النظـم الانتخـابيـة والإطـار التنظيـمي وإدارة الحـكم
للنظم الانتخابية مؤثراتها الخاصة فيا يتعلق بمسائل إدارة الحكم، ورسم السياسات والاستقرار السياسي بشكل عام. إذ ينتج عن مختلف النظم الانتخابية تبعات محددة تتعلق بإدارة الحكم في الأنظمة البرلمانية. وبشكل خاص، هناك فارق كبير في المؤثرات الناتجة عن النظم الانتخابية التي تدفع باتجاه تمكين الحزب الواحد من السيطرة على الحكم (كنظم التعددية/الأغلبية) وتلك الناتجة عن النظم التي تميل إلى إفراز حكومات ائتلافية (كنظم التمثيل النسبي). وينتج عن كلتا الحالتين تبعات واضحة تنعكس على النظام االسياسي: إذ تكون عملية صنع القرار ورسم السياسات، وكذا تحديد المسؤوليات أوضح وأسهل في ظل حكومة الحزب الواحد، بينما تعمل الحكومات الائتلافية على توليد سياسات أكثر تمثيلية من خلال إشراك عدد أكبر من الأحزاب والقوى السياسية. وبنفس الوقت، يسهل على حكومة الحزب الواحد اعتماد تحولات جذرية في سياساتها بينما يتطلب ذلك لمزيد من التفاوض والجدل في ظل الحكومات الائتلافية.
تنتخب معظم البلدان التي تعتمد نظاماً رئاسياً أو شبه رئاسي رئيسها بشكل مباشر. كما وتعمل على انتخاب رئيسها بشكل مباشر كذلك بعض الجمهوريات التي ينص دستورها على اعتماد النظام البرلماني. أما في الأنظمة الرئاسية، فتعتمد شرعية الرئاسة إلى حد كبير على الطريقة التي يتم انتخاب الرئيس من خلالها. إذ نجد بأن الرؤساء المنتخبين من خلال نظام يحتم عليهم الفوز بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين يتمتعون بشرعية أقوى لطرح وتنفيذ أجندتهم السياسية من أولئك المنتخبين بموجب نظام لا يتطلب فيه الفوز إلا بأغلبية بسيطة من الأصوات. ولذلك انعكاساته الهامة على العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والسلطة التشريعية، إذ يتمكن الرئيس المنتخب بالأغلبية المطلقة من الاستناد إلى شرعية أكبر في مواجهة أي صراع قد يحصل بينه وبين السلطة التشريعية. وعلى العكس من ذلك، نجد بأن انتخاب الرئيس التشيلي سالفادور أيندي سنة 1970 بفوزه بنسبة 36 بالمئة فقط من أصوات الناخبين، والذي تلازم مع انتخاب برلمان يميني معارض، قد أسهم في إيجاد الأرضية الملائمة للانقلاب العسكري ضده سنة 1973.
وتختلف طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بين الأنظمة البرلمانية والأنظمة شبه الرئاسية والرئاسية. ففي الأنظمة الرئاسية أو شبه الرئاسية لا تستند مواقف الرئيس وسياساته إلى حفاظه على ثقة السطلة التشريعية: حيث لا يمكن إقصاء الرئيس عن منصبه بناءً على اختلاف في السياسات بينه وبين السلطة التشريعية. إلا أن التجربة في بلدان أمريكا اللاتينية على وجه التحديد تثبت بأن افتقاد الرئيس المنتخب بشكل مباشر لأغلبية داعمة له داخل السلطة التشريعية لا يسهم في قيام حكومات فاعلة بل على العكس من ذلك يعرقل عمل السلطة التنفيذية. وبناءً على ما تقدم، يمكن القول بأنه من الضروري اعتبار النظم الانتخابية المعتمدة لانتخاب كل من الرئاسة والسلطة التشريعية معاً، في الديمقراطيات التي تتبع الأنظمة الرئاسية أو شبه الرئاسية، على الرغم من أن الأدوار المختلفة لكلتا السلطتين تفرض اعتبارات وعوامل مختلفة يجدر الأخذ بها أثناء اختيار النظام الانتخابي الخاص بكل منهما. إذ يجب الأخذ في نفس الوقت بكافة الاعتبارات المتعلقة بتزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية أو تباعدها، وكذا الضوابط التي تحفز أو تحد من تشتت الأحزاب السياسية، بالإضافة إلى تلك المتعلقة بتحديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والمثثلين المنتخبين.
إنتـخاب الرئيـس
يمكن من حيث المبدأ اللجوء إلى استخدام أي من نظم الانتخاب المستندة إلى دوائر انتخابية أحادية التمثيل لتنظيم الانتخابات الرئاسية المباشرة. فعندما يتم انتخاب الرئيس، بصفته السلطة التنفيذية الأعلى في البلاد، يفضل العمل بإحدى النظم الانتخابية التي تقوم على الفوز بالأغلبية المطلقة من الأصوات للفوز بالرئاسة. لذلك، نجد بأن غالبية البلدان التي تنتخب رئيسها انتخاباً مباشراً تستخدم نظام الجولتين.
يستفيد المرشحون المتقدمون في نتائج الجولة الأولى من الفاصل الزمني بين الجولتين للعمل على حشد الدعم والتأييد من قبل المرشحين الخاسرين في الجولة الأولى وناخبيهم. وعادةً ما ينحصر هذا النوع من التحالفات والتفاهمات في اعتبارات تتعلق بتحديد هوية الفائز في الجولة الثانية، دون الاستناد بالضرورة إلى توافق مسبق حول البرامج والسياسات، كما يمكن أن يحصل في ظل النظم التفضيلية المنتظمة من خلال جولة انتخابية واحدة. بالإضافة إلى ذلك، وكما سبق وأشرنا في موقع آخر من هذا الدليل، فإن نظام الجولتين يرفع من تكاليف العملية الانتخابية كما أنه يتطلب مزيداً من الموارد لتطبيقه، زد على ذلك النتائج المضرة بالنظام السياسي برمته والتي يؤدي إليها انخفاض مستويات المشاركة في الجولة الثانية، مقارنة بالجولة الأولى، والذي قد يشكل انخفاضاً حاداً في بعض الأحيان. لهذا السبب تنتشر مؤخراً محاولات البحث في إمكانية استخدام نظم أخرى لتنظيم الانتخابات الرئاسية، كنظام الصوت البديل.
إنتـخاب الرئيـس من خـلال نظـام الفـائـز الأول
تتمثل الطريقة الأبسط في انتخاب الرئيس من خلال الفوز بموقع الرئاسة من قبل المرشح الحاصل على أعلى عدد من الأصوات، حتى ولو لم يعني ذلك فوزه بالأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين. وهذا ما يعمل به في انتخابات الرئاسة في كل من البوسنة والهرسك، والكاميرون، وجزر القمر، وغينيا الإكواتورية، وغوايانا، والهندوراس، وأيسلاندا، وكيريباتي، وكوريا الجنوبية، ومالاوي، والمكسيك، وفلسطين، وبنما، والبرغواي، والفلبين، ورواندا، وسنغافورة، والتايوان، وتونس، وفنزويلا، وزامبيا. ومن الواضح بأن هذا النظام هو نظام بسيط، قليل التكلفة وفعال، إلا أنه يفسح المجال، خاصةً في الحالات التي يزداد فيها عدد المرشحين المتنافسين، أمام انتخاب رئيس لا يفوز سوى بعدد قليل من أصوات الناخبين، مما يفقده إمكانية الظهور كخيار الأغلبية، بل على العكس من ذلك فقد يبدو وكأن أغلبية معتبرة من الناخبين المقترعين للمرشحين الآخرين تعارض انتخابه. وهناك العديد من الأمثلة على ذلك، ومنها ما حصل في انتخابات عام 1993 في فنزيلا حيث فاز السيد رفائيل كالديرا بالانتخاب بحصوله على 30.5 بالمئة فقط من أصوات الناخبين، وانتخابات عام 1992 في الفلبين، حيث انتخب السيد فيدل راموس، أحد المرشحين السبعة، بفوزه بنسبة 24 بالمئة فقط من أصوات الناخبين. أما في التايوان، ففاز مرشح المعارضة في انتخابات عام 2000 بحصوله على 39 بالمئة من الأصوات، بفارق لا يصل إلى 3 بالمئة فقط عن المرشح التالي.
وتنفرد الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم انتخاباتها الرئاسية استناداً إلى نظام الفائز الأول على مستوى الولايات، حيث يفوز المرشح الحاصل على أعلى الأصوات في كل ولاية بكافة أصوات المجمع الانتخابي الخاص بتلك الولاية، وذلك باستثناء ما يحصل في كل من ولاية ماين ونبراسكا، حيث يخصص للفائز على مستوى الولاية صوتين من أصوات المجمع الانتخابي، بينما يعطى الفائز في كل واحدة من الدوائر الانتخابية الخاصة بانتخابات الكونغرس في الولاية صوتاً واحداً. بعد ذلك يقوم المجمع الانتخابي بانتخاب الرئيس عملاً بنظام الأغلبية المطلقة. ويمكن أن يؤدي هذا النظام إلى فوز أحد المرشحين بالرئاسة على الرغم من حصوله على عدد من أصوات الناخبين يقل عن أصوات منافسيه على المستوى العام، كما حصل في انتخابات عام 2000 حيث فاز مرشح الحزب الجمهوري جورج بوش بالرئاسة على الرغم من حصوله على عدد من الأصوات يقل بحوالي نصف مليون صوت عما حصل عليه منافسه عن الحزب الديمقراطي، آل غور.
إنتـخاب الرئيـس عـملاً بنظـام الجـولتيـن
كما هي الحال في الانتخابات التشريعية، يمكن اللجوء إلى تنظيم جولة انتخابية ثانية في حال عدم فوز أي من المرشحين في الجولة الأولى بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين، وذلك لتفادي فوز مرشح ما بحصوله على نسبة ضئيلة فقط من تلك الأصوات. ويمكن تنظيم ذلك من خلال حصر المنافسة في الجولة الثانية بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات في الجولة الأولى (وهو ما يعرف بنظام الأغلبية)، أو من خلال تمكين عدد أكبر من المرشحين الراغبين من المشاركة في الجولة الثانية (نظام الأغلبية/التعددية). وتستخدم نظام الجولتين لتنظيم انتخاباتها الرئاسية كل من فرنسا، ومعظم دول أمريكا اللاتينية، وكافة الجمهوريات الخمس في آسيا الوسطى والتابعة للاتحاد السوفياتي سابقاً، بالإضافة إلى العديد من البلدان الناطقة بالفرنسية في القارة الأفريقية. أما الدول الأفريقية الأخرى التي تستخدم هذا النظام فهي أنغولا، والقرن الأخضر (كاب فيردي)، وغامبيا، وغانا، وغينيا-بيساو، وكينيا، والموزامبيق، وناميبيا، ونيجيريا، وساو تومي، وجزر السيشيل، وسيراليون، والسودان، وتنزانيا، وأوغندا، والزمبابوي. وفي أوروبا فبالإضافة إلى فرنسا يستخدم نظام الجولتين في كل من أرمينيا، وأذربيجان، والنمسا، وبيلاروسيا، وبلغاريا، وكرواتيا، وقبرص، وفنلندا، وجورجيا، وليتوانيا، ومقدونيا، وبولندا، والبرتغال، ورومانيا، وروسيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، وأوكرانيا. كما وأنه يستخدم في كل من أفغانستان، وهايتي، وإندونيسيا، وإيران، وتيمور الشرقية واليمن.
وهناك بعض التعديلات التي تم إدخالها على نظام الجولتين في بعض الحالات. ففي كوستاريكا، يمكن لمرشح ما الفوز بالرئاسة بحصوله على 40 بالمئة فقط من أصوات الناخبين في الجولة الأولى. وعلى العكس من ذلك، نجد بأن النظام في سيراليون يحتم الفوز بنسبة 55 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى لتفادي الذهاب إلى جولة ثانية. أما في الأرجنتين فيمكن الفوز بالرئاسة في الجولة الأولى من خلال الحصول على 45 بالمئة من الأصوات، أو من خلال حصول أحد المرشحين على 40 بالمئة من الأصوات إذا ما كان الفارق بينه وبين المرشح الذي يليه يزيد عن 10 بالمئة. وهو مل يعمل به كذلك في الإكوادور.
تعتمد بعض البلدان مطلباً إضافياً يتمثل في تحقيق حد أدنى من نسبة المشاركة في الانتخابات، عادةً ما يكون 50 بالمئة من مجموع الناخبين المسجلين، كما هي الحال في روسيا الاتحادية والعديد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، وهو ما يعتبر إجراءً إضافياً للتأكيد على شرعية النتائج، على الرغم من كونه يفرض مزيداً من الأعباء المادية واللوجستية في حال عدم توافر نسبة المشاركة المطلوبة والاضطرار لإعادة الانتخابات .
أسفر استخدام نظام الجولتين في بلدان أمريكا اللاتينية عن جدل كبير، وذلك باستثناء بعض الحالات في البلدان التي تمكنت أحزابها السياسية من التوصل إلى توافقات وتحالفات تسبق الانتخابات لتمكين مرشحي الرئاسة من الفوز بالانتخاب في الجولة الأولى (كما في انتخابات عام 1994 في البرازيل وانتخابات العامين 1989 و1994 في التشيلي على سبيل المثال). في انتخابات عام 1990 في البيرو فاز ألبيرتو فوجيموري بالانتخابات بحصوله على 56 بالمئة من الأصوات في الجولة الثانية، بينما لم يحصل حزبه سوى على 14 مقعداً من أصل 60 في مجلس الشيوخ وعلى 33 مقعداً من أصل 180 في مجلس العموم. أما في انتخابات عام 1989 في البرازيل، فاز فيرناندو كولور ديميلو بحصوله على أقل من نصف الأصوات في الجولة الثانية، إلا أن حزبه لم يفز في الانتخابات التشريعية اتي أجريت في موعد مختلف عن موعد الانتخابات الرئاسية سوى بثلاثة مقاعد من أصل 75 في مجلس الشيوخ، وعلى 40 مقعد فقط من أصل 503 في مجلس النواب. وفي الإكوادور لم يحصل حزب أي من الرؤساء المنتخبين على أغلبية في البرلمان منذ اعتماد نظام الجولتين سنة 1978.
وتثبت الإشكاليات المتعلقة بإدارة الحكم والناتجة عن هذه الحالات أهمية النظر إلى كافة الاعتبارات والمسائل المرتبطة ببعضها البعض والمتعلقة بمسائل الحكم والإطار المؤسسي بذات القدر من الاهتمام. فعلى الرغم من أن نظام الجولتين أدى في جولته الثانية إلى انتخاب رؤساء يتمتعون بتأييد الأغلبية، إلا أنه تلازم مع نظم انتخابية تشريعية لم تضمن لهم تحقيق أغلبية كافية داخل السلطة التشريعية.
وبينما تمكن المرشحون الفائزون من ضمان تأييد أحزاب سياسية أخرى لهم بين الجولتين الأولى والثانية، إلا أنهم أخفقوا في الحفاظ على ذلك التأييد بعد فوزهم بالانتخابات.
إنتـخاب الرئيـس بـموجـب النظـم التـفضيـليـة
تتمثل إحدى الطرق الممكنة للالتفاف على مساوئ نظام الجولتين في دمجهما في جولة انتخابية واحدة. وهناك عدة طرق للقيام بذلك، في مقدمتها اللجوء إلى نظام الصوت البديل، والمعمول به لانتخاب الرئيس في جمهورية أيرلندا. حيث يمكن لمرشح لا يحصل على أعلى الأفضليات التغلب على مرشح متقدم عليه من خلال حصوله على عدد كبير من الأفضليات الثانية من أصوات الناخبين. ويعطي فوز السيدة ماري روبنسون في انتخابات الرئاسة للعام 1990 مثالاً حياً على الاستفادة من تطبيق النظام التفضيلي بهذا الشكل.
أما الإمكانية الأخرى فتكمن في استخدام النظام المعمول به لانتخاب الرئيس في سريلانكا وكذلك لانتخاب رئيس بلدية لندن، والمعروف باسم الصوت التكميلي. حيث يطلب من الناخبين تحديد أفضلياتهم الأولى والثانية من بين المرشحين (وحتى الثالثة في سريلانكا). أما طريقة تطبيق هذا النظام فتختلف في كلتا الحالتين: ففي سريلانكا يطلب من الناخبين ترقيم مرشحيهم المفضلين من خلال الأرقام التسلسلية، 1 و2 و3، كما هي الحال في نظام الصوت البديل أو نظام الصوت الواحد المتحول. أما في لندن فلا يحتاج الناخبون لاستخدام الأرقام، حيث تحتوي ورقة الاقتراع على عمودين، يستخدم الأول لتحديد الأفضلية الأولى بينما يستخدم الثاني لتحديد الأفضلية الثانية بين مختلف المرشحين، ويقوم الناخبون بالتأشير على مرشحهم المفضل بالدرجة الأولى في العمود الأول وبالتأشير على مرشحهم المفضل بالمرتبة الثانية في العمود الثاني.
أما فرز الأصوات فيتم بذات الطريقة في كلتا الحالتين: فإذا فاز أحد المرشحين بالأغلبية المطلقة لأفضليات الناخبين الأولى يفوز بالانتخابات، وإلا فيتم استبعاد كافة المرشحين عدا المرشحين الحاصلين على أعلى النتائج، ويتم احتساب الأفضليات الثانية (والثالثة في سريلانكا) للمرشحين الخاسرين لصالح المرشحين المتنافسين حسب أفضليات الناخبين. ويفوز بالانتخاب المرشح الحاصل على أعلى النتائج بعد الانتهاء من هذه العملية. وبذلك يحقق هذا النظام من خلال جولة انتخابية واحدة ما يحققه نظام الجولتين، موفراً بذلك الكثير من التكلفة ومحققاً نجاعةً إدارية أكبر للعملية الانتخابية.
وتتلخص مساوئ نظام الصوت التكميلي في كونه أكثر تعقيداً، وبكونه يتطلب من الناخبين استخدام حدسهم لتخمين هوية المرشحين الأكثر حضاً بالفوز لاستخدام أصواتهم بشكل أكثر فاعلية. وعلى الرغم من الاختلافات بين نظامي الصوت البديل والصوت التكميلي إلا أنهما يهدفان إلى تحقيق ذات الهدف: ألا وهو ضمان فوز المرشح المنتخب بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين. فاستخدام النظم التفضيلية لتمكين الناخب من التعبير عن خياره (أفضليته) الثاني يلغي الحاجة إلى جولة انتخابية ثانية، وهو ما يؤدي إلى توفير في التكاليف ونجاعة أكبر في العملية الانتخابية من النواحي الإدارية، واللوجستية والأمنية.
شـرط الحصـول عـلى تـأييـد مـوزع جغـرافيـاً للفـوز بالرئاسـة
يشترط في كل من إندونيسيا وكينيا ونيجيريا حصول المرشح الفائز في انتخابات الرئاسة على تأييد موزع جغرافياً على مختلف أرجاء البلاد (المحافظات، أو الألوية والمقاطعات)، بالإضافة إلى حصوله على الأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين على المستوى الوطني. ففي إندونيسيا، حيث نظمت أول انتخابات رئاسية مباشرة عام 2004، يشترط في الثنائي الفائز بموقعي الرئيس ونائب الرئيس، بالإضافة إلى فوزهما بالأغلبية المطلقة للأصوات، حصولهما على ما لا يقل عن 20 بالمئة من أصوات الناخبين في نصف المحافظات على الأقل لتفادي الذهاب إلى جولة انتخابية ثانية. ولقد استوحت إندونيسيا هذا الإجراء من نيجيريا، وهو البلد المترامي الأطراف والمنقسم إلى مقاطعات مختلفة، حيث يشترط في المرشح الفائز حصوله على ما لا يقل عن ثلث أصوات الناخبين في ثلثي المحافظات على الأقل، بالإضافة إلى فوزه بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين.
ومن أهم فوائد هذا الإجراء كونه يدفع بمرشحي الرئاسة نحو العمل على حشد تأييد أوسع لحملتهم، يمتد إلى خارج مناطقهم أو مجموعاتهم العرقية. إلا أن فرضه كشرط إضافي (بالإضافة إلى شرط الفوز بالأغلبية المطلقة للأصوات) من شأنه أن يؤدي إلى عدم تمكن أي من المرشحين من استكمال كلا الشرطين معاً. وعليه، فمن الضروري أن يأخذ القائمين على تصميم النظام الانتخابي هذه الإمكانية بعين الاعتبار لوضع المعالجات اللازمة لمواجهتها، وإلا فقد يؤدي النظام إلى استحالة فوز أي من المرشحين، الأمر الذي لو تلازم مع غياب المعالجات الناجعة للخروج بحلول ممكنة من شأنه أن يؤدي إلى فراغ في السلطة قد تصحبه الكثير من مخاطر عدم الاستقرار. أما الفوز في الجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية في إندونيسيا فلا يتطلب سوى الحصول على أغلبية بسيطة من أصوات الناخبين، بينما تبقي نيجيريا على الشرط الإضافي في الحصول على تأييد موزع جغرافياً لتطبيقه كذلك في الجولة الثانية، مما ينتج عنه إمكانية الحاجة إلى جولة انتخابية ثالثة، والتي يترتب عليها، في حال حدوثها، الكثير من التبعات المتعلقة بإطالة مدة العملية الانتخابية وزيادة حجم الموارد المادية والإدارية التي يتطلبها ذلك.
ويفرض شرط الحصول على تأييد موزع جغرافياً على المرشحين رسم استراتيجيات إضافية لإدارة حملاتهم. ففي كينيا يشترط في المرشح الفائز حصوله على ما لا يقل عن 25 بالمئة من أصوات الناخبين في خمسة من محافظات البلد الثمانية على الأقل، بالإضافة إلى حصوله على الأغلبية المطلقة بطبيعة الحال على المستوى العام. ولكن على الرغم من ذلك سمحت الانقسامات التي ما برحت تعاني منها أحزاب المعارضة لدانييل أراب موي بالاحتفاظ بالرئاسة على امتداد التسعينات من القرن الماضي وذلك رغم عدم حصوله على الأغلبية المطلقة للأصوات. وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن تعميم متطلبات توزيع الدعم الجغرافي على وتطبيقها على شروط الترشيح كذلك.
إنتـخاب مجـلس الشـيوخ
كثيراً ما تتألف السلطة التشريعية في بلد ما من مجلسين، خاصةً في البلدان الكبيرة. ويكمن أحد السببين التاليين أو كليهما معاً خلف وجود المجلس الثاني (والذي غالباً ما يعرف بالمجلس الأعلى، أو مجلس الشيوخ، أو مجلس الأعيان، أو مجلس المستشارين – Senate): يتمثل الأول في العمل على إيجاد نوع آخر من التمثيل أو مستوى مختلف عن ذلك في المجلس الأول، غالباً ما يكون لتمثيل المقاطعات أو الألوية أو المحافظات التي يتركب منها البلد. أما السبب الثاني فيكمن في إيجاد مجلس لمعاينة قرارات المجلس الآخر وإعادة النظر بها والحؤول دون التسرع في اتخاذها. وعادةً ما تقل أهمية السلطات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ عن تلك التي يمنحها الدستور للمجلس الأول، خاصةً عندما يأخذ مجلس الشيوخ دور المعاينة وإعادة النظر فقط. ونجد بأن حوالي ثلثي البلدان حول العالم تعتمد نظام المجلس الواحد، بينما يتبع الثلث المتبقي نظام المجلسين بأحد اشكاله المختلفة.
تختلف تركيبة هذه المجالس من بلد إلى آخر، إلا ان معظمها يستخدم في البلدان الفيدرالية حيث يستخدم مجلس الشيوخ لتمثيل الوحدات الإدارية التي يتألف منها النظام الفيدرالي (المقاطعات أو الولايات)، كالولايات )ٍStates) في الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وأستراليا، أو المقاطعات (Länders) في ألمانيا والمحافظات (Provinces) في جنوب أفريقيا، والتي يتم تمثيلها جميعاً في مجلس الشيوخ. وعادةً ما يشتمل هذا النظام على ترجيح وزن الوحدات الإدارية الصغيرة، استناداً إلى الافتراض القائم بضرورة تحقيق المساواة في تمثيل مختلف المقاطعات أو المحافظات في مجلس الشيوخ المنتخب. بالإضافة إلى ذلك يتم انتخاب هذه المجالس في بعض الحالات على مراحل، كالحال في كل من أستراليا واليابان حيث يتم انتخاب نصف أعضاء مجلس الشيوخ كل ثلاث سنوات، أو ما يحصل في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والهند حيث يتم انتخاب ثلث أعضاء هذا المجلس كل سنتين.
وتضع بعض البلدان قيوداً معينة على هذه المجالس، خاصةً تلك التي يأخذ مجلس الشيوخ فيها طابع المجلس المعاين. ففي التايلاند على سبيل المثال، وعلى الرغم من كون مجلس الشيوخ مجلساً منتخباً، إلا أنه يمنع على أعضاء المجلس الانتماء لأي حزب سياسي أو القيام بحملات انتخابية. وهناك نوع آخر من هذه المجالس أقل شيوعاً، يقوم على استخدامها لتمثيل مجموعات أو أقليات عرقية، أو لغوية، أو دينية، أو ثقافية محددة. كما ويمكن أن يفسح المجال أمام تمثيل منظمات المجتمع المدني في هذه المجالس. ففي مالاوي على سبيل المثال ينص الدستور على قيام الأعضاء المنتخبين في مجلس الشيوخ بانتقاء 32 عضو من أصل 80 من قائمة من الشخصيات المرشحة من قبل مختلف المجموعات التي تمثل المصالح المختلفة في البلاد. أما هذه المجموعات فتضم المنظمات النسائية، ومنظمات المعاقين، والمؤسسات الصحية والتعليمية، وتنظيمات رجال الأعمال والمزارعين، ونقابات العمال، بالإضافة إلى الشخصيات البارزة والقيادات الدينية. ويدافع الكثيرون عن دور مجلس اللوردات في بريطانيا لكونه يحوي أعضاءً ذوي الخبرة العالية والتي تمكنهم من معاينة مشلريع القوانين التي تطرحها الحكومة والسياسيون العموميون الأقل خبرة عادةً. أما في بلدان أخرى مثل الفيجي وبوتسوانا، فتستخدم هذه المجالس لتمثيل القيادات التقليدية، سواء من خلال التعيين كما في الفيجي أو الانتخاب كما في بوتسوانا.
وبناءً على هذه الاختلافات في طبيعة مجالس الشيوخ، نجد بأن بعضها منتخب، وبعضها الآخر منتخب جزئياً أو معين. وفي معظم الحالات التي يتم فيها انتخاب هذه المجالس، نجد بأن البلدان المعنية تعتمد نظماً انتخابية مختلفة لانتخابها غير تلك المستخدمة في انتخاب المجلس الآخر، وذلك للتأكيد على الدور المختلف المسند لكل من المجلسين. ففي أستراليا على سبيل المثال يتم انتخاب مجلس العموم بواسطة أحد نظم الأغلبية (الصوت البديل)، بينما ينتخب مجلس الشيوخ استناداً إلى نظام نسبي (الصوت الواحد المتحول). وهو ما يؤدي عادةً إلى تمكين الأقليات التي لا يمكنها الحصول على تمثيل في مجلس العموم من الحصول على ذلك من خلال مجلس الشيوخ. وفي إندونيسيا ينتخب مجلس العموم عملاً بنظام القائمة النسبية، بينما يستخدم نظام الصوت الواحد غير المتحول لانتخاب أربعة ممثلين عن كل محافظة في مجلس الشيوخ. أما في كولومبيا، فبينما يتم انتخاب كلا المجلسين بواسطة أحد النظم النسبية، إلا أن انتخاب مجلس الشيوخ يقوم على أساس دائرة انتخابية واحدة تشمل كامل الوطن، مما يزيد من حضوض الأحزاب الصغيرة وممثلي الأقليات في الفوز بتمثيل لها في هذا المجلس.
المسـتويـات المختـلفة لإدارة الحـكم
كما يتضح مما ورد أعلاه، تختلف متطلبات تصميم النظام الانتخابي باختلاف الهيئة التي يتم انتخابها واختلاف أدوارها وسلطاتها. فعندما يتعلق الأمر بانتخاب هيئة إقليمية، أو محلية، تختلف الاعتبارات التي يجب الأخذ بها في اختيار النظام الانتخابي عن تلك المتعلقة بانتخاب هيئات تشريعية وطنية.
إنتـخاب الهيـئات الإقليـميـة
ما زالت الهيئات الإقليمية التي تتمتع بسلطات فاعلة والتي تشمل تحت رايتها عدد من البلدان، كالبرلمان الأوروبي، قليلة العدد، إلا أن عددها مرشح للتزايد تمشياً مع اتساع نطاق العولمة في عالم السياسة وتقاطع المصالح على المستوى الإقليمي. ويفرض الإتحاد الأوروبي على كافة الدول الأعضاء ضرورة اعتماد نظام انتخابي نسبي لانتخاب ممثليها في البرلمان الأوروبي، حيث تستخدم 23 من هذه الدول نظام القائمة النسبية، بينما تعمل دولتين منها (جمهورية ايرلندا ومالطا) بنظام الصوت الواحد المتحول. ويتم توزيع المقاعد على الدول الأعضاء ليس استناداً إلى حجمها الديمغرافي فحسب، بل عملاً بمستويات مختلفة يخصص بموجبها ذات العدد من المقاعد للدول المصنفة ضمن كل فئة والتي يتقارب حجمها السكاني من بعضها البعض، بالإضافة إلى تمكين الدول الصغيرة من الحصول على تمثيل أعلى نسيباً لها في البرلمان.
ويعطي مصممو تلك النظم الانتخابية أهمية أكبر لتمثيل الوحدات الإدارية التي يتألف منها كل بلد والأحزاب السياسية العاملة فيها بشكل أكبر توازناً. ويتشكل البرلمان الأوروبي حالياً (حسب معطيات العام 2004، وقبل انضمام كل من بلغاريا ورومانيا لعضوية الإتحاد) من 732 عضو، يمثلون ما يزيد عن 500 مليون مواطن، مما يجعل العلاقة المباشرة بين الممثلين وناخبيهم أمراً صعب المنال.
إنتـخاب المجـالس الفدراليـة ومجـالس المقـاطعـات المسـتقلـة
يمكن أن تستخدم في انتخابات الهيئات التشريعية الخاصة بالولايات أو المقاطعات التي يتألف منها بلد فيدرالي ذات النظم الانتخابية المستخدمة في انتخاب البرلمانات الوطنية، كما يحصل في جنوب أفريقيا (نظام القائمة النسبية عملاً بالقوائم المغلقة)، كما ويمكن استخدام نظم مختلفة في كل حالة، كما في بريطانيا حيث ينتخب البرلمان في سكوتلندا وويلز بموجب نظام العضوية المختلطة بينما ينتخب البرلمان الفيدرالي (الوطني) استناداً إلى نظام الفائز الأول. ويمكن أن تعطي النظم الانتخابية المعتمدة لانتخاب مجالس المقاطعات أهمية أكبر لتمثيل الأقليات القاطنة ضمن حدودها، أو لتحقيق توازن بين تمثيل المناطق الحضرية والريفية. وكلما تعاظمت استقلالية المقاطعات كلما خفت الضغوطات عليها لاعتماد نظم انتخابية تماثل تلك المعتمدة في مقاطعات أو محافظات وولايات أخرى. إذ أن وجودها كوحدة إدارية مستقلة يعني بحد ذاته بأن لها واقعاً واحتياجاتٍ تختلف عن باقي المناطق.
إنتـخاب الهيـئات المحليـة
يمكن استخدام أي من النظم الانتخابية التي تم التطرق لها في هذا الدليل لانتخاب الهيئات المحلية والبلدية، إلا أنه عادةً ما تبرز مجموعة من الاعتبارات المؤثرة في ذلك والنابعة أساساً من الدور الخاص الذي تضطلع به الإدارات المحلية. وبشكل خاص، غالباً ما تحتل مسألة التمثيل الجغرافي مكانةً خاصة من الأهمية، وذلك لكون الإدارة المحلية تختص بشكل أساسي في تصريف وإدارة أمور الحياة اليومية للمواطنين.
قد تستخدم الدوائر الانتخابية أحادية التمثيل لإعطاء كل حي يتبع للسلطة المحلية المنتخبة دوراً في إدارة الشؤون المحلية، خاصةً في ظل غياب الأحزاب السياسية أو ضعفها. وكلما صغرت مساحة تلك الدوائر كلما كانت على درجة أعلى من التجانس من حيث تركيبتها السكانية. وغالباً ما ينظر لذلك على أنه أمر إيجابي، إلا أنه في حال دعت الحاجة لوجود دوائر محلية متنوعة سكانياً، فلا بد من اعتماد نظام مغاير لترسيم الدوائر المحلية يقوم على تقسيم منطقة السلطة المحلية إلى دوائر تحتل كل منها شطرأً معيناً، ابتداءً من مركز المدينة وانتهاءً بالضواحي التابعة لها، مما ينتج عنه اشتمال كل دائرة انتخابية على ناخبين من المركز ومن الضواحي في نفس الوقت، الأمر الذي يحقق تنوعاً أكبر من حيث التركيبة الإقتصادية وحتى العرقية لجمهور الناخبين في كل دائرة.
وعلى العكس من ذلك، تشكل منطقة السلطة المحلية المنتخبة برمتها دائرة انتخابية واحدة في تلك البلدان التي تعتمد نظم الانتخاب النسبي في انتخاب سلطاتها المحلية، وهو ما يمكن أن يعكس الخيارات السياسية القائمة ضمن كل سلطة محلية بشكل نسبي. ولتحقيق ذلك فقد يتطلب الأمر فسح المجال أمام الجمعيات والتظيمات المحلية التي لا تنتظم استناداً إلى التوجهات والأيديولوجيات الحزبية أو السياسية لتقديم قوائم من المرشحين عنها، بالإضافة إلى تمكين المرشحين المستقلين، في بعض الأحيان، من دخول المنافسة الانتخابية كقوائم من مرشح واحد فقط.
في كثير من الأحيان يتم اختيار النظام الانتخابي الخاص بالانتخابات المحلية كجزء من التوافقات التي يتم التوصل إليها فيما يتعلق بكافة العمليات الانتخابية في بلد ما، بما فيها الانتخابات العامة. ففي بعض الديمقراطيات الناشئة على سبيل المثال، كالكونغو (برزافيل) ومالي، قادت التقاليد المتبعة والتأثر بالنظام الفرنسي إلى اعتماد نظام الجولتين لانتخاب البرلمان، بينما نتج عن الحاجة لتحقيق تمثيل أفضل للمجموعات المحلية والأقليات العرقية اعتماد نظام نسبي لانتخاب السلطات المحلية.
يقابل الجدل القائم بين النظامين البرلماني والرئاسي على المستويات الوطنية جدلاً مماثلاً فيما يتعلق بتركيبة السلطات المحلية. ونجد هنا تعاظماً في شعبية النظم القائمة على الانتخاب المباشر للمحافظين ورؤساء البلديات، كرأس للسلطة المحليية التنفيذية المنفصلة عن المجالس المحلية المنتخبة، وذلك على حساب النظم القائمة على انتخاب سلطات تستند إلى تشكيل لجان تضطلع بالمسؤولية المباشرة عن تصريف الخدمات والشؤون المحلية. أما الخيارات المعمول بها لانتخاب المحافظين ورؤساء البلديات فتوازي تلك المستخدمة في الانتخابات الرئاسية، وتنطبق على ذلك ذات الاعتبارات المتعلقة بانعكاسات النظام الانتخابي على العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على المستوى المحلي.
النظـم الانتـخابيـة والأحـزاب السـياسـية
تؤثر النظم الانتخابية المختلفة في ماهية وتركيبة نظم الأحزاب السياسية وطريقة تنظيمها وعملها. وعملاً على قيام أحزاب سياسية يمكنها تحقيق أعلى درجة ممكنة من التمثيل، نجد بأن معظم الخبراء يفضلون النظم الانتخابية التي تحفز على إيجاد أحزاب سياسية تستند إلى قيم سياسية وأيديولوجية رحبة، بالإضافة إلى برامج سياسية واضحة المعالم، بدلاً من تلك المستندة إلى اعتبارات عرقية أو محلية ضيقة. فبالإضافة إلى كونها تحد من مخاطر تفاقم الصراعات الداخلية ضمن مجتمع ما، من شأن الأحزاب القائمة على تلك الأسس الرحبة أن تعكس بشكل أفضل الرأي العام لمجموع المواطنين وتطلعاتهم.
تأتي النظم السياسية التي تتصف بدرجات عالية من مركزية الحكم والتي تستخدم نظام القائمة النسبية على أساس القوائم المغلقة في مقدمة النظم التي تحفز على قيام التنظيمات الحزبية القوية والمتماسكة، على العكس تماماً مما يمكن أن ينتج عن الأنظمة القائمة على أساس تعدد الدوائر الانتخابية، مثل نظام الفائز الأول. إلا أنه هناك الكثير من المتغيرات الانتخابية الأخرى والتي تؤثر في النظام الحزبي بشكل عام.
فعلى سبيل المثال، حاولت بعض الديمقراطيات الناشئة مثل روسيا وإندونيسيا التأثير في تكوينة نظامها الحزبي الغض، وذلك من خلال توفير المحفزات لقيام أحزاب وطنية بدلاً من المحلية.
ولجأت بعض البلدان الأخرى، كالإكوادور وبابوا غينيا الجديدة إلى وسائل أخرى لتحقيق ذلك تتعلق بشروط تسجيل وتمويل الأحزاب السياسية. وتعتبر مسألة تمكين الأحزاب السياسية من الحصول على تمويل لها من القطاعين العام أو الخاص إحدى المسائل المفصلية ذات العلاقة بكافة الجوانب الخاصة بتصميم النظم الانتخابية، بالإضافة إلى تحولها في كثير من الأحيان إلى التحدي الأكبر الذي يواجه نشوء الأحزاب السياسية القابلة للحياة.
وكما يؤثر اختيار النظام الانتخابي في تطور الأحزاب السياسية وطريقة عملها، كذلك الأمر فللنظام الحزبي القائم تأثيره في اختيار النظام الانتخابي. إذ عادةً ما تعارض الأحزاب السياسية القائمة إدخال أية تغييرات قد تضر بمصالحها، أو قد تمكن أحزاباً أخرى منافسة لها من دخول المعترك السياسي، إلا إذا توافرت ضرورات سياسية ملحة للقبول بذلك. لذلك، فقد تعمل الأحزاب السياسية كعائق أمام تنوع الخيارات المتوفرة لتغيير النظام الانتخابي.
تؤدي النظم الانتخابية المختلفة إلى إفراز طبيعة مختلفة للعلاقة بين المرشحين الأفراد وناخبيهم. وبشكل عام، تعمل النظم المستندة إلى وجود دوائر انتخابية أحادية التمثيل، كمعظم نظم التعددية/الأغلبية، على تقوية تلك العلاقة من خلال تحفيز المرشحين الأفراد على العمل كممثلين أو مرسلين عن مناطق جغرافية محددة، حيث يتمثل دورهم الأساسي في تمثيل ناخبيهم في دوائرهم الانتخابية. وعلى العكس من ذلك، تعمل النظم العاملة بموجب دوائر انتخابية كبيرة ومتعددة التمثيل، كمعظم النظم النسبية، على إفراز ممثلين يعملون بشكل أساسي استناداً إلى ولاءاتهم الحزبية فيما يتعلق بمسائل وطنية عامة. ولكل من التوجهين حسناته، الأمر الذي يكمن خلف شعبية النظم المختلطة والتي تجمع بين كلا النوعين من التمثيل بمستوييه الوطني والمحلي.
عادةً ما يطفو على السطح كثير من الجدل فيما يتعلق بالمساءلة والمحاسبة عند التطرق إلى العلاقة بين النظم الحزبية والنظم الانتخابية، خاصةً بالنسبة لمسؤوليية الممثلين الأفراد المنتخبين. ولا تتأثر العلاقة بين الناخبين والممثلين المنتخبين والأحزاب السياسية بالنظام الانتخابي فقط، بل كذلك بجوانب أخرى تخص الإطار القانوني للنظام السايسي، كعدد المرات التي يسمح فيها للفرد بعضوية الهيئات المنتخبة، أو الضوابط الخاصة بتحديد طبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية وأعضائها المنتخبين لمواقع تمثيلية، أو تلك المتعلقة بمنع الأعضاء المنتخبين من تغيير انتماءاتهم الحزبية دون الاضطرار إلى الاستقالة من المجلس المنتخب، إلخ.
وتعتبر حرية الناخبين في التعبير عن خياراتهم لصالح المرشحين الأفراد عوضاً عن حصر ذلك في الاختيار بين الأحزاب السياسية فقط وجهاً آخر من أوجه المحاسبة. لذلك نجد بأن الكثير من البلدان قد قامت مؤخراً بإدخال عناصر جديدة في نظمها الانتخابية لتوفير ذلك للناخبين، كاللجوء إلى اعتماد القوائم المفتوحة في ظل نظام القائمة النسبية على سبيل المثال.