة فقط عن المرشح التالي.
وتنفرد الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم انتخاباتها الرئاسية استناداً إلى نظام الفائز الأول على مستوى الولايات، حيث يفوز المرشح الحاصل على أعلى الأصوات في كل ولاية بكافة أصوات المجمع الانتخابي الخاص بتلك الولاية، وذلك باستثناء ما يحصل في كل من ولاية ماين ونبراسكا، حيث يخصص للفائز على مستوى الولاية صوتين من أصوات المجمع الانتخابي، بينما يعطى الفائز في كل واحدة من الدوائر الانتخابية الخاصة بانتخابات الكونغرس في الولاية صوتاً واحداً. بعد ذلك يقوم المجمع الانتخابي بانتخاب الرئيس عملاً بنظام الأغلبية المطلقة. ويمكن أن يؤدي هذا النظام إلى فوز أحد المرشحين بالرئاسة على الرغم من حصوله على عدد من أصوات الناخبين يقل عن أصوات منافسيه على المستوى العام، كما حصل في انتخابات عام 2000 حيث فاز مرشح الحزب الجمهوري جورج بوش بالرئاسة على الرغم من حصوله على عدد من الأصوات يقل بحوالي نصف مليون صوت عما حصل عليه منافسه عن الحزب الديمقراطي، آل غور.
إنتـخاب الرئيـس عـملاً بنظـام الجـولتيـن
كما هي الحال في الانتخابات التشريعية، يمكن اللجوء إلى تنظيم جولة انتخابية ثانية في حال عدم فوز أي من المرشحين في الجولة الأولى بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين، وذلك لتفادي فوز مرشح ما بحصوله على نسبة ضئيلة فقط من تلك الأصوات. ويمكن تنظيم ذلك من خلال حصر المنافسة في الجولة الثانية بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات في الجولة الأولى (وهو ما يعرف بنظام الأغلبية)، أو من خلال تمكين عدد أكبر من المرشحين الراغبين من المشاركة في الجولة الثانية (نظام الأغلبية/التعددية). وتستخدم نظام الجولتين لتنظيم انتخاباتها الرئاسية كل من فرنسا، ومعظم دول أمريكا اللاتينية، وكافة الجمهوريات الخمس في آسيا الوسطى والتابعة للاتحاد السوفياتي سابقاً، بالإضافة إلى العديد من البلدان الناطقة بالفرنسية في القارة الأفريقية. أما الدول الأفريقية الأخرى التي تستخدم هذا النظام فهي أنغولا، والقرن الأخضر (كاب فيردي)، وغامبيا، وغانا، وغينيا-بيساو، وكينيا، والموزامبيق، وناميبيا، ونيجيريا، وساو تومي، وجزر السيشيل، وسيراليون، والسودان، وتنزانيا، وأوغندا، والزمبابوي. وفي أوروبا فبالإضافة إلى فرنسا يستخدم نظام الجولتين في كل من أرمينيا، وأذربيجان، والنمسا، وبيلاروسيا، وبلغاريا، وكرواتيا، وقبرص، وفنلندا، وجورجيا، وليتوانيا، ومقدونيا، وبولندا، والبرتغال، ورومانيا، وروسيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، وأوكرانيا. كما وأنه يستخدم في كل من أفغانستان، وهايتي، وإندونيسيا، وإيران، وتيمور الشرقية واليمن.
وهناك بعض التعديلات التي تم إدخالها على نظام الجولتين في بعض الحالات. ففي كوستاريكا، يمكن لمرشح ما الفوز بالرئاسة بحصوله على 40 بالمئة فقط من أصوات الناخبين في الجولة الأولى. وعلى العكس من ذلك، نجد بأن النظام في سيراليون يحتم الفوز بنسبة 55 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى لتفادي الذهاب إلى جولة ثانية. أما في الأرجنتين فيمكن الفوز بالرئاسة في الجولة الأولى من خلال الحصول على 45 بالمئة من الأصوات، أو من خلال حصول أحد المرشحين على 40 بالمئة من الأصوات إذا ما كان الفارق بينه وبين المرشح الذي يليه يزيد عن 10 بالمئة. وهو مل يعمل به كذلك في الإكوادور.
تعتمد بعض البلدان مطلباً إضافياً يتمثل في تحقيق حد أدنى من نسبة المشاركة في الانتخابات، عادةً ما يكون 50 بالمئة من مجموع الناخبين المسجلين، كما هي الحال في روسيا الاتحادية والعديد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، وهو ما يعتبر إجراءً إضافياً للتأكيد على شرعية النتائج، على الرغم من كونه يفرض مزيداً من الأعباء المادية واللوجستية في حال عدم توافر نسبة المشاركة المطلوبة والاضطرار لإعادة الانتخابات .
أسفر استخدام نظام الجولتين في بلدان أمريكا اللاتينية عن جدل كبير، وذلك باستثناء بعض الحالات في البلدان التي تمكنت أحزابها السياسية من التوصل إلى توافقات وتحالفات تسبق الانتخابات لتمكين مرشحي الرئاسة من الفوز بالانتخاب في الجولة الأولى (كما في انتخابات عام 1994 في البرازيل وانتخابات العامين 1989 و1994 في التشيلي على سبيل المثال). في انتخابات عام 1990 في البيرو فاز ألبيرتو فوجيموري بالانتخابات بحصوله على 56 بالمئة من الأصوات في الجولة الثانية، بينما لم يحصل حزبه سوى على 14 مقعداً من أصل 60 في مجلس الشيوخ وعلى 33 مقعداً من أصل 180 في مجلس العموم. أما في انتخابات عام 1989 في البرازيل، فاز فيرناندو كولور ديميلو بحصوله على أقل من نصف الأصوات في الجولة الثانية، إلا أن حزبه لم يفز في الانتخابات التشريعية اتي أجريت في موعد مختلف عن موعد الانتخابات الرئاسية سوى بثلاثة مقاعد من أصل 75 في مجلس الشيوخ، وعلى 40 مقعد فقط من أصل 503 في مجلس النواب. وفي الإكوادور لم يحصل حزب أي من الرؤساء المنتخبين على أغلبية في البرلمان منذ اعتماد نظام الجولتين سنة 1978.
وتثبت الإشكاليات المتعلقة بإدارة الحكم والناتجة عن هذه الحالات أهمية النظر إلى كافة الاعتبارات والمسائل المرتبطة ببعضها البعض والمتعلقة بمسائل الحكم والإطار المؤسسي بذات القدر من الاهتمام. فعلى الرغم من أن نظام الجولتين أدى في جولته الثانية إلى انتخاب رؤساء يتمتعون بتأييد الأغلبية، إلا أنه تلازم مع نظم انتخابية تشريعية لم تضمن لهم تحقيق أغلبية كافية داخل السلطة التشريعية.
وبينما تمكن المرشحون الفائزون من ضمان تأييد أحزاب سياسية أخرى لهم بين الجولتين الأولى والثانية، إلا أنهم أخفقوا في الحفاظ على ذلك التأييد بعد فوزهم بالانتخابات.
إنتـخاب الرئيـس بـموجـب النظـم التـفضيـليـة
تتمثل إحدى الطرق الممكنة للالتفاف على مساوئ نظام الجولتين في دمجهما في جولة انتخابية واحدة. وهناك عدة طرق للقيام بذلك، في مقدمتها اللجوء إلى نظام الصوت البديل، والمعمول به لانتخاب الرئيس في جمهورية أيرلندا. حيث يمكن لمرشح لا يحصل على أعلى الأفضليات التغلب على مرشح متقدم عليه من خلال حصوله على عدد كبير من الأفضليات الثانية من أصوات الناخبين. ويعطي فوز السيدة ماري روبنسون في انتخابات الرئاسة للعام 1990 مثالاً حياً على الاستفادة من تطبيق النظام التفضيلي بهذا الشكل.
أما الإمكانية الأخرى فتكمن في استخدام النظام المعمول به لانتخاب الرئيس في سريلانكا وكذلك لانتخاب رئيس بلدية لندن، والمعروف باسم الصوت التكميلي. حيث يطلب من الناخبين تحديد أفضلياتهم الأولى والثانية من بين المرشحين (وحتى الثالثة في سريلانكا). أما طريقة تطبيق هذا النظام فتختلف في كلتا الحالتين: ففي سريلانكا يطلب من الناخبين ترقيم مرشحيهم المفضلين من خلال الأرقام التسلسلية، 1 و2 و3، كما هي الحال في نظام الصوت البديل أو نظام الصوت الواحد المتحول. أما في لندن فلا يحتاج الناخبون لاستخدام الأرقام، حيث تحتوي ورقة الاقتراع على عمودين، يستخدم الأول لتحديد الأفضلية الأولى بينما يستخدم الثاني لتحديد الأفضلية الثانية بين مختلف المرشحين، ويقوم الناخبون بالتأشير على مرشحهم المفضل بالدرجة الأولى في العمود الأول وبالتأشير على مرشحهم المفضل بالمرتبة الثانية في العمود الثاني.
أما فرز الأصوات فيتم بذات الطريقة في كلتا الحالتين: فإذا فاز أحد المرشحين بالأغلبية المطلقة لأفضليات الناخبين الأولى يفوز بالانتخابات، وإلا فيتم استبعاد كافة المرشحين عدا المرشحين الحاصلين على أعلى النتائج، ويتم احتساب الأفضليات الثانية (والثالثة في سريلانكا) للمرشحين الخاسرين لصالح المرشحين المتنافسين حسب أفضليات الناخبين. ويفوز بالانتخاب المرشح الحاصل على أعلى النتائج بعد الانتهاء من هذه العملية. وبذلك يحقق هذا النظام من خلال جولة انتخابية واحدة ما يحققه نظام الجولتين، موفراً بذلك الكثير من التكلفة ومحققاً نجاعةً إدارية أكبر للعملية الانتخابية.
وتتلخص مساوئ نظام الصوت التكميلي في كونه أكثر تعقيداً، وبكونه يتطلب من الناخبين استخدام حدسهم لتخمين هوية المرشحين الأكثر حضاً بالفوز لاستخدام أصواتهم بشكل أكثر فاعلية. وعلى الرغم من الاختلافات بين نظامي الصوت البديل والصوت التكميلي إلا أنهما يهدفان إلى تحقيق ذات الهدف: ألا وهو ضمان فوز المرشح المنتخب بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين. فاستخدام النظم التفضيلية لتمكين الناخب من التعبير عن خياره (أفضليته) الثاني يلغي الحاجة إلى جولة انتخابية ثانية، وهو ما يؤدي إلى توفير في التكاليف ونجاعة أكبر في العملية الانتخابية من النواحي الإدارية، واللوجستية والأمنية.
شـرط الحصـول عـلى تـأييـد مـوزع جغـرافيـاً للفـوز بالرئاسـة
يشترط في كل من إندونيسيا وكينيا ونيجيريا حصول المرشح الفائز في انتخابات الرئاسة على تأييد موزع جغرافياً على مختلف أرجاء البلاد (المحافظات، أو الألوية والمقاطعات)، بالإضافة إلى حصوله على الأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين على المستوى الوطني. ففي إندونيسيا، حيث نظمت أول انتخابات رئاسية مباشرة عام 2004، يشترط في الثنائي الفائز بموقعي الرئيس ونائب الرئيس، بالإضافة إلى فوزهما بالأغلبية المطلقة للأصوات، حصولهما على ما لا يقل عن 20 بالمئة من أصوات الناخبين في نصف المحافظات على الأقل لتفادي الذهاب إلى جولة انتخابية ثانية. ولقد استوحت إندونيسيا هذا الإجراء من نيجيريا، وهو البلد المترامي الأطراف والمنقسم إلى مقاطعات مختلفة، حيث يشترط في المرشح الفائز حصوله على ما لا يقل عن ثلث أصوات الناخبين في ثلثي المحافظات على الأقل، بالإضافة إلى فوزه بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين.
ومن أهم فوائد هذا الإجراء كونه يدفع بمرشحي الرئاسة نحو العمل على حشد تأييد أوسع لحملتهم، يمتد إلى خارج مناطقهم أو مجموعاتهم العرقية. إلا أن فرضه كشرط إضافي (بالإضافة إلى شرط الفوز بالأغلبية المطلقة للأصوات) من شأنه أن يؤدي إلى عدم تمكن أي من المرشحين من استكمال كلا الشرطين معاً. وعليه، فمن الضروري أن يأخذ القائمين على تصميم النظام الانتخابي هذه الإمكانية بعين الاعتبار لوضع المعالجات اللازمة لمواجهتها، وإلا فقد يؤدي النظام إلى استحالة فوز أي من المرشحين، الأمر الذي لو تلازم مع غياب المعالجات الناجعة للخروج بحلول ممكنة من شأنه أن يؤدي إلى فراغ في السلطة قد تصحبه الكثير من مخاطر عدم الاستقرار. أما الفوز في الجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية في إندونيسيا فلا يتطلب سوى الحصول على أغلبية بسيطة من أصوات الناخبين، بينما تبقي نيجيريا على الشرط الإضافي في الحصول على تأييد موزع جغرافياً لتطبيقه كذلك في الجولة الثانية، مما ينتج عنه إمكانية الحاجة إلى جولة انتخابية ثالثة، والتي يترتب عليها، في حال حدوثها، الكثير من التبعات المتعلقة بإطالة مدة العملية الانتخابية وزيادة حجم الموارد المادية والإدارية التي يتطلبها ذلك.
ويفرض شرط الحصول على تأييد موزع جغرافياً على المرشحين رسم استراتيجيات إضافية لإدارة حملاتهم. ففي كينيا يشترط في المرشح الفائز حصوله على ما لا يقل عن 25 بالمئة من أصوات الناخبين في خمسة من محافظات البلد الثمانية على الأقل، بالإضافة إلى حصوله على الأغلبية المطلقة بطبيعة الحال على المستوى العام. ولكن على الرغم من ذلك سمحت الانقسامات التي ما برحت تعاني منها أحزاب المعارضة لدانييل أراب موي بالاحتفاظ بالرئاسة على امتداد التسعينات من القرن الماضي وذلك رغم عدم حصوله على الأغلبية المطلقة للأصوات. وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن تعميم متطلبات توزيع الدعم الجغرافي على وتطبيقها على شروط الترشيح كذلك.