- Info
نـظام الفـائـز الأول (FPTP)
يعد نظام الفائز الأول أبسط أنظمة التعددية/الأغلبية، حيث يتم استخدامه ضمن دوائر انتخابية أحادية التمثيل. وهو نظام يتمحور حول المرشحين الأفراد، إذ يقوم الناخب باختيار واحد فقط من مجموع المرشحين المدرجين على ورقة الاقتراع. وببساطة، فإن المرشح الفائز هو الحاصل على أعلى عدد من أصوات الناخبين. ونظرياً فقد يفوز المرشح بصوتين فقط في حال لم يحقق أي من المرشحين الآخرين سوى صوت واحد فقط.
بالإضافة إلى بريطانيا، تمثل كندا، والهند والولايات المتحدة الأمريكية أبرز الأمثلة على هذا النظام.
ميـزات وعيـوب نـظام الفـائـز الأول (FPTP)
الميزات
لنظام الفائز الأول مجموعة من الميزات الحسنة، إذ عادةً ما يبرز المدافعين عنه بساطته، شأنه في ذلك شأن أنواع أخرى من نظم التعددية/الأغلبية، بالإضافة إلى كونه يميل إلى إفراز ممثلين مرتبطين بشكل مباشر بمناطق جغرافية محددة. أما أهم محاسن هذا النظام التي يمكن الإشارة إليها فهي:
-
يوفر هذا النظام خياراً واضحاً لا لبس فيه أمام الناخبين بين الحزبين السياسيين الأكبر على الساحة. إذ أنه يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى تراجع حضوض الأحزاب الصغيرة، مما ينتج عنه جنوح النظام السياسي في البلد المعني نحو الانقسام بين حزب "يساري" وآخر "يميني" يتناوبان في الحكم. وبهذا تضمحل فرص الأحزاب الأخرى إلى درجة تتلاشى عندها إمكانية الحصول على تأييد شعبي يضمن لهم حضوراً مؤثراً في السلطة التشريعية المنتخبة.
-
يمكن هذا النظام قيام حكومات الحزب الواحد، إذ أن إحدى نتائجه تتمثل في تمكين الحزب الأكبر من الحصول على مزيد من المقاعد (كأن يحصل الحزب الفائز بنسبة 45 بالمئة من الأصوات على حوالي 55 بالمئة من المقاعد)، مما يجعل من حكومة الائتلاف الاستثناء وليس القاعدة. ويمتدح هذا الواقع لكونه يمكن تشكيل الحكومات القوية وغير المقيدة بتنازلات اضطرارية لصالح شركاء صغار في حكومة الائتلاف.
-
يمكن هذا النظام كذلك قيام معارضة برلمانية متراصة. إذ أنه من الناحية النظرية على الأقل، فإن الحانب الآخر للعملة يتمثل في توفير عدد كافٍ كذلك من المقاعد التمثيلية لصالح المعارضة، للقيام بدورها في مراقبة أعمال الحكومة وتقديم نفسها كبديل حقيقي للحزب الحاكم.
-
يعمل نظام الفائز الأول لصالح الأحزاب المرتكزة إلى قواعد واسعة من المؤيدين. ففي المجتمعات المنقسمة عرقياً أو جغرافياً يعمل هذا النظام على تشجيع وتقوية الأحزاب الشمولية والتي تضم تحت جناحيها العديد من الفئات الاجتماعية، خاصةً في تلك الحالات حيث يتواجد حزبين رئيسيين فقط في الوقت الذي ينقسم فيه المجتمع إلى العديد من الجماعات. وفي هذه الحالات يعمل الحزبين الرئيسيين على تسمية مجموعات مختلفة من المرشحين. ففي ماليزيا على سبيل المثال، تتألف الحكومة من حركة سياسية جامعة تضم ممثلين عن فئات من أصول ماليزية، وصينية وهندية موزعين على مناطق ذات تركيبة وتنوع اجتماعيين متفاوت.
-
يسهم هذا النظام في الحد من إمكانية الأحزاب المتطرفة في الحصول على تمثيل برلماني لها. إذ أن الأحزاب المتطرفة الصغيرة لا يمكن لها أن تحصل على تمثيل إلا في حال تركز مؤيدوها ضمن منطقة جغرافية محصورة. (في مقابل ذلك، نجد بأن 1 بالمئة فقط من أصوات الناخبين، في ظل نظام القائمة النسبية لو طبق في بلد يشكل في مجمله دائرة انتخابية واحدة، يمكن أن يضمن حداً أدنى من التمثيل البرلماني).
-
يحفز نظام الفائز الأول على تقوية الصلة بين الممثلين وناخبيهم، إذ أنه ينتج سلطات مؤلفة من ممثلين لمناطق جغرافية محددة، حيث يمثل الأعضاء المنتخبون مناطق محصورة من المدن، أو البلدات أو الألوية والمحافظات، ولا ينحصر تمثيلهم في شعارات الحزب السياسي. ويعتقد بعض المحللون بأن لهذا النوع من التمثيل و"المسؤولية الجغرافية" أهمية خاصة في المجتمعات الريفية والبلدان النامية.
-
يعطي هذا النظام الناخبين فرصةً للاختيار بين الأفراد وليس بين الأحزاب السياسية فقط. إذ يمكن للناخبين تقييم أداء المرشحين الأفراد بدلاً من الالتزام بقبول قوائم من المرشحين تنتقيهم الأحزاب السياسية، مثلما يحدث في ظل بعض نظم القائمة النسبية.
-
يعطي هذا النظام الفرصة للمرشحين المستقلين للفوز بالانتخاب. وهذا ما قد يكون على درجة عالية من الأهمية في تلك المجتمعات التي ما زالت أحزابها السياسية في طور النشوء، حيث تدور العلاقات السياسية ضمن نطاق العلاقات العائلية، أو القبلية أو العرقية، بدلاً من استنادها إلى تنظيمات سياسية قوية ومتماسكة.
-
أخيراً يمتدح نظام الفائز الأول لكونه سهل الاستخدام ويسير الفهم. حيث لا يحتاج الصوت الصالح إلا للتأشير بجانب اسم أو رمز المرشح المفضل على ورقة الاقتراع. وهو يسهل عملية فرز الأصوات وعدها، حتى عندما تشتمل ورقة الاقتراع على أسماء عدد كبير من المرشحين.
العيوب
إلا أن لنظام الفائز الأول سيئاته كذلك، ومنها:
-
ينتج عنه استثناء الأحزاب الصغيرة والحد من إمكانية حصولها على تمثيل برلماني عادل، إذ أنه يفترض على الحزب الذي يحصل على 10 بالمئة من الأصوات على سبيل المثال أن يحصل على نسبة مماثلة تقريباً من مقاعد البرلمان. ففي الانتخابات الفيدرالية للعام 1993 في كندا حصل حزب الماحفظين التقدميين على 16 بالمئة من أصوات الناخبين إلا أنه لم يفوز إلا بنسبة 0.7 بالمئة من المقاعد؛ وفي الانتخابت العامة للعام 1998 في ليسوتو حصل حزب باسوتو الوطني على 24 بالمئة من الأصوات في حين فاز بواحد بالمئة فقط من المقاعد. وهذا النموذج يتكرر مراراً في ظل نظام الفائز الأول.
-
يحرم نظام الفائز الأول الأقليات من الحصول على تمثيل عادل. إذ تعتاد الأحزاب السياسية على تسمية المرشح الأكثر قبولاً وشعبيةً في كل دائرة انتخابية، وذلك لكسب ود غالبية الناخبين. وعليه، فمن غير المعتاد أن يحصل مرشح أسود، على سبيل المثال، على دعم وترشيح من قبل حزب كبير في دائرة انتخابية تقطنها غالبية من البيض في بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك الكثير من التجارب التي تثبت بأن فرص الأقليات العرقية بالحصول على تمثيل برلماني لها أقل بكثير في ظل استخدام نظام الفائز الأول. وبالمحصلة، فإذا ما انتهج الناخبون ممارسات انتخابية تتطابق مع الانقسامات الاجتماعية القائمة، فإن إقصاء المنتمين إلى الأقليات من التمثيل يمكن أن يؤدي إلى زعزعة أركان النظام السياسي برمته.
-
يؤدي هذا النظام إلى إضعاف التمثيل البرلماني العادل للمرأة. فمقولة اللجوء إلى "المرشح الأكثر شعبية" تؤثر بشكل مباشر وسلبي في فرص النساء في الانتخاب، وذلك لكونهن أقل حضاً بالحصول على دعم الأحزاب السياسية، والتي يسيطر الرجال فيها على مراكز القرار، لترشيحهن. وأظهرت التجارب حول العالم بأن المرأة تتمتع بفرص أقل كثيراً في الانتخاب في ظل نظم التعددية/الأغلبية منها في ظل النظم النسبية.
-
يتيح نظام الفائز الأول الفرصة لنشوء الأحزاب المستندة إلى قواعد قبلية، أو عرقية أو مناطقية، والتي تؤسس حملاتها وبرامجها السياسية استناداً إلى مفاهيم وأطروحات جذابة للغالبية في منطقتها أو دائرتها إلا أنها قد تكون معادية للآخرين وتقوم على استثنائهم. ولقد شكل ذلك معضلة دائمة في بعض الدول الأفريقية، كملاوي أو كينيا، حيث تتمركز مجموعات قبلية كبيرة في مناطق جغرافية محصورة. مما يؤدي إلى انقسام البلد إلى مناطق حزبية حيث يتمتع كل حزب بموقع القوة في كل منها، الأمر الذي لا يحفز الأحزاب على الاهتمام بأية مسائل خارج نطاق مناطق نفوذهم ومجموعات مؤيديهم.
-
يمكن لنظام الفائز الأول أن يزيد من حدة الإقطاعية الحزبية، حيث يمكن حزباً واحداً أن يفوز بمفرده بكافة المقاعد التمثيلية في دائرة أو محافظة ما. فلو كان لحزب ما تأييد قوي في جزء معيين من البلد فذلك سيؤدي إلى فوزه بأعلى عدد من الأصوات، الأمر الذي يترتب عليه فوزه بمعظم، إن لم يكن كافة المقاعد المخصصة لذلك الجزء. وذلك يؤدي إلى إقصاء الأقليات في تلك المنطقة وحرمانها من التمثيل، بالإضافة إلى تعميق الإحساس بأن المعركة السياسية محكومة بمن يكون المواطن وأين يقيم وليس بما يؤمن به. وهذا ما تمت إثارته مراراً لمحاربة هذا النظام في كندا على سبيل المثال.
-
يسفر هذا النظام عن ضياع أعداد كبيرة من الأصوات التي تهدر ولا تؤدي إلى انتخاب أي من المرشحين. وهذا ما يمكن أن يكون خطراً للغاية لو ترافق مع ما ورد أعلاه فيما يتعلق بالإقطاعية الحزبية، حيث يؤدي إلى يأس المؤيدين للأحزاب الصغيرة وأحزاب الأقلية من انتخاب ممثلين لهم في مناطقهم. وقد تزداد خطورته في تلك الحالات حيث تؤدي الاختلالات السياسية إلى تعزيز موقع الحركات المتطرفة وفسح المجال أمامها لتحريك جموع كبيرة من المؤيدين ضد النظام السياسي القائم.
-
يؤدي هذا النظام، في بعض الأحيان، إلى انقسام الأصوات بين الأحزاب الكبيرة المتنافسة أو المرشحين الأكثر شعبية، مما ينتج عنه فوز الأحزاب أو المرشحين الأقل شعبيةً وتمثيلاً. وتوفر الدراسة الخاصة حول بابوا غينيا الجديدة الواردة في هذا الدليل مثالاً حياً لذلك.
-
قد يبدو نظام الفائز الأول عديم الاستجابة للمتغيرات االطارئة على الرأي العام. إذ أن تمركز المؤيدين لحزب سياسي ما في منطقة جغرافية محددة يمكنه من الاستمرار في السيطرة على الحكم حتى في ظل تراجع أدائه الانتخابي من حيث عدد الأصوات الكلي على المستوى الوطني العام. ففي بعض البلدان التي تعتمد هذا النظام الانتخابي، قد لا يعني التراجع في حصة حزب ما من 60 بالمئة إلى 40 بالمئة من مجمل أصوات الناخبين على المستوى الوطني سوى انخفاضاً في حصته من مقاعد البرلمان من 80 بالمئة إلى 60 بالمئة، الأمر الذي لا يترك أثراً يذكر على موقعه المسيطر على الحكم بشكل عام. وفيما عدا الحالات التي تشتد فيها المنافسة على أعداد كافية من المقاعد، فقد يكون نظام الفائز الأول عديم التأثر بتأرجح نسبة الدعم على المستوى العام.
-
أخيراً، يتأثر نظام الفائز الأول، بشكل كبير، بمسألة ترسيم الدوائر الانتخابية. فللتقسيمات الانتخابية تبعاتها السياسية، إذ لا توجد حلول فنية لتوفير حل أمثل بمعزل عن الاعتبارات السياسية وغيرها. وقد تتطلب عملية ترسيم الدوائر الانتخابية إلى الكثير من الوقت والموارد للخروج بنتائج مرضية وشرعية. وقد تواجه العملية الكثير من الضغوطات ومحاولات التلاعب والتقسيم القائم على أساس تفضيل جهات معينة على حساب جهات أخرى. وهذا ما اتضح جلياً في انتخابات العام 1993 في كينيا، حيث أدى الاختلال الكبير في أحجام الدوائر الانتخابي إلى تمكين الحزب الحاكم (حزب الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني) من الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان رغم حصوله على 30 بالمئة فقط من مجمل أصوات الناخبين (في هذا المثال، ضمت أكبر دائرة انتخابية عدداً من الناخبين يفوق عددهم في أصغر دائرة بما يقارب 23 ضعفاً).