النـظم ومـؤثـراتـها
هناك عدد كبير من النظم الانتخابية المتنوعة، إلا أنه يمكن تصنيفها ضمن 12 نظام أساسي، تقع غالبيتها ضمن ثلاث عائلات. ولقد جرت العادة على تصنيف النظم الانتخابية استناداً إلى كيفية عمل كل منها على ترجمة الأصوات التي تفوز بها كل فئة مشاركة في الانتخابات إلى مقاعد في الهيئة التشريعية المنتخبة (البرلمان)، أو بمعنى آخر، استناداً إلى مدى نسبية كل من تلك الأنظمة. وللقيام بذلك فلا بد من الأخذ بالحسبان العلاقة التناسبية بين عدد الأصوات وعدد المقاعد، بالإضافة إلى النظر إلى مستوى الأصوات الضائعة.
فعلى سبيل المثال، استخدمت جنوب أفريقيا نظاماً انتخابياً نسبياً في انتخابات العام 2004، حيث فاز حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) بنسبة 69.69 بالمئة من الأصوات، وحصل بذلك على ما نسبته 69.75 بالمئة من مقاعد البرلمان. وعليه، فلقد كان النظام الانتخابي المستخدم تناسبياً للغاية، ولم يتجاوز عدد الأصوات الضائعة (تلك الأصوات المعطاة للأحزاب المشاركة في الانتخابات والتي لم تفضي للفوز بأية مقاعد) ما نسبته 0.74 بالمئة فقط من المجموع الكلي للأصوات. وعلى العكس من ذلك، فلقد أدى استخدام نظام الجولتين في انتخابات العام 2000 في منغوليا، حيث لم يتطلب الفوز أكثر مما نسبته 25 بالمئة من الأصوات، إلى حصول حزب الشعب الثوري المنغولي على 72 مقعداً من أصل 76 مقعد في البرلمان، وذلك على الرغم من حصوله على 52 بالمئة فقط من أصوات الناخبين. وهذا ما حصل كذلك في انتخابات العام 2003 في جيبوتي، حيث تم استخدام نظام الكتلة الحزبية، مما أسفر عن فوز حزب التجمع الشعبي من أجل التطوير على كافة مقاعد البرلمان البالغة 65 مقعداً، في الوقت الذي لم يحصل فيه سوى على ما نسبته 62.7 بالمئة من الأصوات.
وعلى الرغم من ذلك، يمكن أن ينتج عن بعض النظم الانتخابية غير النسبية في بعض الحالات (كنظام الفائز الأول) نتائج نسبية إلى حد ما، كالحالات التي يتركز فيها دعم حزب سياسي ما ضمن نطاق جغرافي محدد (كمقاطعة أو ولاية أو محافظة). وهذا ما كانت عليه النتائج في دولة أخرى من جنوب القارة الأفريقية، وهي مالاوي في انتخابات العام 2004. ففي تلك الانتخابات، حصل حزب المؤتمر المالاوي على 30 بالمئة من المقاعد بعد حصوله على 25 بالمئة من أصوات الناخبين، بينما حصل حزب الجبهة الديمقراطية الموحدة على 27 بالمئة من المقاعد بحصوله على 25 بالمئة من الأصوات كذلك، أما حزب الائتلاف الديمقراطي فحاز على حوالي 3 بالمئة من المقاعد بفوزه بما يقارب 4 بالمئة من الأصوات.
وعليه، فلقد عكست تلك النتائج درحة عالية من التناسب بين عدد الأصوات وعدد المقاعد، إلا أن السر في عدم اعتبار النظام المستخدم كنظام نسبي، وبالتالي عدم إمكانية تصنيفه كذلك، يكمن في ارتفاع أعداد الأصوات الضائعة في تلك الانتخابات، والتي بلغت حوالي نصف مجموع الأصوات التي تم الإدلاء بها، وهو ما أسهم في تحقيق هذا المستوى من التناسب.
وبنفس الطريقة يمكن لبعض العوامل المتعلقة بتصميم النظام الانتخابي أن تعمق من اختلال التناسب. فعادةً ما تسفر النظم التي تنطوي على مستويات عالية من التوزيع أو القسمة غير المنصفة عن نتائج غير متناسبة، كما هي الحال بالنسبة للنظم النسبية التي تشتمل على نسبة عالية للحسم، والتي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع كبير في أعداد الأصوات الضائعة، كما حصل في تركيا في انتخابات العام 2002 حيث أسفرت نسبة الحسم المعتمدة والتي بلغت 10 بالمئة إلى ضياع ما نسبته 46 بالمئة من أصوات الناخبين.
نـظم التـعدديـة/الأغـلبيـة
تفوم نظم التعددية/الأغلبية على مبدأ بسيط مفاده فوز المرشحين أو الأحزاب الحاصلين على أعلى عدد من أصوات الناخبين بعد فرزها وعدها (بالإضافة إلى بعض الشروط الأخرى التي قد تفرض أحياناً). إلا أنه يمكن الوصول إلى هذه النتيجة من الناحية العملية بطرق مختلفة.
هناك خمسة أنواع من نظم التعددية/الأغلبية هي:
ففي نظام الفائز الأول (والذي عادةً ما يعرف بنظام التعددية للدائرة الانتخابية أحادية التمثيل) يفوز بالمقعد الممثل للدائرة المرشح الحائز على أعلى عدد من الأصوات، وليس بالضرورة على الأغلبية المطلقة لتلك الأصوات. وعندما يستخدم هذا النظام في دوائر انتخابية متعددة التمثيل (تلك التي تنتحب أكثر من ممثل واحد لكل منها) يتحول إلى نظام الكتلة، حيث يمتلك الناخب عدداً من الأصوات يساوي عدد المقاعد التي يتم انتخابها لتمثيل دائرته الانتخابية، ويفوز بمقاعد الدائرة المرشحون الحائزون على أعلى الأصوات، بغض النظر عن نسبة تلك الأصوات. ويتحول هذا النظام إلى نظام الكتلة الحزبية عندما يكون على الناخبين الاقتراع لصالح قوائم حزبية بدلاً من انتقاء المرشحين بشكل فردي.
أما نظم الأغلبية، كنظام الصوت البديل أو نظام الجولتين، فتعمل على أساس فوز المرشح المنتخب بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين (كأن يفرض عليه الحصول على ما يزيد عن 50 بالمئة من الأصوات). وتعمد هذه الأنظمة إلى الأخذ بعين الاعتبار خيارات الناخبين الثانية وما يليها لاحتساب النتائج التي تسفر عن فوز المرشح المنتخب بالأغلبية المطلقة للأصوات في حال لم يحصل أي من المرشحين على تلك الأغلبية من خلال احتساب الخيارات الأولى لأصوات الناخبين.
نـظام الفـائـز الأول (FPTP)
يعد نظام الفائز الأول أبسط أنظمة التعددية/الأغلبية، حيث يتم استخدامه ضمن دوائر انتخابية أحادية التمثيل. وهو نظام يتمحور حول المرشحين الأفراد، إذ يقوم الناخب باختيار واحد فقط من مجموع المرشحين المدرجين على ورقة الاقتراع. وببساطة، فإن المرشح الفائز هو الحاصل على أعلى عدد من أصوات الناخبين. ونظرياً فقد يفوز المرشح بصوتين فقط في حال لم يحقق أي من المرشحين الآخرين سوى صوت واحد فقط.
بالإضافة إلى بريطانيا، تمثل كندا، والهند والولايات المتحدة الأمريكية أبرز الأمثلة على هذا النظام.
ميـزات وعيـوب نـظام الفـائـز الأول (FPTP)
الميزات
لنظام الفائز الأول مجموعة من الميزات الحسنة، إذ عادةً ما يبرز المدافعين عنه بساطته، شأنه في ذلك شأن أنواع أخرى من نظم التعددية/الأغلبية، بالإضافة إلى كونه يميل إلى إفراز ممثلين مرتبطين بشكل مباشر بمناطق جغرافية محددة. أما أهم محاسن هذا النظام التي يمكن الإشارة إليها فهي:
-
يوفر هذا النظام خياراً واضحاً لا لبس فيه أمام الناخبين بين الحزبين السياسيين الأكبر على الساحة. إذ أنه يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى تراجع حضوض الأحزاب الصغيرة، مما ينتج عنه جنوح النظام السياسي في البلد المعني نحو الانقسام بين حزب "يساري" وآخر "يميني" يتناوبان في الحكم. وبهذا تضمحل فرص الأحزاب الأخرى إلى درجة تتلاشى عندها إمكانية الحصول على تأييد شعبي يضمن لهم حضوراً مؤثراً في السلطة التشريعية المنتخبة.
-
يمكن هذا النظام قيام حكومات الحزب الواحد، إذ أن إحدى نتائجه تتمثل في تمكين الحزب الأكبر من الحصول على مزيد من المقاعد (كأن يحصل الحزب الفائز بنسبة 45 بالمئة من الأصوات على حوالي 55 بالمئة من المقاعد)، مما يجعل من حكومة الائتلاف الاستثناء وليس القاعدة. ويمتدح هذا الواقع لكونه يمكن تشكيل الحكومات القوية وغير المقيدة بتنازلات اضطرارية لصالح شركاء صغار في حكومة الائتلاف.
-
يمكن هذا النظام كذلك قيام معارضة برلمانية متراصة. إذ أنه من الناحية النظرية على الأقل، فإن الحانب الآخر للعملة يتمثل في توفير عدد كافٍ كذلك من المقاعد التمثيلية لصالح المعارضة، للقيام بدورها في مراقبة أعمال الحكومة وتقديم نفسها كبديل حقيقي للحزب الحاكم.
-
يعمل نظام الفائز الأول لصالح الأحزاب المرتكزة إلى قواعد واسعة من المؤيدين. ففي المجتمعات المنقسمة عرقياً أو جغرافياً يعمل هذا النظام على تشجيع وتقوية الأحزاب الشمولية والتي تضم تحت جناحيها العديد من الفئات الاجتماعية، خاصةً في تلك الحالات حيث يتواجد حزبين رئيسيين فقط في الوقت الذي ينقسم فيه المجتمع إلى العديد من الجماعات. وفي هذه الحالات يعمل الحزبين الرئيسيين على تسمية مجموعات مختلفة من المرشحين. ففي ماليزيا على سبيل المثال، تتألف الحكومة من حركة سياسية جامعة تضم ممثلين عن فئات من أصول ماليزية، وصينية وهندية موزعين على مناطق ذات تركيبة وتنوع اجتماعيين متفاوت.
-
يسهم هذا النظام في الحد من إمكانية الأحزاب المتطرفة في الحصول على تمثيل برلماني لها. إذ أن الأحزاب المتطرفة الصغيرة لا يمكن لها أن تحصل على تمثيل إلا في حال تركز مؤيدوها ضمن منطقة جغرافية محصورة. (في مقابل ذلك، نجد بأن 1 بالمئة فقط من أصوات الناخبين، في ظل نظام القائمة النسبية لو طبق في بلد يشكل في مجمله دائرة انتخابية واحدة، يمكن أن يضمن حداً أدنى من التمثيل البرلماني).
-
يحفز نظام الفائز الأول على تقوية الصلة بين الممثلين وناخبيهم، إذ أنه ينتج سلطات مؤلفة من ممثلين لمناطق جغرافية محددة، حيث يمثل الأعضاء المنتخبون مناطق محصورة من المدن، أو البلدات أو الألوية والمحافظات، ولا ينحصر تمثيلهم في شعارات الحزب السياسي. ويعتقد بعض المحللون بأن لهذا النوع من التمثيل و"المسؤولية الجغرافية" أهمية خاصة في المجتمعات الريفية والبلدان النامية.
-
يعطي هذا النظام الناخبين فرصةً للاختيار بين الأفراد وليس بين الأحزاب السياسية فقط. إذ يمكن للناخبين تقييم أداء المرشحين الأفراد بدلاً من الالتزام بقبول قوائم من المرشحين تنتقيهم الأحزاب السياسية، مثلما يحدث في ظل بعض نظم القائمة النسبية.
-
يعطي هذا النظام الفرصة للمرشحين المستقلين للفوز بالانتخاب. وهذا ما قد يكون على درجة عالية من الأهمية في تلك المجتمعات التي ما زالت أحزابها السياسية في طور النشوء، حيث تدور العلاقات السياسية ضمن نطاق العلاقات العائلية، أو القبلية أو العرقية، بدلاً من استنادها إلى تنظيمات سياسية قوية ومتماسكة.
-
أخيراً يمتدح نظام الفائز الأول لكونه سهل الاستخدام ويسير الفهم. حيث لا يحتاج الصوت الصالح إلا للتأشير بجانب اسم أو رمز المرشح المفضل على ورقة الاقتراع. وهو يسهل عملية فرز الأصوات وعدها، حتى عندما تشتمل ورقة الاقتراع على أسماء عدد كبير من المرشحين.
العيوب
إلا أن لنظام الفائز الأول سيئاته كذلك، ومنها:
-
ينتج عنه استثناء الأحزاب الصغيرة والحد من إمكانية حصولها على تمثيل برلماني عادل، إذ أنه يفترض على الحزب الذي يحصل على 10 بالمئة من الأصوات على سبيل المثال أن يحصل على نسبة مماثلة تقريباً من مقاعد البرلمان. ففي الانتخابات الفيدرالية للعام 1993 في كندا حصل حزب الماحفظين التقدميين على 16 بالمئة من أصوات الناخبين إلا أنه لم يفوز إلا بنسبة 0.7 بالمئة من المقاعد؛ وفي الانتخابت العامة للعام 1998 في ليسوتو حصل حزب باسوتو الوطني على 24 بالمئة من الأصوات في حين فاز بواحد بالمئة فقط من المقاعد. وهذا النموذج يتكرر مراراً في ظل نظام الفائز الأول.
-
يحرم نظام الفائز الأول الأقليات من الحصول على تمثيل عادل. إذ تعتاد الأحزاب السياسية على تسمية المرشح الأكثر قبولاً وشعبيةً في كل دائرة انتخابية، وذلك لكسب ود غالبية الناخبين. وعليه، فمن غير المعتاد أن يحصل مرشح أسود، على سبيل المثال، على دعم وترشيح من قبل حزب كبير في دائرة انتخابية تقطنها غالبية من البيض في بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك الكثير من التجارب التي تثبت بأن فرص الأقليات العرقية بالحصول على تمثيل برلماني لها أقل بكثير في ظل استخدام نظام الفائز الأول. وبالمحصلة، فإذا ما انتهج الناخبون ممارسات انتخابية تتطابق مع الانقسامات الاجتماعية القائمة، فإن إقصاء المنتمين إلى الأقليات من التمثيل يمكن أن يؤدي إلى زعزعة أركان النظام السياسي برمته.
-
يؤدي هذا النظام إلى إضعاف التمثيل البرلماني العادل للمرأة. فمقولة اللجوء إلى "المرشح الأكثر شعبية" تؤثر بشكل مباشر وسلبي في فرص النساء في الانتخاب، وذلك لكونهن أقل حضاً بالحصول على دعم الأحزاب السياسية، والتي يسيطر الرجال فيها على مراكز القرار، لترشيحهن. وأظهرت التجارب حول العالم بأن المرأة تتمتع بفرص أقل كثيراً في الانتخاب في ظل نظم التعددية/الأغلبية منها في ظل النظم النسبية.
-
يتيح نظام الفائز الأول الفرصة لنشوء الأحزاب المستندة إلى قواعد قبلية، أو عرقية أو مناطقية، والتي تؤسس حملاتها وبرامجها السياسية استناداً إلى مفاهيم وأطروحات جذابة للغالبية في منطقتها أو دائرتها إلا أنها قد تكون معادية للآخرين وتقوم على استثنائهم. ولقد شكل ذلك معضلة دائمة في بعض الدول الأفريقية، كملاوي أو كينيا، حيث تتمركز مجموعات قبلية كبيرة في مناطق جغرافية محصورة. مما يؤدي إلى انقسام البلد إلى مناطق حزبية حيث يتمتع كل حزب بموقع القوة في كل منها، الأمر الذي لا يحفز الأحزاب على الاهتمام بأية مسائل خارج نطاق مناطق نفوذهم ومجموعات مؤيديهم.
-
يمكن لنظام الفائز الأول أن يزيد من حدة الإقطاعية الحزبية، حيث يمكن حزباً واحداً أن يفوز بمفرده بكافة المقاعد التمثيلية في دائرة أو محافظة ما. فلو كان لحزب ما تأييد قوي في جزء معيين من البلد فذلك سيؤدي إلى فوزه بأعلى عدد من الأصوات، الأمر الذي يترتب عليه فوزه بمعظم، إن لم يكن كافة المقاعد المخصصة لذلك الجزء. وذلك يؤدي إلى إقصاء الأقليات في تلك المنطقة وحرمانها من التمثيل، بالإضافة إلى تعميق الإحساس بأن المعركة السياسية محكومة بمن يكون المواطن وأين يقيم وليس بما يؤمن به. وهذا ما تمت إثارته مراراً لمحاربة هذا النظام في كندا على سبيل المثال.
-
يسفر هذا النظام عن ضياع أعداد كبيرة من الأصوات التي تهدر ولا تؤدي إلى انتخاب أي من المرشحين. وهذا ما يمكن أن يكون خطراً للغاية لو ترافق مع ما ورد أعلاه فيما يتعلق بالإقطاعية الحزبية، حيث يؤدي إلى يأس المؤيدين للأحزاب الصغيرة وأحزاب الأقلية من انتخاب ممثلين لهم في مناطقهم. وقد تزداد خطورته في تلك الحالات حيث تؤدي الاختلالات السياسية إلى تعزيز موقع الحركات المتطرفة وفسح المجال أمامها لتحريك جموع كبيرة من المؤيدين ضد النظام السياسي القائم.
-
يؤدي هذا النظام، في بعض الأحيان، إلى انقسام الأصوات بين الأحزاب الكبيرة المتنافسة أو المرشحين الأكثر شعبية، مما ينتج عنه فوز الأحزاب أو المرشحين الأقل شعبيةً وتمثيلاً. وتوفر الدراسة الخاصة حول بابوا غينيا الجديدة الواردة في هذا الدليل مثالاً حياً لذلك.
-
قد يبدو نظام الفائز الأول عديم الاستجابة للمتغيرات االطارئة على الرأي العام. إذ أن تمركز المؤيدين لحزب سياسي ما في منطقة جغرافية محددة يمكنه من الاستمرار في السيطرة على الحكم حتى في ظل تراجع أدائه الانتخابي من حيث عدد الأصوات الكلي على المستوى الوطني العام. ففي بعض البلدان التي تعتمد هذا النظام الانتخابي، قد لا يعني التراجع في حصة حزب ما من 60 بالمئة إلى 40 بالمئة من مجمل أصوات الناخبين على المستوى الوطني سوى انخفاضاً في حصته من مقاعد البرلمان من 80 بالمئة إلى 60 بالمئة، الأمر الذي لا يترك أثراً يذكر على موقعه المسيطر على الحكم بشكل عام. وفيما عدا الحالات التي تشتد فيها المنافسة على أعداد كافية من المقاعد، فقد يكون نظام الفائز الأول عديم التأثر بتأرجح نسبة الدعم على المستوى العام.
-
أخيراً، يتأثر نظام الفائز الأول، بشكل كبير، بمسألة ترسيم الدوائر الانتخابية. فللتقسيمات الانتخابية تبعاتها السياسية، إذ لا توجد حلول فنية لتوفير حل أمثل بمعزل عن الاعتبارات السياسية وغيرها. وقد تتطلب عملية ترسيم الدوائر الانتخابية إلى الكثير من الوقت والموارد للخروج بنتائج مرضية وشرعية. وقد تواجه العملية الكثير من الضغوطات ومحاولات التلاعب والتقسيم القائم على أساس تفضيل جهات معينة على حساب جهات أخرى. وهذا ما اتضح جلياً في انتخابات العام 1993 في كينيا، حيث أدى الاختلال الكبير في أحجام الدوائر الانتخابي إلى تمكين الحزب الحاكم (حزب الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني) من الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان رغم حصوله على 30 بالمئة فقط من مجمل أصوات الناخبين (في هذا المثال، ضمت أكبر دائرة انتخابية عدداً من الناخبين يفوق عددهم في أصغر دائرة بما يقارب 23 ضعفاً).
نـظـام الكـتـلـة (BV)
يتمثل نظام الكتلة، ببساطة، في استخدام نظام الأغلبية في دوائر انتخابية متعددة التمثيل (أي التي تنتخب أكثر من ممثل واحدة عن كل منها). ويتمتع الناخبون بعدد من الأصوات يساوي عدد المقاعد التي يتم انتخابها عن دوائرهم، بحيث يمكنهم الاقتراع لأي من المرشحين على ورقة الاقتراع، بغض النظر عادةً عن انتماءاتهم الحزبية. وفي غالبية نظم الكتلة، يمكن للناخب الإدلاء بما شاء من الأصوات التي يمتلكها طالما لم يتعدى ذلك عدد المقاعد المخصصة لدائرته الانتخابية. ولقد استخدم نظام الكتلة في الأردن في العام 1989، وفي منغوليا في العام 1992، وفي كل من الفلبين والتايلاند حتى العام 1997، إلا أن هذه البلدان قامت بتغييره نظراً لعدم الارتياح لنتائجه.
ميـزات وعيـوب نـظام الـكتـلـة (BV)
الميزات
من حسنات نظام الكتلة أنه يمكّن الناخبين من اختيار مرشحيهم بحرية أكبر ودون الأخذ بانتماءاتهم الحزبية، ولكونه يفسح المجال لتقسيم البلد إلى دوائر انتخابية متعادلة الحجم نسبياً، في الوقت الذي يؤكد على دور أكثر أهمية للأحزاب السياسية، بالمقارنة مع نظام الفائز الأول، دافعاً باتجاه تقوية وتمكين الأحزاب الأكثر تماسكاً والأفضل تنظيماً.
العيوب
أما أهم مساوئه فتتمثل في انعكاساته غير المتوقعة وغير المرغوب فيها أحياناً على نتائج الانتخابات. فعندما يقوم الناخبون بالاقتراع بمجمل أصواتهم لصالح مرشحي حزب ما على سبيل المثال، يؤدي ذلك إلى تضخيم الاختلالات الناتجة عن نظام الفائز الأول فيما يتعلق بالتناسب بين عدد الأصوات وما تفضي إليه من مقاعد. وهذا ما يحصل بشكل خاص عندما تقوم الأحزاب بتسمية مرشحين لها لكافة المقاعد المتنافس عليها الدائرة وبحث ناخبيها للاقتراع لكل منهم. ففي انتخابات عام 1982 وعام 1995 في موريشيوس، على سبيل المثال، فاز حزب المعارضة بكافة مقاعد البرلمان بحصوله على 64 بالمئة وعلى 65 بالمئة، على التوالي، من أصوات الناخبين. ونتج عن ذلك مصاعب جمة أمام عمل النظام البرلماني بشكل فاعل والقائم على وجود حكومة ومعارضة. وخفف من ذلك، ولو بشكل جزئي، اللجوء إلى ما يعرف "بأفضل المواقع الخاسرة" لملئ بعض المقاعد.
أما في التايلاند فوجد نظام الكتلة كعامل أدى إلى انقسام وتشرذم الأحزاب السياسية. إذ أن النظام يسهم في تنافس مرشحي الحزب الواحد فيما بينهم نظراً لتمكن الناخبين من الاقتراع لأكثر من مرشح واحد في دوائرهم الانتخابية، حتى ولو كان كل منهم ينتمي لحزب مغاير. وعليه ينظر أحياناً لنظام الكتلة على أنه يسهم في الانقسامات الداخلية للأحزاب السياسية واسشراء الفساد في صفوفها.
لذلك نجد بأن بعض الدول قد هجرت هذا النظام واستغنت عن استخدامه في السنوات الأخيرة معتمدةً نظماً أخرى. إذ تحولت كل من التايلاند والفلبين من نظام الكتلة إلى نظام مختلط في نهايات التسعينات من القرن الماضي. وفي كلتا الحالتين برر التحول كمحاولة لمحاربة شراء الأصوات والعمل على تطوير الأحزاب السياسية وتقويتها.
نـظـام الكـتـلـة الحـزبيـة (PBV)
على عكس ما يحصل في ظل نظام الفائز الأول، يقوم نظام الكتلة الحزبية على وجود دوائر انتخابية متعددة التمثيل، حيث يملك الناخب صوتاً واحداً يستخدمه لممارسة خياره بين قوائم حزبية من المرشحين بدلاً من الاختيار بين المرشحين الأفراد. ويفوز الحزب (أو القائمة) الحاصل على أعلى الأصوات بكافة مقاعد الدائرة الانتخابية، وبذلك يتم انتخاب كافة مرشحيه على القائمة. وكما هي الحال في نظام الفائز الأول لا يتحتم على الفائز الحصول على الأغلبية المطلقة من الأصوات. وحسب المعطيات المتوفرة حتى عام 2004، يتم استخدام هذا النظام في أربع دول هي: الكاميرون، والتشاد، وجيبوتي، وسنغافورة.
ميـزات وعيـوب نـظام الـكتـلـة الحزبية (BV)
الميزات
تتمثل أهم مزايا هذا النظام في كونه سهل الاستخدام، ويعمل على تحفيز الأحزاب السياسية وتمكينها من ترشيح مجموعات مختلطة من المرشحين وذلك عملاً على تمكين الأقليات من الحصول على تمثيل لها. ويمكن استخدامه لتحقيق تمثيل عرقس متوازن، حيث أنه يمكن الأحزاب من تقديم قوائم مرشحين تشتمل على تنوع عرقي، وقد يتم تصميمه بشكل يلزم الأحزاب القيام بذلك.
العيوب
إلا أن نظام الكتلة الحزبية يعاني من معظم المساوئ المتعلقة بنظام الفائز الأول، إذ أنه قد يؤي إلى نتائج غير تناسبية من خلال تمكينه لحزب ما الفوز بكافة المقاعد بالرغم من حصوله على أغلبية بسيطة من الأصوات. ففي انتخابات عام 1997 في جيبوتي فاز ائتلاف التجمع من أجل الأغلبية الرئاسية الحاكم بكافة مقاعد البرلمان، تاركاً بذلك حزبي المعارضة خارج نطاق التمثيل البرلماني.
نـظام الـصـوت البـديـل (AV)
تنتظم الانتخابات في ظل هذا النظام عادةً على أساس الدوائر الانتخابية أحادية التمثيل، كما هي الحال في ظل نظام الفائز الأول. إلا أن نظام الصوت البديل يعطي الناخب خياراً أوسع مما يعطيه نظام الفائز الأول لدى ممارسة الاقتراع. فبدلاً من تحديد مرشحهم المفضل على ورقة الاقتراع، يقوم الناخبون حسب هذا النظام بترتيب المرشحين حسب الأفضلية وذلك من خلال إعطاء المرشح المفضل الرقم "1" ومن ثم إعطاء الذي يليه في الأفضلية الرقم "2" ومن ثم الرقم "3" للذي يليه وهكذا. وبهذا الشكل يعطي نظام الصوت البديل الناخبين إمكانية التعبير عن أفضلياتهم بدلاً من التعبير عن خيارهم الأول فقط. ولهذا السبب يعرف هذا النظام عادةً بنظام الصوت التفضيلي في البلدان التي تعتمده (كما هي الحال بالنسبة لنظام بوردا، ونظام الصوت الواحد المتحول ونظام الصوت الإضافي والتي تعتبر جميعها من فصيلة النظم التفضيلية).
يختلف هذا النظام عن نظام الفائز الأول كذلك في طريقة عد الأصوات. فعلى الرغم من فوز المرشح الحاصل على الأغلبية المطلقة للأصوات (50 بالمئة زائد واحد) بشكل مباشر، كما يحصل في نظام الفائز الأول ونظام الجولتين، إلا أنه في حال عدم حصول أي من المرشحين على تلك الأغلبية من الأصوات، يتم إقصاء المرشح الحاصل على أدنى عدد من الأفضليات الأولى من عملية عد الأصوات، ويتم احتساب تلك الأوراق استناداً إلى الأفضلية الثانية (الرقم "2") في كل منها. ويتم احتساب كل ورقة منها لصالح المرشح الحاصل على أعلى الأفضليات. ويتم تكرار هذه العملية إلى أن يحصل أحد المرشحين على الأغلبية المطلقة المطلوبة من الأصوات ويفوز بذلك في الانتخاب. وعليه فإن نظام الصوت البديل هو أحد نظم الأغلبية
من الممكن، وليس من الضروري، أن يطلب من الناخبين في ظل النظم التفضيلية كنظام الصوت البديل أن يقوموا بترقيم كافة أو معظم المرشحين على ورقة الاقتراع حسب ترتيب الأفضليات، وذلك لتفادي ضياع الأصوات في المراحل المتقدمة من عملية العد بسبب عدم تعبيرها عن مزيد من الأفضليات المتسلسلة. إلا أن ذلك من شأنه أن يعمل على زيادة عدد الأصوات الباطلة، كما وأنه يرفع من أهمية الأفضليات التي يجبر الناخب للتعبير عنها بين مرشحين لا يعنونه بأي شكل من الأشكال أو يرفضهم بشكل تام.
ميـزات وعيـوب نـظام الـصـوت البـديـل (AV)
الميزات
تتمثل أهم مزايا هذا النظام في تمكين الأصوات المعطاة لمجموعة من المرشحين من التراكم، بحيث يمكن توفيق الاهتمامات المتقاربة على الرغم من اختلافها من أجل الحصول على تمثيل في البرلمان. كما وأن نظام الصوت البديل يمكن الناخبين المؤيدين للمرشحين ذوي الحضوض الضئيلة بالفوز من التأثير في انتخاب المرشح الأوفر حضاً من خلال أفضلياتهم الثانية والثالثة على ورقة الاقتراع. وعليه كثيراً ما يعتبر هذا النظام على أنه عامل محفز باتجاه انتهاج سياسات الوسط، وذلك لكونه يدفع بالمرشحين للعمل على كسب الأفضليات الثانية أو الثالثة للناخبين الآخرين من غير مؤيديهم الأساسيين. وهو ما يتطلب من المرشحين العمل على توسيع دوائر التأييد بدلاً من حصر جهودهم في أطر ضيقة. وعادةً ما تدعم التجربة الأسترالية في استخدام هذا النظام هذه الميول: إذ كثيراً ما تعمل الأحزاب الكبيرة على الاتفاق مع الأحزاب الصغيرة من أجل الحصول على الأفضليات الثانية من مؤيديها قبل كل عملية انتخابية، الأمر الذي يعرف "بتبادل الأفضليات". بالإضافة إلى ذلك، وبسبب مطلب الأغلبية الذي يقوم عليه نظام الصوت البديل، فهو يرفع من مستوى التأييد للمرشحين المنتخبين، الأمر الذي ينتج عنه مستوىً أعلى من الشرعية المكتسبة.
وتدل التجربة في كل من استراليا وبابوا غينيا الجديدة على إمكانيات نظام الصوت البديل في الدفع باتجاه انتهاج سياسات تعاونية وأكثر شمولية. وفي السنوات الأخيرة تم اعتماد نظام الصوت البديل أو أحد متغيراته (الصوت الإضافي) لتنظيم الانتخابات الرئاسية في البوسنة ولانتخاب رؤساء البلديات في كل من لندن وسان فرانسيسكو.
العيوب
ولنظام الصوت البديل عيوبه كذلك، فهو يتطلب مستويات جيدة من الوعي والثقافة لتطبيقه بشكل صحيح، كما وأنه قد يؤدي إلى نتائج غير تناسبية بسبب استخدامه في دوائر أحادية التمثيل بالمقارنة مع نظم التمثيل النسبي، وحتى بالمقارنة مع نظام الفائز الأول في بعض الحالات. كذلك فإن ميول هذا النظام لإفراز نتائج وسطية يستند إلى حد كبير على العوامل الاجتماعية والديمغرافية المحيطة به: فبينما تمخضت عنه نتائج أكثر اعتدالاً من حيث التمثيل النسبي لمختلف المجموعات العرقية في انتخابات الستينات والسبعينات من القرن الماضي في بابوا غينيا الجديدة، الأمر الذي أدى إلى إعادة اعتماده مؤخراً، ما انفكت الانتقادات تتوارد حول استخدامه في بلد آخر من بلدان المحيط الهادئ، فيجي، منذ البدء في استخدامه في 1997. أخيراً وكما اتضح من خلال تطبيق هذا النظام في انتخابات مجلس الشيوخ في أستراليا بين الأعوام 1919 و 1946، لا يعمل نظام الصوت البديل بشكل جيد في ظل وجود دوائر انتخابية كبيرة متعددة التمثيل.
نـظام الجـولتيـن (TRS)
كما يستدل من اسمه، يقوم هذا النظام على انتظام العملية الانتخابية من خلال جولتين انتخابيتين بدلاً من الجولة الواحدة، عادةً ما يفصل بينهما فاصل زمني قصير، حيث تسير الجولة الأولى بذات الطريقة التي يتم فيها تنظيم الانتخاب على أساس الجولة الواحدة ضمن نظم التعددية/الأغلبية، وغالباً ما يكون ذلك استناداً إلى نظام الفائز الأول. إلا أنه من الممكن استخدام نظام الجولتين في دوائر انتخابية متعددة التمثيل، من خلال استخدام نظام الكتلة (كما هي الحال في كيريباتي) أو نظام الكتلة الحزبية (كما هي الحال في مالي). ويفوز في الانتخاب بشكل مباشر في الجولة الأولى، ودون الحاجة إلى جولة ثانية، الحزب أو المرشح الحاصل على أغلبية معينة من الأصوات، عادةً ما تكون الأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين الصالحة، على الرغم من اعتماد بعض الدول لأغلبية أخرى في الانتخابات الرئاسية لدى استخدامها لنظام الجولتين. وفي حال عدم فوز أي من الأحزاب أو المرشحين بتلك الأغلبية في الجولة الأولى، يتم تنظيم جولة انتخابية ثانية يفوز فيها بالانتخاب الحزب أو المرشح الحاصل على أعلى الأصوات.
أما التفاصيل المتعلقة بالجولة الثانية فتختلف من حالة إلى أخرى. والطريقة الأكثر شيوعاً تتمثل في حصر المنافسة في الجولة الثانية بين المرشحين (أو الحزبين) الحاصلين على أعلى الأصوات في الجولة الأولى، وهو ما يعرف بنظام الجولتين المستند إلى الأغلبية، إذ ينتج عنه بالضرورة فوز أحد المرشحين (أو الحزبين) بالأغلبية المطلقة للأصوات في الجولة الثانية وبالتالي فوزه في الانتخاب. أما الطريقة الأخرى، والتي تعرف بنظام الجولتين المستند إلى التعديية/الأغلبية، والذي يتم استخدامه في الانتخابات التشريعية في فرنسا، فتتمثل في تمكين أي مرشح يحصل على ما يزيد عن 12.5 بالمئة من أصوات الناخبين المسجلين في الجولة الأولى المشاركة في الجولة الثانية من الانتخابات. ويفوز في الانتخاب في الجولة الثانية المرشح الحاصل على أعلى الأصوات، بغض النظر عما إذا حصل على الأغلبية المطلقة للأصوات أم لا. وبالتالي فهذه الطريقة تختلف عن سابقتها، حيث يمكن أن يشارك في الجولة الانتخابية الثانية عدد أكبر من المرشحين لا ينحصر في مرشحين اثنين فقط.
ميـزات وعيـوب نـظام الجـولتيـن (TRS)
الميزات
-
تتمثل أهم مزايا نظام الجولتين في أنه يعطي الناخبين فرصة ثانية للاقتراع لصالح مرشحهم المفضل من جديد، أو لتغيير رأيهم بين الجولة الأولى والثانية. وبذلك فهو يتحلى ببعض مزايا النظم التفضيلية، كنظام الصوت البديل، في نفس الوقت الذي يمكّن الناخبين من التعبير عن خيار آخر جديد في الجولة الثانية مغاير كلياً لخيارهم في الجولة الأولى.
-
يعمل نظام الجولتين على تحفيز الائتلافات واتفاقات الدعم المتبادل بين المرشحين المتقدمين على غيرهم في الجولة الأولى، وذلك تحضيراً للجولة الثانية، مما يؤدي إلى توافقات استراتيجية بين الأحزاب والمرشحين. كما وأنه يعطي الأحزاب السياسية وجمهور الناخبين الفرصة للتفاعل مع المتغيرات السياسية الحاصلة في الفترة الفاصلة بين الجولتين الانتخابيتين.
-
يحد هذا النظام من مشكلة انقسام الأصوات، وهو ما تعاني منه كثيراً من نظم التعددية/الأغلبية، حيث تنقسم الأصوات بين حزبين أو مرشحين متقاربين أو متماثلين، مما ينتج عنه فوز حزب أو مرشح آخر أقل شعبية. ومن ناحية أخرى، لكونه لا يتطلب من الناخبين ترتيب المرشحين على ورقة الاقتراع حسب الأفضلية والتعبير عن أفضلياتهم الأولى، فالثانية وهكذا، فقد يكون نظام الجولتين أكثر ملاءمة من النظم التفضيلية للبلدان التي تعاني من وجود نسب عالية من الأميين.
العيوب
-
قد يثقل نظام الجولتين كاهل الإدارة الانتخابية، والتي تضطر بموجبه لتنظيم عملية انتخابية ثانية خلال مدة زمنية قصيرة بعد الانتهاء من الأولى، مما يزيد من أعباء العملية الانتخابية وتكلفتها المادية، بالإضافة إلى مزيد من التأخير في الإعلان عن نتائج الانتخابات النهائية. الأمر الذي قد يؤدي إلى شئ من عدم الاستقرار والغموض. زد على ذلك كونه يلقي المزيد من الأعباء على كاهل الناخبين، من خلال اضطرارهم للقيام بالاقتراع مرتين متتاليتين، الأمر الذي كثيراً ما ينتج عنه انخفاض حاد في مستويات المشاركة في الجولة الثانية مقارنة بالأولى.
-
يعاني نظام الجولتين من كثير من مساوئ نظام الفائز الأول. ولقد أظهرت الدراسات بأن هذا النظام يفرز في فرنسا أقل النتائج الانتخابية تناسباً في الديمقراطيات الغربية، كما وأنه يميل إلى شرذمة الأحزاب السياسية وتشجيع الانقسامات بداخلها في الديمقراطيات الناشئة.
-
تتعلق أكثر العيوب الناتجة عن نظام الجولتين جديةً بالتبعات المترتبة على تطبيقه في المجتمعات المنقسمة على ذاتها. ففي انتخابات العام 1992 في أنغولا، والتي كان يفترض أن تفضي إلى سلام داخلي في البلد، نتج عن الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية فوز قائد المتمردين، جوناس سافيمبي، بالمرتبة الثانية بمجموع 40 بالمئة من الأصوات، مقابل 49 بالمئة لصالح مرشح الحزب الحاكم، جوسيه دوسانتوس. ولقد استدل قائد المتمردين من ذلك بأن حضوضه في الفوز بالجولة الثانية معدومة، وعليه فضل عدم الاستمرار في اللعبة الديمقراطية والقيام بدور المعارضة، وبدلاً من ذلك عاد فوراً إلى إشعال الحرب الأهلية والتي استمرت بعد ذلك لعقد إضافي من الزمن. أما في انتخابات العام 1993 في الكونغو (برازافيل)، فلقد أدى الانطباع السائد لدى أحزاب المعارضة بأن الحزب الحاكم سيكتسح الساحة ويحصل على أعلى النتائج في الجولة الثانية إلى مقاطعة المعارضة للجولة الثانية واللجوء إلى الصدام المسلح. وفي كلتا الحالتين، فلقد كانت المؤشرات الناتجة عن الجولة الأولى بأن أحد المتنازعين سيخسر الانتخابات في الجولة الثانية بمثابة الشرارة التي ولدت العنف. وفي انتخابات العام 1992 في الجزائر، نتج عن فوز مرشح جبهة الإنقاذ الإسلامي في الجولة الأولى تدخل المؤسسة العسكرية وإلغاء الجولة الثانية من الانتخابات.
نـظم التـمثيـل النسـبي (PR)
تقوم الفكرة الأساسية لنظم التمثيل النسبي على تقليص الفارق النسبي بين حصة الحزب المشارك في الانتخابات من أصوات الناخبين على المستوى الوطني وحصته من مقاعد الهيئة التشريعية (البرلمان) التي يتم انتخابها. فلو فاز حزب كبير بما نسبته 40 بالمئة من الأصوات، يجب أن يحصل على ذات النسبة تقريباً من مقاعد البرلمان، وكذلك الحال بالنسبة للحزب الصغير الذي يفوز بنسبة 10 بالمئة من الأصوات يجب أن يحصل كذلك على حوالي 10 بالمئة من تلك المقاعد. ويعمل هذا المبدأ على تعزيز ثقة مختلف الأحزاب بالنظام الانتخابي وبالتالي تأييدهم له.
يتطلب تنفيذ نظم التمثيل النسبي وجود دوائر انتخابية معتددة التمثيل، إذ لا يمكن توزيع المقعد الواحد نسبياً. وهناك نوعان رئيسيان من نظم التمثيل النسبي وهما نظام القائمة النسبية (List PR) ونظام الصوت الواحد المتحول (STV). وكثيراً ما يعتقد بأن اللجوء إلى استخدام القوائم الحزبية يزيد من فرص تحقيق النسبية في التمثيل، حيث تقوم الأحزاب السياسية بتقديم قوائم من المرشحين سواء على المستوى الوطني أو المحلي، إلا أنه يمكن تحقيق ذلك من خلال نظم الانتخاب التفضيلية أيضاً: فنظام الصوت الواحد المتحول، حيث يقوم الناخبون بترتيب المرشحين على ورقة الاقتراع بالتسلسل حسب الأفضلية في الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل، يعتبر نظاماً نسبياً آخر أثبت فعاليته في هذا الاتجاه.
هناك الكثير من الاعتبارات ذات التأثير الكبير والمباشر على طريقة عمل نظم التمثيل النسبي على أرض الواقع. فكلما زاد عدد المرشحين المنتخبين عن كل دائرة انتخابية كلما ارتفع مستوى النسبية في النظام الانتخابي. كما وأن نظم التمثيل النسبي تختلف فيما بينها بماهية الخيارات التي توفرها للناخب، من حيث استطاعة الناخب الاختيار بين الأحزاب السياسية أو المرشحين الأفراد أو كليهما معاً.
ميـزات التـمثيـل النسـبي (PR)
تمتاز نظم التمثيل النسبي بشكل أساسي بكونها تعمل على تفادي النتائج غير المرغوب بها لنظم التعددية/الأغلبية مما يجعلها صالحة لإفراز هيئات تشريعية تمثيلية بشكل أفضل. ففي كثير من الديمقراطيات الناشئة، وخاصة تلك التي تواجه انقسامات اجتماعية حادة، قد تصبح مسألة إشراك كافة المجموعات والمكونات الاجتماعية شرطاً مفصلياً لا غنى عنه لتدعيم النظام الديمقراطي بشكل عام. إذ أن الفشل في توفير الفرصة الحقيقة لكافة الأقليات، بالإضافة للأكثرية، للمشاركة في صنع القرار وتطوير النظام السياسي من شأنه أن يفضي إلى نتائج كارثية.
وتتلخص أهم مميزات نظم التمثيل النسبي بما يلي:
-
تعمل هذه النظم على ترجمة الأصوات إلى مقاعد بشكل دقيق، متفادية بذلك بعض النتائج المترتبة على نظم التعددية/الأغلبية الأكثر مدعاة للقلق والأقل عدالة. حيث تعمل هذه النظم على الحد من حصول الأحزاب الكبيرة على مقاعد إضافية تفوق نسبتها من أصوات الناخبين، في الوقت الذي تسمح للأحزاب الاصغيرة الوصول إلى البرلمان من خلال الحصول على أعداد محدودة من أصوات الناخبين.
-
تحفز نظم التمثيل النسبي قيام الأحزاب السياسية أو تشكيل التجمعات الانتخابية من قبل المرشحين المتقاربين فكرياً لتقديم قوائم من المرشحين للانتخاب. ومن شأن ذلك الإسهام في إيضاح السياسات والاختلافات الأيديولوجية والقيادية القائمة ضمن مجتمع ما، خاصةً عندما يفتقد ذلك المجتمع لأحزاب سياسية قوية ومتماسكة، كما كانت عليه الحال في تيمور الشرقية لحظة استقلالها.
-
ينتج عن هذه النظم انحسار في أعداد الأصوات الضائعة أو المهدورة. فعندما تنخفض نسبة الحسم تفضي كافة الأصوات تقريباً إلى انتخاب مرشح ما. وهو ما يزيد من قناعة الناخب بالفائدة من المشاركة في العملية الانتخابية والتوجه إلى مراكز الاقتراع، حيث تزداد القناعة لدى الناخبين بأن لأصواتهم تأثير حقيقي من شأنه أن يحدث تغييراً فعلياً في نتائج الانتخاب، مهما كان ذلك التغيير متواضعاً.
-
تساعد نظم التمثيل النسبي أحزاب الأقليات في الحصول على تمثيل لها. فعدا تلك الحالات التي ترتفع فيها نسبة الحسم إلى مستويات غير مقبولة، أو يصغر فيها حجم الدوائر الانتخابية بشكل غير معتاد، يصبح بإمكان أي حزب يحصل على نسبة بسيطة من أصوات الناخبين الحصول على تمثيل له في البرلمان. وهذا ما يحقق مبدأ التعددية والذي يمكن اعتباره أساسياً في استقرار المجتمعات المنقسمة، بالإضافة إلى فوائده المثبتة والمتعلقة بعملية اتخاذ القرارات في الديمقراطيات الراسخة.
-
تعمل هذه النظم على تحفيز الأحزاب السياسية للتوجه إلى أطر واسعة من الناخبين، خارج نطاق الدوائر التي يكثر فيها مؤيديها أو تلك التي تتوقع حصول منافسة أكبر فيها. حيث أن الحافز الحقيقي في ظل نظم التمثيل النسبي يكمن في العمل على الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصوات، بغض النظر عن مصدر تلك الأصوات. إذ يمكن لكل صوت إضافي، حتى ولو أتى من مواقع يضعف فيها تواجد الحزب، أن يسهم في الحصول على مقعد إضافي.
-
تحد هذه النظم من نمو ما يعرف بالإقطاعيات المحلية. وذلك لكونها تمنح الأحزاب الصغيرة فرصة الحصول على بضعة مقاعد، مما يقلل من إمكانية حصول الحزب الواحد على كافة مقاعد الدائرة الانتخابية الواحدة. وهو ما تزيد أهميته بالنسبة للأقليات، خاصةً تلك التي لا تتمركز في مواقع جغرافية محددة ومحصورة ولا تملك وسائل بديلة للحصول على تمثيل لها.
-
تقود نظم التمثيل النسبي إلى تحقيق مستويات أعلى من الاستمرارية واستقرار السياسات. فقد أثبتت التجارب في أوروبا الغربية نجاعة هذه النظم لدى اعتمادها لانتخاب البرلمانات في تحقيق استقرار أفضل للحكومات، بالإضافة إلى تحقيق مستويات أعلى من المشاركة والأداء الإقتصادي. أما السبب في ذلك فيعود إلى أن التناوب المتكرر في مقاليد الحكم بين أحزاب سياسية متناقضة كلياً من الناحية الأيديولوجية، كما يمكن أن يحصل في ظل نظام الفئز الأول، يصعب عملية التخطيط الإقتصادي على المدى الطويل، بينما تسهم الحكومات الائتلافية الناتجة عن النظم النسبية في تأصيل الاستقرار والتماسك في القرارت الهامة والتي تفسح المجال أمام التطوير والنمو المستدام.
-
تسهم هذه النظم في تجذير مبدأ الشراكة في الحكم بين الأحزاب والمجموعات ذات الاهتمامت المختلفة. ففي كثير من الديمقراطيات الناشئة تعتبر مسألة الشراكة في الحكم بين الأكثرية العددية للسكان والتي تسيطر على القوة السياسية والأقلية التي تسيطر على القوة الإقتصادية في البلد أمراً لا بد منه وحقيقة لا يمكن تجاهلها. إذ نرى بأنه حيث تنفرد الأكثرية العددية بالسيطرة على السلطة بينما تنحصر اهتمامات الأقلية في السيطرة على مصادر الثروة والقوة الإقتصادية تصبح المشادات بين مختلف مصادر القوى أقل وضوحاً وأكثر ضبابية ولا تخضع لبمادئ المساءلة والمحاسبة (كما حصل في زمبابوي خلال العشرين سنة الأولى من استقلالها على سبيل المثال). وعليه، فكثيراً ما يعتقد بأن نظم التمثيل النسبي، ومن خلال إشراك كافة المجموعات في السلطة التشريعية، توفر فرصة أكبر لاتخاذ القرارت الهامة تحت الضوء وعلى مرأى من أعين العامة وبما يحقق متطلبات شرائح أوسع من المجتمع.
عيـوب التـمثيـل النسـبي (PR)
لنظم التمثيل النسبي مساوئها كذلك، وأهمها كونها تميل إلى إفراز حكومات ائتلافية وتعمل على شرذمة الأحزاب السياسية. أما أهم الانتقادات الموجهة عادةً لهذه النظم فتكمن في كونها تقود إلى ما يلي:
-
حكومات ائتلافية تفضي بدورها إلى اختناقات في سير الأعمال التشريعية وما ينتج عنه من عدم القدرة على تنفيذ السياسات المتماسكة. وتزداد خطورة الوقوع في ذلك بشكل خاص في حالات ما بعد الصراع والمراحل الانتقالية، حيث تكون تطلعات الشعب للانجازات الحكومية في أوجها. إذ يمكن للحكومات الائتلافية وحكومات الوحدة الوطنية المشكلة من أحزاب مختلفة الحؤول دون القدرة على اتخاذ القرارات بشكل سريع ومتماسك.
-
انقسامات في الاحزاب السياسية تمس باستقرار النظام السياسي. حيث يمكن لنظم التمثيل النسبي أن تؤدي إلى، أو على الأقل أن تسهم في تشرذم الأحزاب السياسية. وقد يفسح تعدد الأحزاب السياسية بشكل كبير المجال أمام الأحزاب الصغيرة جداً لاستنزاف الأحزاب الكبيرة ودفعها إلى تقديم التنازلات الكبيرة بهدف تشكيل حكومة ائتلافية. وهنا يعتبر البعض ميزة التعددية في نظم التمثيل النسبي كأحد ارتداداتها السلبية. ففي إسرائيل على سبيل المثال، عادةً ما تلعب الأحزاب الدينية المتطرفة الصغيرة دوراً مفصلياً في تشكيل الحكومات، بينما عانت إيطاليا لسنوات طويلة من تقلبات مستمرة وانعدام في استقرار الحكومات الائتلافية المتعاقبة. وكثيراً ما تتخوف البلدان المتحولة إلى النظام الديمقراطي من أن تؤدي نظم التمثيل النسبي إلى ظهور الأحزاب السياسية المستندة إلى قيادات تقليدية أو جماعات عرقية، وذلك بسبب عدم تطور نظامها الحزبي السياسي بشكل عام.
-
استخدامها كقاعدة لظهور الأحزاب المتاطرفة. إذ كثيراً ما تنتقد نظم التمثيل النسبي لكونها تفسح المجال أمام الأحزاب المتطرفة، اليسارية أو اليمينية على حد سواء، للحصول على تمثيل في الهيئة التشريعية. فلقد رأى الكثيرون في أن أحد الأسباب خلف انهيار جمهورية ويمر في ألمانيا يعود إلى كيفية إعطاء النظام الانتخابي النسبي الفرصة للأحزاب المتطرفة اليمينية واليسارية للحصول على موطئ قدم لها في السلطة.
-
حكومات ائتلافية لا تتمتع بقدر كاف من الخلفية المشتركة سواء فيما يتعلق بسياساتها أو بقواعدها الشعبية. وكثيراً ما تتم مقارنة هذا النوع من ائتلافات المصلحة بالائتلافات المتماسكة الناتجة عن نظم انتخابية أخرى (مثل نظام الصوت البديل)، حيث تميل مختلف الأحزاب السياسية إلى الاعتماد، وبشكل متبادل، على أصوات الأحزاب الأخرى كذلك، مما يؤدي إلى قيام ائتلافات أقوى وأكثر تعاضداً.
-
حصول أحزاب سياسية صغيرة على حصص من السلطة لا تتناسب مع حجمها وقوتها الحقيقية. إذ قد تضطر الأحزاب الكبيرة للائتلاف مع أحزاب صغيرة جداً لتشكيل الحكومة، وذلك من خلال إعطاء الحزب الممثل لنسبة ضئيلة من الناخبين القدرة على تعطيل أية اقتراحات ومبادرات قد تأتي بها الأحزاب الكبيرة.
-
عدم قدرة الناخب على تنفيذ مبدأ المساءلة من خلال حجب ثقته وإقصاء حزب سياسي ما عن السلطة. حيث قد يكون من الصعب بمكان إقصاء حزب مركزي كبير من السلطة في ظل نظم التمثيل النسبي. فعندما تتشكل الحكومات من ائتلافات، نجد بأن بعض الأحزاب متواجدة دائماً في الحكومة بشكل أو بآخر، على الرغم من تراجع أدائها الانتخابي من حين لآخر. وعلى سبيل المثال، استمر الحزب الديمقراطي الحر في ألمانيا كعضو في كافة الحكومات الائتلافية على مدى خمسين عام، من عام 1949 إلى عام 1998، ما عدا فترة ثماني سنوات منها فقط، وذلك على الرغم من عدم حصوله أبداً على ما يزيد على 12 بالمئة من أصوات الناخبين في أفضل الحالات.
-
الصعوبات التي قد يفرضها تنفيذ هذه النظم على أرض الواقع، سواء بالنسبة للناخبين وقدرتهم على فهم بعض تفاصيل النظام، أو بالنسبة للإدارة الانتخابية في تطبيق قواعده المعقدة أحياناً. إذ تعتبر بعض نظم التمثيل النسبي أكثر تعقيداً من غيرها من النظم غير النسبية، وهو ما يتطلب جهوداً توعوية أكبر للناخبين، بالإضافة إلى مزيد من التدريب المهني لموظفي الانتخابات لضمان صحة العملية.
نظـام القـائمـة النسـبيـة (List PR)
يقوم نظام القائمة النسبية على تقديم كل حزب سياسي لقائمة من المرشحين في كل واحدة من الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل. ويقوم الناخبون بالاقتراع لصالح الأحزاب، حيث يفوز كل حزب سياسي بحصة من مقاعد الدائرة الانتخابية تتناسب مع حصته من أصوات الناخبين. ويفوز بالانتخاب المرشحون على قوائم الأحزاب وذلك بحسب ترتيبهم التسلسلي على القائمة. إلا أن اختيار نظام القائمة النسبية لا يحدد بمفرده شكل النظام الانتخابي المعتمد، حيث يتطلب ذلك تحديد مزيد من التفاصيل. إذ يمكن أن تستند الطريقة المعتمدة لاحتساب وتوزيع المقاعد بعد عد الأصوات إلى طريقة المتوسط الأعلى أو طريقة الباقي الأعلى. وللمعادلة المعتمدة لهذا الغرض تأثير ما، قد يكون كبيراً في بعض الأحيان، على نتائج الانتخابات في ظل نظم التمثيل النسبي. ففي انتخابات عام 1998 في كمبوديا، أدى التغيير المعتمد في المعادلة الانتخابية بضعة اسابيع قبل موعد الانتخابات إلى فوز أكبر الأحزاب السياسية بما مجموعه 64 مقعداً، بدلاً من 59 مقعد، من مقاعد الجمعية الوطنية البالغة 121 مقعداً. ولم تتقبل أحزاب المعارضة تلك النتائج بسهولة نظراً لعدم الإعلان عن ذلك التغيير في المعادلة بشكل كافٍ. وهذا المثال يدل على أهمية وعي القائمين على تصميم النظم الانتخابية بأصغر وأدق التفاصيل.
وهناك مسائل هامة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار لتحديد طريقة عمل نظام القائمة النسبية. فقد يفرض النطام المعتمد اجتياز نسبة حسم محددة للحصول على تمثيل في الهيئة التشريعية المنتخبة، وإذا كانت تلك النسبة مرتفعة (10 بالمئة، كما هو معمول به في تركيا على سبيل المثال) سيؤدي ذلك إلى اسثناء الأحزاب الصغيرة وحرمانها من الحصول على تمثيل لها، بينما قد تسمح لهم بذلك نسبة حسم منخفظة (1.5 بالمئة، كما هي الحال في إسرائيل مثلاً). في جنوب أفريقيا لا توجد نسبة حسم، وقد أدى ذلك في انتخابات عام 2004 إلى فوز الحزب المسيحي الديمقراطي الأفريقي بستة مقاعد من أصل 400 مقعد رغم حصوله على 1.6 بالمئة فقط من أصوات الناخبين. وتختلف نظم القائمة النسبية فيما بينها استناداً إلى إمكانية قيام الناخب بالاختيار بين المرشحين بالإضافة إلى اختياره بين مختلف الأحزاب، أي إذا ما كانت القوائم مغلقة، مفتوحة أم حرة. ولهذا الخيار تبعاته المتعلقة بسهولة أو صعوبة التعامل مع ورقة الاقتراع.
أما الخيارات الأخرى الخاصة بهذا النظام الانتخابي فتتعلق بترتيبات تجميع الأصوات، سواء كان ذلك بشكل رسمي أو غير رسمي؛ أو المجال المفتوح أمام الأحزاب السياسية لعقد الاتفاقات الانتخابية، كتلك التي تتعلق بتشكيل التكتلات الانتخابية؛ أو حجم الدوائر الانتخابية وطريقة ترسيمها.
ميـزات وعيـوب نظـام القـائمـة النسـبيـة (List PR)
الميزات
-
بالإضافة إلى الميزات التي تتمتع بها نظم التمثيل النسبي بشكل عام، يعمل هذا النظام على زيادة حضوض ممثلي الأقليات في الفوز بالانتخاب. فعندما يقترع الناخبون، كما هي العادة، بما يتماشى مع واقع التركيبة الاجتماعية والثقافية لمجتمع ما، يمكن لنظام القائمة النسبية أن يسهم في إفراز سلطة تشريعية تضم ممثلين عن كل من مجموعات الأكثرية والأقليات في ذلك المجتمع. وذلك لكون النظام يعمل كحافز لدى الأحزاب السياسية لتقديم قوائم متوازنة من المرشحين يمكنهم من خلالها التطلع لدعم أوسع شريحة ممكنة من الناخبين. ولقد أثبتت التجربة في عدد من الديمقراطيات الناشئة (كجنوب أفريقيا، وأندونيسيا، وسيراليون) بأن نظام القائمة النسبية يفسح المجال أمام الأحزاب السياسية لتقديم قوائم من مرشحين ينتمون لمجموعات عرقية وإثنية مختلفة. وعلى سبيل المثال، ضمت الجمعية الوطنية المنتخبة في جنوب أفريقيا سنة 2004 ما نسبته 52 بالمئة من الممثلين السود (بما في ذلك 11 بالمئة من جماعة الزولو، بينما توزع الباقون على أكثر من ثمانية جماعات أخرى)، و32 بالمئة من البيض (ثلثهم من الناطقين بالإنجليزية والثلثين الآخرين من الجماعات الناطقة بلغة الأفريكان)، و7 بالمئة من السمر، بالإضافة إلى 8 بالمئة من الهنود. وكذلك الحال بالنسبة لتركيبة البرلمان في ناميبيا، والتي تضم ممثلين ينتمون لجماعات مختلفة مثل الأوفامبو، والدامارا، والهيريرو، والناما، والباستر، بالإضافة إلى بعض البيض.
-
يعطي نظام القائمة النسبية فرصاً أكبر لحصول المرأة على تمثيل لها، وذلك استناداً إلى توفير نظم التمثيل النسبي عامةً فرصاً أكبر لانتخاب الممثلات من النساء مما توفره نظم التعددية/الأغلبية. إذ يمكن هذا النظام الأحزاب السياسية من تضمين قوائمهم لمرشحات من النساء والدفع بذلك باتجاه انتخابهن من قبل الناخبين دون أن يكون ذلك بالضرورة استناداً إلى اعتبارات جندرية (تتعلق بالنوع) بالضرورة. وكما سبق وبينا أعلاه، يحفز وجود الدوائر الانتخابية أحادية التمثيل معظم الأحزاب للبحث عن المرشح الأكثر حظاً بالفوز حسب اعتقادهم، وهو الموقع الذي قل ما تحتله امرأة في كثير من المجتمعات. ونجد بأن نتائج النظم النسبية، في كافة أنحاء العالم دون استثناء، أفضل من نتائج نظام الفائز الأول فيما يتعلق بعدد النساء المنتخبات. ويعتمد 14 بلد من بين أفضل 20 بلد في هذا المجال نظام القائمة النسبية. وحسب المعطيات المتوفرة حتى عام 2004 فلقد فاق متوسط عدد النساء المنتخبات لعضوية الهيئات التشريعية حول العالم من خلال نظام القائمة النسبية بحوالي 4.3 بالمئة متوسط عددهن الكلي والبالغ ما نسبته 15.2 بالمئة، بينما كان عددهن في ظل نظام الفائز الأول يقل بما نسبته 4.1 بالمئة عن ذلك المعدل.
العيوب
بالإضافة إلى ما ورد حول مساوئ نظم التمثيل النسبي عامةً، يمكن التطرق كذلك إلى الجوانب التالية:
-
صلات ضعيفة وعلاقة غير وثيقة بين الممثلين ومنتخبيهم. فعندما يستخدم نظام القائمة النسبية، ويتم توزيع المقاعد من خلال دائرة انتخابية وطنية واحدة، كما هي الحال في ناميبيا أو إسرائيل، ينتقد النظام لكونه يقضي عملياً على العلاقة بين الناخبين وممثليهم. وفي حال استخدام القوائم المغلقة لا يملك الناخبون أية إمكانية لتحديد هوية ممثليهم، ولا تحديد من يمثل بلداتهم أو دائرتهم أو منطقتهم، كما ولا يمكنهم رفض أو إقصاء ممثل ما قد يرون بأنه أخفق في تمثيل مصالحهم. وفي بعض الدول النامية، حيث يتمركز غالبية الناخبون في مجتمعات ريفية، تكون تبعيتهم وولائهم لمناطق سكناهم أقوى بكثير من ولائهم لأي من الأحزاب السياسية أو المجموعات الأخرى. إلا أن هذا الانتقاد يمكن حصره في التمييز بين النظم التي يقترع فيها الناخبون لصالح الأحزاب السياسية فقط، وتلك التي يقترعون فيها لصالح المرشحين الأفراد.
-
تركيز السلطة في أيدي القيادات الحزبية ومقراتها الرئيسية، خاصةً في ظل استخدام القوائم المغلقة. إذ يعتمد موقع المرشح التسلسلي على قائمة الحزب، وبالتالي حضوضه بالفوز، على مدى رضى القيادات الحزبية عنه والتي عادةً ما تكون علاقاتها بجمهور الناخبين على قدر أقل من الأهمية. وفي تحريف غريب لنظام القائمة النسبية تقوم الأحزاب السياسية في غوايانا بنشر قوائم مرشحيها مرتبة حسب الترتيب الأبجدي للأسماء، وهو ما يعطي القيادات الحزبية مزيداً من القدرة على مكافأة الولاءات ومعاقبة العمل المستقل للمرشحين إذ أن توزيع المقاعد بين المرشحين لا يتم إلا بعد ظهور النتائج النهائية للانتخابات.
-
حاجة النظام إلى وجود شكل ما من الأحزاب السياسية أو التجمعات الانتخابية. وهو ما يجعل تنفيذ نظام القائمة النسبية صعب بشكل خاص في المجتمعات التي تفتقد للأحزاب السياسية الفاعلة، أو التي لا يوجد فيها إلا نواة لهيكلية حزبية هشة، كما هي الحال على سبيل المثال في الكثير من الدويلات/الجزر في منطقة المحيط الهادئ. وبينما يمكن السماح للمرشحين المستقلين المشاركة في الانتخابات في ظل تركيبات مختلفة من نظم التمثيل النسبي، من الناحية الفنية على الأقل، إلا أنه أمر صعب التطبيق ويفرض مزيداً من التعقيدات خاصةً فيما يتعلق بالأصوات الضائعة وطرق احتسابها.
نظـام الصـوت الواحـد المتـحول (STV)
دافع علماء السياسة لسنوات طويلة عن نظام الصوت الواحد المتحول كأكثر النظم الانتخابية جذباً، إلا أن استخدامه لتنظيم الانتخابات التشريعية ما زال محصوراً في بضعة حالات هي: جمهورية أيرلندا منذ عام 1921، ومالطا منذ عام 1947، كما تم استخدامه لمرة واحدة في انتخابات العام 1990 في إستونيا. كما ويستخدم هذا النظام في انتخابات مجلس الشيوخ في أستراليا وفي انتخابات بعض المقاطعات الأسترالية، وكذلك لتنظيم الانتخابات للبرلمان الأوروبي والانتخابات المحلية في أيرلندا الشمالية. ولقد تم اعتماده لأغراض الانتخابات المحلية في أسكوتلاندا ولانتخاب بعض الإدارات في نيوزيلندا. كما وتم اختياره كتوصية من قبل جمعية مواطني مقاطعة بريتيش كولومبيا.
ولقد قام كل من توماس هاري في بريطانيا وكارل أندراي في النمارك، كل على حدى، بابتكار مكونات هذا النظام الأساسية في القرن التاسع عشر. ويقوم نظام الصوت الواحد المتحول على أساس وجود دوائر انتخابية متعددة التمثيل، حيث يقوم الناخبون بترتيب المرشحين على ورقة الاقتراع بالتسلسل حسب الأفضلية، كما هي الحال في ظل نظاام الصوت البديل. وفي غالبية الأحوال، تكون عملية الترتيب هذه اختيارية، حيث لا يطلب من الناخبين ترتيب كافة المرشحين، ولهم إن أرادوا اختيار مرشح واحد فقط.
بعد الانتهاء من فرز وعد الأفضليات الأولى على أوراق الاقتراع، يتم تحديد عدد الأصوات المطلوبة لانتخاب المرشح الواحد. وعادة ما يتم استخراج ذلك عملاً "بحصة دروب"، والتي يتم احتسابها استناداً إلى المعادلة البسيطة التالية:
الحصة = [ عدد الأصوات / (عدد المقاعد + 1) ] + 1
يتم تحديد النتيجة النهائية للانتخابات في ظل نظام الصوت الواحد المتحول من خلال سلسلة من عمليات العد. ففي العد الأول، يتم احتساب مجموع الأفضليات الأولى التي حصل عليها كل مرشح. ويفوز بشكل مباشر المرشحون الحاصلون على عدد من الأفضليات الأولى يساوي أو يفوق الحصة التي تم تحديدها من خلال المعادلة المبينة أعلاه.
وتتم من خلال عمليات العد الثانية والتي تليها إعادة توزيع الفائض من أصوات المرشحين المنتخبين في العد الأول (تلك التي تزيد عن الحصة المطلوبة) استناداً إلى عدد الأفضليات الثانية على أوراق الاقتراع للمرشحين المتبقين. وللعمل على تحقيق أعلى مستوى من العدالة في عملية إعادة التوزيع، يتم توزيع أوراق كافة المرشحين، ولكن كل منها بحسب نسبة جزئية تساوي صوتاً واحداً، بحيث يساوي عدد الأصوات التي يعاد توزيعها الفائض الخاص بذلك المرشح. فعلى سبيل المثال، لو حصل المرشح على 100 صوت، وكان الفائض الخاص به 5 أصوات، عندها يتم إعادة توزيع كل ورقة بقيمة تساوي 1/20 من الصوت. وبعد كل عملية إعادة، إذا لم يحصل أي مرشح على فائض من الأصوات يساوي الحصة المعتمدة، يتم استبعاد المرشح الحاصل على أدنى عدد من الأصوات. ويتم توزيع أصوات ذلك المرشح على باقي المرشحين، استناداً إلى الأفضلية الثانية والتي تليها فيما بعد. وتستمر إعادة هذه العملية، بحيث ينتج عن كل منها إما إعادة توزيع الأصوات الفائضة أو استبعاد مرشح ما، إلى أن يتم انتخاب العدد المماثل للمقاعد المنتخبة بواسطة مرشحين يحصلون من خلال تكرار العملية وإعادة التوزيع على الحصة المطلوبة، وفي حال لم يتم ملئ كافة المقاعد ولم يبقى من المرشحين غير المستبعدين ما لا يزيد بأكثر من واحد عن عدد المقاعد المتبقية، يعتبر أولئك المرشحون عدا واحد منهم منتخبون رغم عدم حصولهم على النسبة المطلوبة.
ميـزات وعيـوب نظـام الصـوت الواحـد المتـحول (STV)
الميزات
يمكن القول بأن الميزات العامة لنظم التمثيل النسبي تنطبق على نظام الصوت الواحد المتحول، على الرغم من كونه أكثر النظم الانتخابية تعقيداً، حيث أنه يفسح المجال أمام الناخبين للاختيار بين الأحزاب السياسية وبين مرشحي تلك الأحزاب السياسية كذلك. وتتمخض نتائجه عن مستوى عادل من النسبية والتناسب. كما ويدل حجم الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل الصغير نسبياً في كافة الأمثلة حيث يستخدم هذا النظام على أنه يعمل على الحفاظ على العلاقة المباشرة بين الناخبين وممثليهم المنتخبين. بالإضافة إلى ذلك، يمكّن هذا النظام الناخبين من التأثير في تركيبة التحالفات التي تعقب الانتخابات، كما حصل في جمهورية أيرلندا، حيث أنه يحفز الأحزاب السياسية على التعاون فيما بينها وذلك من خلال تبادل الأفضليات التي يعبر عنها ناخبوها.
كما وأن نظام الصوت الواحد المتحول يوفر فرصاً أكبر أمام المرشحين المستقلين للفوز مقارنة مع نظام القائمة النسبية، وذلك لأن الناخبين يعبرون عن خيارهم بين المرشحين بدلاً من الأحزاب (على الرغم من إمكانية استخدام عنصر القائمة الحزبية في ظل نظام الصوت الواحد المتحول، وهو ما يعمل به في انتخابات مجلس الشيوخ في أستراليا).
العيوب
بالإضافة إلى مساوئ النظم النسبية بشكل عام، يعاني هذا النظام من بعض العيوب الأخرى وهي:
-
ينتقد هذا النظام على أساس أن النظم التفضيلية غريبة وغير معهودة من قبل الكثير من المجتمعات، وتتطلب مستويات جيدة من الوعي الثقافي والمعرفي.
-
تنطوي تفاصيل عد وفرز الأصوات في ظل نظام الصوت الواحد المتحول على كثير من التعقيد، وهو ما ينظر إليه على أنه إحدى مساوئه. ولقد كان هذا السبب الرئيسي في تراجع إستونيا عن العمل به بعد استخدامه في انتخاباتها الأولى، فهو نظام يتطلب تكرار الكثير من عمليات احتساب وتوزيع الأصوات الفائضة. ولهذا السبب، يتحتم عد وفرز الأصوات في مراكز خاصة بذلك وليس في مراكز الاقتراع. ولا يخفى على أحد بأن القيام بعمليات العد والفرز في مراكز الاقتراع، خاصةً في تلك الحالات حيث تعتبر مسألة سلامة واستقامة العملية الانتخابية من المسائل الهامة، يصبح أمراً ضرورياً للتأكيد على شرعية الانتخاب، مما يتطلب اختيار النظام الانتخابي بما يحقق ذلك.
-
على العكس من نظام القائمة النسبية، يمكن لنظام الصوت الواحد المتحول أن يؤدي إلى انقسامات داخل الأحزاب السياسية، إذ أن مرشحي الحزب الواحد يتنافسون فيما بينهم في حقيقة الأمر، بالإضافة إلى منافسة مرشحي الأحزاب الأخرى. وهو ما قد ينتج عنه ما يعرف بسياسة الزبانية حيث يعمد المرشحون إلى محاولات لشراء ولاءات مجموعات محددة من الناخبين.
-
قد ينتج عن هذا النظام فوز حزب ما بمقاعد أقل من منافسيه، على الرغم من حصوله على عدد أعلى من الأصوات. فعلى سبيل المثال قامت مالطا بتعديل نظامها الانتخابي في أواسط الثمانينات من القرن الماضي وذلك لفسح المجال أمام إمكانية تخصيص بعض المقاعد الإضافية لتعويض الحزب المتضرر في حال حدوث ذلك.
إلا أنه تبين بأن كثيراً من هذه الانتقادات اتجاه هذا النظم لا تتعدى كونها مسائل هامشية على أرض الواقع. فقد أدت الانتخابات بموجب نظام الصوت الواحد المتحول في كل من جمهورية أيرلندا ومالطا إلى إفراز حكومات مستقرة تتمتع بشرعية نسبية جيدة تتألف من حزب واحد أو حزبين رئيسيين عادةً.
القضـايـا المتـعلقـة بنظـم التـمثيـل النسـبي
يتطلب العمل بنظم التمثيل النسبي، أكثر من أية نظم أخرى، الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من القضايا الأخرى بالإضافة إلى مسألة اختيار النظام الذي يتم اعتماده. إذ أن لتلك القضايا تأثيرها على نتائج الانتخابات من الناحيتين الميكانيكية والسيكولوجية، من خلال تأثيرها على السلوك الانتخابي لكل من الناخبين والأحزاب السياسية على حد سواء. وقد تبدو تلك المؤثرات متواضعة للوهلة الأولى، وهي قد تكون كذلك عملياً، إلا أن حتى الاختلافات الصغيرة في نتائج الانتخابات من شأنها أن تؤدي إلى تغيير في تركيبة الهيئة التشريعية المنتخبة (البرلمان)، وبالتالي في التشكيلة الحكومية، وقد تؤثر كذلك في شرعية الانتخابات ونتائجها، وهو الأمر الأهم هنا. وعلى الرغم من محدودية التأثير الذي قد ينجم عن بعض هذه القضايا في نتنائج الانتخابات، مثل مسألة حجم الدوائر الانتخابية، إلا أنها قد تؤثر بشكل جوهري في كيفية ترجمة أصوات الناخبين إلى مقاعد منتخبة، مما قد يجعل منها مسألةً سياسية من الدرجة الأولى. لذلك يجب على القائمين على تصميم واعتماد النظام الانتخابي أخذ كافة هذه القضايا بعين الاعتبار ومعالجتها قبل حلول موعد الانتخابات بوقت كافي، والانتباه إلى المؤثرات الإدارية والسياسية التي تتمخض عنها.
حجـم الدائـرة الانتخـابيـة
يجمع خبراء الانتخابات حول العالم على اعتبار حجم الدائرة الانتخابية كأحد العناصر الأساسية المؤثرة في قدرة النظام الانتخابي على ترجمة الأصوات إلى مقاعد بشكل تناسبي. ويقصد بحجم الدائرة الانتخابية هنا عدد الممثلين الذين يتم انتخابهم عن كل دائرة انتخابية.
وينحصر حجم الدائرة الانتخابية في ظل بعض النظم الانتخابية، مثل نظام الفائز الأول، ونظام الصوت البديل ونظام الجولتين بممثل (مقعد) واحد فقط، حيث يقوم الناخبون بانتخاب ممثل واحد عن الدائرة الانتخابية. وعلى العكس من ذلك، تتطلب كافة نظم الانتخاب النسبية، بالإضافة إلى بعض نظم التعددية/الأغلبية مثل نظام الكتلة ونظام الكتلة الحزبية، وبعض النظم الانتخابية الأخرى كنظام الصوت المحدود ونظام الصوت الواحد غير المتحول، تتطلب جميعها وجود دوائر انتخابية تنتخب كل منها أكثر من ممثل واحد لها. وفي ظل أي من نظم الانتخاب النسبية، يلعب عدد الممثلين المنتخبين عن كل دائرة انتخابية دوراً أساسياً في تحديد مدى نسبية نتائج الانتخاب.
تحقق النظم التي تستند إلى دوائر انتخابية كبيرة الحجم (من حيث عدد الممثلين المنتخبين عن كل منها) أعلى مستويات النسبية، حيث أنها تضمن بذلك حصول أصغر الأحزاب على تمثيل ما في الهيئة التشريعية المنتخبة (البرلمان). أما في ظل وجود الدوائر االصغيرة فيكون تأثير نسبة الحسم أكبر بكثير. وعلى سبيل المثال، ففي دائرة انتخابية تنتخب ثلاثة ممثلين لها فقط، يتوجب على أي حزب مشارك الفوز بما لا يقل عن 25 بالمئة زائد واحد من أصوات الناخبين للتحقق من الفوز بمقعد واحد من المقاعد الثلاثة المتنازع عليها. أما الحزب الذي لا يحصل سوى على 10 بالمئة من أصوات الناخبين فلن تسنح له الفرصة للحصول على أي من تلك المقاعد، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى اعتبار تلك الأصوات على أنها أصوات ضائعة أو مهدورة. وعلى العكس من ذلك، فلو خصص للدائرة الانتخابية تسعة مقاعد بدلاً من ثلاثة، فإن حصول أي حزب على نسبة 10 بالمئة من الأصوات زائد 1 سيضمن له الفوز بمقعد واحد منها على الأقل. إلا أن المشكلة تكمن في أن ازدياد حجم الدائرة الانتخابية، من ناحية عدد المقاعد المخصصة لها، ولكن كذلك من ناحية حجمها الجغرافي، عادةً ما يؤدي إلى إضعاف صلة الوصل بين الممثلين المنتخبين وناخبيهم.
وقد يترتب على ذلك نتائج سلبية في المجتمعات التي تلعب فيها الاعتبارات المحلية دوراً هاماً في الحياة السياسية العامة، وحيث ينتظر الناخبون من ممثليهم الحفاظ على صلات قوية معهم والعمل كمبعوثين لهم في السلطة التشريعية.
وبناءً على ما تقدم لا يزال الجدل قائماً حول تحديد الحجم الأمثل للدوائر الانتخابية. وكمبدأ عام يتفق معظم الباحثون بأن حجم الدائرة الانتخابية المتمثل في تخصيص ما بين ثلاثة إلى سبعة مقاعد لكل منها من شأنه أن يفي بالغرض المطلوب، مع التأكيد على أن الأعداد الفردية (ثلاثة، خمسة أو سبعة) تفضي إلى نتائج افضل على أرض الواقع، خاصة في ظل وجود نظام يتقاسم فيه حزبين كبيرين الساحة السياسية. إلا أن ذلك لا يعدو كونه مبدأً عاماً، إذ أن هناك الكثير من الحالات التي قد يكون فيها قيام دوائر انتخابية أكبر حجما أمراً ضرورياً ومطلوباً لتحقيق مستويات مرضية من التمثيل النسبي. وفي كثير من البلدان تستند الدوائر الانتخابية إلى التقسيمات الإدارية القائمة أصلاً، كالمقاطعات أو الألوية أو المحافظات، مما يعني وجود اختلافات كبيرة بين أحجامها. ومن محاسن هذا الخيار أنه يلغي الحاجة لرسم حدود جديدة لأغراض الانتخابات فقط، ويمكّن ربط الدوائر الانتخابية بمناطق ومجموعات قائمة ومحددة ومقبولة من قبل الجميع.
تميل الأعداد في طرفي المعادلة الأعلى والأدنى إلى إفراز نتائج أكثر تطرفاً. ففي الطرف الأعلى لها، حيث يشكل كامل البلد دائرة انتخابية واحدة، لا يتطلب الفوز بتمثيل ما في الانتخابات سوى الحصول على أعداد قليلة جداً من الأصوات، الأمر الذي يمكّن الأحزاب الصغيرة جداً من الانتخاب. ففي إسرائيل على سبيل المثال، يشكل البلد بأكمله دائرة انتخابية واحدة تتنتخب 120 ممثلاً، مما يعني تحقيق الانتخابات لنتائج على درجة عالية من النسبية، ولكنه يعني كذلك فوز الأحزاب الصغيرة جداً ببعض التمثيل على الرغم من حصولها على أعداد ضئيلة من أصوات الناخبين، ويعني كذلك ضعفاً حاداً في العلاقة بين الممثلين المنتخبين وناخبيهم في أي من أرجاء البلد.
وعلى الطرف الآخر للمعادلة، يمكن تطبيق نظم التمثيل النسبي في بلد يتم تقسيمه إلى دوائر انتخابية لا تنتخب كل منها سوى ممثلين اثنين فقط، كما هي الحال في التشيلي على سبيل المثال. وينتج عن ذلك خللاً كبيراً في نسبية النتائج، إذ لا يستطيع أكثر من حزبين الفوز بمقاعد عن أي من تلك الدوائر. وهو ما يعمل على تقويض الفوائد المرجوة من تطبيق النظام النسبي فيما يتعلق بتعددية ونسبية التمثيل وشرعيته.
تفيد هذه الأمثلة لحالات متناقضة للتأكيد على أهمية حجم الدائرة بالنسبة لأي من نظم التمثيل النسبي. وعليه، يعتبر الكثيرون هذه المسألة بأنها أكثر الجوانب أهمية والتي يجب معالجتها عند تصميم نظام انتخاب نسبي، كما وأنها بالغة الأهمية بالنسبة لعدد من النظم الانتخابية الأخرى غير النسبية. فنظام الصوت الواحد غير المتحول على سبيل المثال يميل لإفراز نتائج نسبية إلى حد ما على الرغم من عدم كونه نظاماً نسبياً وذلك بسبب تطبيقه ضمن دوائر انتخابية متعددة التمثيل. كذلك الأمر فعندما يتم استخدام نظام الصوت الواحد المتحول ضمن دوائر انتخابية أحادية التمثيل يتحول إلى نظام الصوت البديل، فاقداً بذلك ميزاته التناسبية على الرغم من حفاظه على بعض ميزاته التفضيلية الأخرى. أما في نظامي الكتلة والكتلة الحزبية، فكلما كبر حجم الدائرة الانتخابية كلما تراجعت نسبية النتائج. وللخلاصة نقول بأن مسألة حجم الدائرة الانتخابية (بمفهومها المتعلق بعدد الممثلين المنتخبين عن كل دائرة) تصبح أمراً مفصلياً في عملية تصميم النظام الانتخابي لكونها تلعب دوراً هاماً في كيفية عمل النظام ونتائجه على أرض الواقع، وفيما يتعلق بقوة الصلة والعلاقة بين الممثلين المنتخبين وناخبيهم، بالإضافة إلى أهميته القصوى فيما يتعلق بنسبية النتائج.
أخيراً يعتبر حجم وشأن الحزب السياسي (بمعنى العدد المتوسط للممثلين المنتخبين عن الحزب الواحد في كل دائرة انتخابية) عاملاً هاماً في تحديد من يتم انتخابهم في المحصلة. فلو تم انتخاب ممثل واحد عن حزب ما في الدائرة، فسيكون ذلك الممثل على الأرجح رجلاً، وينتمي إلى الأكثرية العرقية أو الاجتماعية في تلك الدائرة. أما لو تم انتخاب ممثلين اثنين أو أكثر عن ذلك الحزب في تلك الدائرة، فإن ذلك يفسح مجالاً أكبر لفوز أعداد أكبر من النساء ومن ممثلي الأقليات. ويمكن القول بأن كبر حجم الدائرة الانتخابية (سبعة ممثلين أو أكثر) وقلة عدد الأحزاب السياسية المتنافسة تؤدي مجتمعةً إلى زيادة حجم أو شأن الحزب السياسي.
نسـبة الحسـم
لكافة النظم الانتخابية نسبة حسم ما. والمقصود بنسبة الحسم الحد الأدنى من الأصوات التي يحتاجها حزب ما للفوز بتمثيل ما له في الهيئة المنتخبة. ويمكن أن يتم فرض نسبة الحسم قانونياً (نسبة الحسم الرسمية أو القانونية) أو أن تكون كمحصلة حسابية للنظام الانتخابي (نسبة الحسم الفعلية أو الطبيعية).
يتم تحيد نسبة الحسم الرسمية من خلال المواد الدستورية أو القانونية التي تحدد ماهية النظام الانتخابي. ففي نظم الانتخاب المختلطة المطبقة في كل من ألمانيا، ونيوزيلندا وروسيا على سبيل المثال، تعتمد نسبة حسم مقدارها 5 بالمئة للمقاعد المنتخبة حسب النظام النسبي، حيث يتم استبعاد كافة الأحزاب التي لا تحصل على هذه النسبة كحد أدنى من أصوات الناخبين على المستوى الوطني من عملية توزيع المقاعد النسبية. أما مصدر ذلك الإجراء فيكمن في وضع العراقيل أمام الأحزاب المتطرفة في ألمانيا والحد من إمكانية انتخابها، وهو مصمم بشكل عام للحؤول دون حصول الأحزاب الصغيرة جداً على تمثيل لها في الهيئة المنتخبة.
إلا أنه توجد في كل من ألمانيا ونيوزيلندا طرق جانبية أخرى تستخدمها تلك الأحزاب للحصول على مقاعد تمثيلية: ففي نيوزيلندا يساوي فوز الحزب بمقعد واحد على الأقل في إحدى الدوائر الانتخابية، وفي ألمانيا بثلاثة مقاعد، اجتياز نسبة الحسم. أما في انتخابات العام 1995 في روسيا فلم تعتمد أي من هذه الإجراءات، الأمر الذي أدى إلى ضياع حوالي نصف أصوات القوائم الحزبية هباءً. وتتراوح نسبة الحسم في أماكن أخرى بين 0.67 بالمئة في هولندا و10 بالمئة في تركيا. وتستثنى كافة الأحزاب السياسية التي لا تجتاز هذه النسبة من عملية توزيع المقاعد التمثيلية. ونجد في انتخابات العام 2002 في تركيا مثالاً هاماً على ذلك، حيث أخفق العديد من الأحزاب السياسية في اجتياز نسبة الحسم (10 بالمئة)، مما أدى إلى ضياع أو هدر ما نسبته 46 بالمئة من مجمل أصوات الناخبين. وفي كافة الحالات يعمل وجود نسبة الحسم الرسمية (القانونية) على رفع مستويات عدم التناسب في نتائج الانتخابات، وذلك بسبب ضياع أصوات الأحزاب التي لا تجتاز النسبة والتي كان يمكن لها الحصول على تمثيل ما في حال عدم تطبيق نسبة الحسم. في انتخابات العام 1993 في بولندا، أدى تطبيق نسبة حسم مقدارها 5 بالمئة بالنسبة للأحزاب و8 بالمئة بالنسبة للتكتلات الحزبية إلى ضياع ما نسبته 34 بالمئة من أصوات الناخبين التي ذهبت لأحزاب أو تكتلات لم تفز بأية مقاعد تمثيلية.
أما نسبة الحسم الفعلية أو الطبيعية فتنتج بشكل حسابي محض عن مجموعة من مقومات النظام الانتخابي، من أهمها حجم الدائرة الانتخابية. فعلى سبيل المثال، في دائرة انتخابية تنتخب أربعة ممثلين بموجب إحدى نظم الانتخاب النسبي، يضمن الفوز لأي مرشح يحصل على ما يفوق 20 بالمئة من الأصوات، في الوقت الذي يفقد أية حضوض بالفوز كل مرشح يحصل على أقل من حوالي 10 بالمئة من الأصوات (تعتمد النسبة الحقيقية على مجموعة من العوامل، منها عدد الأحزاب السياسية المتنافسة، وعدد المرشحين والمقترعين).
القـوائـم المـفتـوحـة، والمغـلقـة والحـرة
بينما يقوم نظام القائمة النسبية على مبدأ طرح الأحزاب السياسية أو تكتلاتها لقوائم من المرشحين، إلا أنه من الممكن لهذا النظام أن يعمل بشكل يفسح المجال أمام الناخبين للاختيار بين المرشحين الأفراد بالإضافة إلى الاختيار بين مختلف الأحزاب. وهناك ثلاثة خيارات يمكن اعتمادها هي: القوائم المفتوحة والقوائم المغلقة والقوائم الحرة.
تعتمد غالبية نظم القائمة النسبية المعمول بها في العالم على القوائم المغلقة، بمعنى أن ترتيب المرشحين على القائمة يكون ثابتاً وحسب ما يعتمده الحزب الذي يقوم بتسمية القائمة، حيث لا يمكن للناخبين التعبير عن أية خيارات أو تفضيل أي من المرشحين عن غيرهم أو تعديل ترتيبهم. ويعطي نظام التمثيل النسبي المطبق في جنوب أفريقيا مثالاً حياً على القائمة المغلقة. حيث تتضمن ورقة الاقتراع أسماء الأحزاب السياسية ورموزها فقط، بالإضافة إلى صورةٍ شخصية لقائد الحزب، دون أن تتضمن أسماء أي من المرشحين الأفراد. ويقوم الناخبون بالتأشير على ورقة الاقتراع لصالح الحزب المفضل، وعليه فإن الحزب هو من يحدد المرشحين المنتخبين. وبذلك تستطيع الأحزاب السياسية تضمين مرشحين محددين في قوائمهم قد يصعب عليهم الفوز بالانتخاب بطريقة أخرى (مثل المرشحين المنتمين للأقليات أو المرشحات من النساء، إلخ). أما الوجه السلبي للقائمة المغلقة فيتمثل في عدم قدرة الناخبين على تحديد من يمثلهم ضمن قائمة الحزب الذي يقومون بالاقتراع له. كما وأن القوائم المغلقة تعتبر أقل قدرة للتفاعل مع المتغيرات المتسارعة في الجو العام. ففي انتخابات العام 1990 في ألمانيا الشرقية ما قبل الوحدة، أكتشف بأن المرشح الأول على قائمة أحد الأحزاب كان مخبراً في أحد أجهزة الاستخبارات السرية، وذلك أربعة ايام فقط قبل موعد الانتخابات، الأمر الذي أدى إلى طرده من الحزب بشكل فوري؛ وعلى الرغم من ذلك لم يكن أمام الناخبين الراغبين بالاقتراع لذلك الحزب أي خيار آخر سوى الاقتراع لذلك المرشح وذلك لكون القوائم مغلقة.
تسستخدم كثيراً من نظم القائمة النسبية المعمول بها في غربي أوروبا القوائم المفتوحة، حيث يستطيع الناخبون تحديد مرشحيهم المفضلين ضمن قائمة الحزب بالإضافة إلى اختيارهم للحزب المفضل. وتبقى ممارسة ذلك الخيار اختيارية في معظم الحالات، وعليه، وبسبب تبعية معظم الناخبين للأحزاب السياسية أكثر من المرشحين الأفراد، فإن تأثير القائمة المفتوحة وإمكانية انتقاء المرشحين الأفراد تبقى محدودةً. إلا أن ما يزيد عن 25 بالمئة من الناخبين في السويد عادةً ما يقومون بانتقاء المرشحين بالإضافة إلى الأحزاب، الأمر الذي يؤدي إلى فوز بعض المرشحين في الانتخاب والذين لا يمكنهم الفوز فيما لو كانت القوائم مغلقة.
أما في كل من البرازيل وفنلندا، فيجب على الناخبين الاقتراع لصالح المرشحين الأفراد، حيث يتم تحديد عدد المقاعد التي يفوز بها كل حزب من خلال مجموع الأصوات التي يحصل عليها مرشحوه. أما ترتيب المرشحين الفائزين عن كل حزب فيستند إلى عدد الأصوات التي يحصل عليها كل مرشح بشكل فردي. وبينما تعطي هذه الطريقة مستويات أعلى من الحرية للناخب في ممارسة خياراته، إلا أن لها تأثيراتها الجانبية غير المرغوب فيها. ومن أهم تلك المؤثرات أنها تؤدي إلى صراعات وانقسامات داخلية ضمن الحزب الواحد، وذلك بسبب تنافس مرشحي الحزب الواحد بين بعضهم البعض من الناحية العملية. كما وأنها قد تلغي الفوائد المرجوة من العمل على إعداد قوائم حزبية تشتمل على تنوع في المرشحين. ففي سيريلانكا على سبيل المثال، حيث تعتمد القوائم المفتوحة ضمن نظام القائمة النسبية، لم يستفد حزب الأكثرية (السنهاليز) من ترشيح بعض مرشحي الأقلية التاميل في مواقع متقدمة على قوائمه، وذلك بسبب تعمد الناخبين الاقتراع لصالح مرشحين آخرين ينتمون للأكثرية السنهاليزية على الرغم من ترتيبهم في مواقع متخلفة من القائمة. وفي إقليم كوسوفو نتج عن التحول من نظام القائمة المغلقة إلى القائمة المفتوحة فوز أعداد أكبر من المرشحين المتطرفين. وبنفس الاتجاه، فلقد أثبتت القوائم المفتوحة بأنها تحد من حضوض المرشحات النساء في الفوز في بعض المجتمعات، على الرغم من الاستثناء الحاصل في بولندا حيث برهن الناخبون، من خلال استخدام القوائم المفتوحة، عن رغبتهم في انتخاب أعداد أكبر من النساء مما كان يمكن أن ينتج عن استخدام القوائم المغلقة.
هناك عدد من الإجراءات الأخرى التي يتم تطبيقها في بعض الأماكن لإضفاء مزيد من الليونة على طريقة عمل القوائم المفتوحة. ففي كل من لوكسمبورغ وسويسرا يتمتع الناخب بعدد من الأصوات يساوي عدد المقاعد التي يتم انتخابها، حيث يمكنه توزيعها على مختلف المرشحين، وذلك سواء كانوا يتبعون لحزبٍ واحدٍ أو لأحزاب مختلفة، أي أن الناخب غير مقيد بالاقتراع لصالح مرشحي حزب واحد فقط. ويمكن لذلك أن يأخذ أشكالاً مختلفة، كأن يتمكن الناخب من الاقتراع لصالح أكثر من مرشح واحد يتبعون لأحزاب مختلفة (كما في المثالين السابقين)، أو أن يعطي أكثر من صوت واحد من أصواته لمرشح ما لزيادة حضوضه في الفوز. وفي كلتا الحالتي فإن ذلك يعطي الناخب مزيداً من السيطرة والقدرة على التأثير في النتائج الفعلية للانتخابات، وهو ما يعرف بنظم القوائم الحرة.
الكتـلـة الانتخـابيـة
تهدف نسبة الحسم المرتفعة بشكل أساسي إلى استثناء الأحزاب السياسية الصغيرة من الساحة. وقد لا يكون من الضروري بمكان اللجوء لمثل هذا التمييز في كثير من الحالات، خاصةً عندما تتقاسم مجموعات من الأحزاب الصغيرة أصوات مجموعات محددة من الناخبين، مخفقة بذلك في الحصول على أي تمثيل لها، إلا إذا تكتلت وحالت دون تشتت أصوات مؤيديها. ولمعالجة هذه المسألة تسمح بعض البلدان التي تستخدم نظام القائمة النسبية للأحزاب السياسية الصغيرة في تشكيل ما يعرف بالكتلة الانتخابية، وذلك لغرض خوض الانتخابات معاً ككتلة واحدة، ولكن دون الاتحاد في إطار حزبي موحد، وبحيث تبقى تلك الأحزاب مستقلةً عن بعضها البعض، وتظهر على ورقة الاقتراع بشكل منفصل. ويعني التكتل الانتخابي احتساب الأصوات التي يحصل عليها أي من الأحزاب المنخرطة في التكتل وكأنها أصوات لصالح التكتل برمته، مما يسهم في تخطيها نسبة الحسم وبالتالي تمكينها من الحصول على بعض المقاعد التمثيلية. ويستخدم هذا الإجراء في عدد من بلدان أوروبا وأمريكا اللاتينية التي تعتمد نظام القائمة النسبية، إلا أن استخدامه محدود جداً في بلدان أفريقيا وآسيا العاملة بنظم التمثيل النسبي. وفي إندونيسيا على سبيل المثال تم إلغاؤه في العام 1999 بعدما وجدت بعض الأحزاب بأن مستويات تمثيلها كأحزاب مستقلة تراجعت على الرغم من فوز تكتلاتها بمقاعد تمثيلية.
المـرشـحون المسـتقلـون ونظـم التـمثيـل النسـبي
من الأخطاء الشائعة أنه لا يمكن للمرشحين المستقلين المشاركة في الانتخابات في ظل نظم التمثيل النسبي. وهذا غير صحيح، على الرغم من تنفيذ معظم الانتخابات في ظل هذه النظم بمشاركة مرشحين عن الأحزاب السياسية فقط. إلا أننا نجد بأن نظام الصوت الواحد المتحول (STV) يتمحور حول المرشح الفرد، وعليه فإن مشاركة المرشحين المستقلين في ظله أمر اعتيادي في بلد مثل أيرلندا.
وفي كثير من الحالات نرى بأنه يتم التعامل مع المرشح المستقل وكأنه حزب سياسي من عضو واحد، يقوم بتقديم قائمة تضم مرشحاً واحداً فقط يمكنه الفوز بأحد المقاعد التمثيلية في حال حصوله على العدد الكافي لذلك من أصوات الناخبين.
النظـم المختـلـطة
تقوم نظم الانتخاب المختلطة على أساس الاستفادة من ميزات كل من نظم التعددية/الأغلبية (أو النظم الأخرى) ونظم التمثيل النسبي. وعليه، يتركب النظام المختلط من نظامين انتخابيين مختلفين عن بعضهما البعض ويعملان بشكل متوازي. ويتم الاقتراع بموجب النظامين من قبل نفس الناخبين حيث تجتمع نتائج النظامين لانتخاب الممثلين في الهيئة التي يتم انتخابها. ويستخدم في ظل النظام المختلط أحد نظم التعددية/الأغلبية (أو أحياناً إحدى النظم الأخرى)، والذي عادةً ما يقوم استناداً إلى دوائر انتخابية أحادية التمثيل، بالإضافة إلى نظام القائمة النسبية.
وهناك شكلين للنظم الانتخابية المختلطة: فعندما ترتبط نتائج الانتخاب في ظل كلا النظامين الانتخابيين ببعضها البعض، بحيث يستند توزيع المقاعد في ظل النظام النسبي على نتائج النظام الآخر، وذلك لتعويض ما قد ينتج عن ذلك النظام من خلل في نسبية النتائج، يطلق على النظام المختلط اسم نظام تناسب العضوية المختلطة (MMP). أما عندما ينفصل النظامان عن بعضهما البعض بشكل كلي ويعملان بشكل مستقل تماماً، حيث لا يستند توزيع المقاعد في ظل أي منهما على ما يحدث في النظام الآخر، يطلق على ذلك النظام اسم نظام الانتخاب المتوازي (Parallel).
وبينما يسفر نظام تناسب العضوية المختلطة عن نتائج نسبية بشكل عام، عادةً ما يسفر النظام المتوازي عن نتائج لا تحقق سوى نسبية متوسطة المدى بين ما ينتج عن نظم التعددية/الأغلبية ونظم التمثيل النسبي بشكل عام.
ولقد تم اعتماد هذه النظم بشكل واسع من قبل الديمقراطيات الناشئة في كل من أفريقيا ودول الإتحاد السوفيتي سابقاً.
نظـام تـناسـب العضـويـة المختـلـطة
يتم توزيع المقاعد النسبية في ظل هذا النظام للتعويض عن الخلل الحاصل في نسبية النتائج الخاصة بمقاعد الدوائر الانتخابية أحادية التمثيل والمنتخبة بموجب أحد نظم التعددية/الأغلبية أو أحد النظم الأخرى التي يتركب منها النظام المختلط. وعلى سبيل المثال، فلو فاز حزب ما بما نسبته 10 بالمئة من أصوات الناخبين على المستوى الوطني من أصوات القائمة النسبية، في الوقت الذي لم يحصل فيه على أية مقاعد من تلك المخصصة للانتخاب في الدوائر الانتخابية بموجب النظام الآخر، فسيعطى ذلك الحزب ما يكفي من المقاعد المخصصة للانتخاب النسبي بما يكفل له الحصول على 10 بالمئة من مقاعد الهيئة التشريعية المنتخبة (البرلمان). وقد يطبق هذا النظام من خلال إعطاء الناخبين إمكانيتين للخيار (تتبع كل منهما لواحد من النظامين الانتخابيين)، كما هي الحال في كل من ألمانيا ونيوزيلندا، أو من خلال إعطائهم خياراً واحداً يتمثل في الاقتراع لصالح المرشحين في دوائرهم الانتخابية، ويتم احتساب الأصوات التي يحصل عليها كل حزب من خلال تجميع أصوات مرشحيه في مختلف الدوائر الانتخابية.
أما نسبة المقاعد التي يتم توزيعها استناداً إلى كل واحد من النظامين الانتخابيين الذين يتألف منهما نظام تناسب العضوية المختلطة، فتختلف من بلد إلى آخر. ففي ليسوتو مثلاً يتم انتخاب 80 مقعداً بموجب نظام الفائز الأول و40 مقعداً للتعويض عن الخلل في نتائج انتخاب تلك المقاعد، أما في ألمانيا فيتم انتخاب 299 مرشحاً بموجب كل واحد من النظامين.
على الرغم من تصميم نظام تناسب العضوية المختلطة لإفراز نتائج نسبية، إلا أن حجم الخلل في نسبية النتائج في انتخابات الدوائر أحادية التمثيل قد يكون كبيراً إلى حد لا تستطيع معه المقاعد المخصصة للانتخاب النسبي التعويض عنه. وهو ما قد يحصل بصورة جلية خاصةً عندما يتم تحديد الدوائر الانتخابية للانتخاب النسبي على المستوى المحلي وليس الوطني. حيث قد يفوز حزب ما بعدد من المقاعد المنتخبة بموجب نظام التعددية/الأغلبية يفوق العدد الذي قد يخوله الفوز فيه عدد أصواته الحزبية. ولمعالجة ذلك، يمكن مقاربة النسبية بشكل أفضل من خلال توسيع عدد مقاعد الهيئة المنتخبة بعض الشئ، حيث تكون المقاعد الإضافية بمثابة مقاعد تعويضية. وهذا ما حصل في معظم الانتخابات التي جرت في ألمانيا. كما أن النظام في نيوزيلندا يسمح بذلك. أما في ليسوتو أدى عدد مقاعد البرلمان المحدد والنهائي إلى نتائج غير نسبية بشكل كافٍ في أول انتخابات تجرى في ظل نظام تناسب العضوية المختلطة سنة 2002.
ميـزات وعيـوب نظـام تـناسـب العضـويـة المختـلـطة
من محاسن نظام تناسب العضوية المختلطة أنه يتمتع بمزايا نظم التمثيل النسبي، في نفس الوقت الذي يسهم في ربط الممثلين المنتخبين بمناطق جغرافية محددة، مما يقوي من صلتهم بناخبيهم. إلا أنه في تلك الحالات التي يعطى فيها الناخب صوتين، واحداً للحزب وواحداً للمثله المحلي، فكثيراً ما لا يعي الناخبون تماماً الأهمية الأكبر للصوت الخاص بالحزب في توزيع المقاعد النهائي في الهيئة المنتخبة. كما ويمكن لهذا النظام أن يؤدي إلى إيجاد شريحتين مختلفتين من الممثلين المنتخبين: أولئك المسؤولين أمام ناخبيهم في دوائرهم الانتخابية بالدرجة الأولى، وأولئك المنتخبين على قائمة الحزب الوطنية والذين لا يشعرون بأية مسؤولية أخرى غير تلك التي تربطهم بالحزب الذي تم انتخابهم على قائمته، ودون أية روابط جغرافية. وهو ما من شأنه التأثير على تماسك الأحزاب والفرق البرلمانية في عملها البرلماني.
يمكن لنظام تناسب العضوية المختلطة أن يحقق ذات المستويات من النسبية في نتائج الانتخابات كتلك الناتجة عن نظام القائمة النسبية، وبذلك فهو يشترك معه في كثير من مزاياه ومساوئه. إلا أنه غالباً ما يفضل نظام القائمة النسبية على نظام تناسب العضوية المختلطة لكون هذا الأخير يحفز على ما يسمى بالاقتراع الاستراتيجي وما ينتج عنه من سلوكيات مشبوهة. ففي انتخابات عام 1996 في نيوزيلندا، وفي دائرة ويلينغتون بالتحديد، قام مسؤولو حملة الحزب الوطني بتوجيه ناخبي الحزب لعدم التصويت لصالح مرشحه في تلك الدائرة وذلك لأن حساباتهم بينت لهم بأن انتخاب ذلك المرشح بموجب نظام تناسب العضوية المختلطة لن يعطي الحزب مقعداً إضافياً بل سيعمل على استبدال مرشح آخر سيتم انتخابه من خلال القائمة الحزبية على أية حال. وعليه، فضّل الحزب الوطني أن يتم انتخاب مرشح آخر من حزب آخر يتعاطف مع الحزب الوطني ويقف في صفه أيديولوجياً، بدلاً من هدر الأصوات في دعم مرشحهم الذي لن يكسبهم مقعداً إضافياً.
النظـم المتـوازيـة (Parallel)
تقوم نظم الانتخاب المتوازية على استخدام مركبين أحدهما نظام انتخاب نسبي والآخر يتبع نظم التعددية/الأغلبية، ولكن على العكس من نظام العضوية المختلطة، ففي هذا النظام لا علاقة للنظامين ببعضهما البعض، حيث لا يعمل النظام النسبي على تعويض الخلل في تناسب النتائج الناتج عن نظام التعددية/الأغلبية المستخدم بموازاته (ويمكن أن يرافق النظام النسبي إحدى نظم الانتخاب الأخرى، كما هي الحال في التايوان حيث يستخدم نظام الصوت الواحد غير المتحول).
وفي ظل هذا النظام، يمكن أن يعطى الناخب ورقة اقتراع واحدة، كما في نظام تناسب العضوية المختلطة، حيث يدلي بصوته لكل من مرشحه المفضل وللحزب الذي يختاره، على غرار ما يحصل في جمهورية كوريا الجنوبية، كما ويمكن أن يعطى ورقتي اقتراع منفصلتين، تخص واحدة منهما المقعد المنتخب بموجب نظام التعددية/الأغلبية بينما تستخدم الورقة الأخرى للاقتراع للمقاعد المنتخبة بموجب النظام النسبي، وهو ما يعمل به في كل من اليابان وليتوانيا والتايلاند. ولقد شاع استخدام النظم المتوازية على امتداد ما يزيد على 15 عام مضت، وذلك بسبب الانطباع السائد بأنها تجمع بين مزايا كل من نظام القائمة النسبية ونظم التعددية/الأغلبية (أو النظم الأخرى).
ميـزات وعيـوب النظـم المتـوازيـة (Parallel)
الميزات
تتلخص مزايا النظم المتوازية في كونها تحد من الخلل في نسبية النتائج، إذ تفرز نتائجاً وسطية بين ما تسفر عنه نظم التعددية/الأغلبية وما ينتج عن نظم التمثيل النسبي. ومن ميزاتها كذلك أنها تعطي الأحزاب الصغيرة التي تمثل الأقليات فرصةً في الحصول على تمثيل لها من خلال المقاعد المتخبة بموجب التمثيل النسبي في حال إخفاقها في الحصول على أي من مقاعد التعددية/الأغلبية، خاصةً كلما ارتفع عدد المقاعد المنتخبة بموجب النظام النسبي. أخيراً، ومن الناحية النظرية على الأقل، فإن نظم الانتخاب المتوازية لا تحفز على تشرذم الأحزاب السياسية وتعددها بنفس المقدار الذي تعمل عليه نظم التمثيل النسبي عندما تطبق بشكل منفرد.
العيوب
أما مساوئ هذه النظم فتتمثل في كونها قد تفرز شريحتين مختلفتين من الممثلين، كما هي الحال بالنسبة لنظام تناسب العضوية المختلطة. كما وأن نظم التمثيل المتوازية لا تضمن نسبية تامة في نتائج الانتخابات، مما ينتج عنه استبعاد بعض الأحزاب السياسية من الحصول على أي تمثيل لها على الرغم من فوزها بأعداد لا بأس بها من أصوات الناخبين. أخيراً فإن هذه النظم معقدة بعض الشئ وقد تضلل الناخبين الذين يصعب عليهم إدراك تفاصيلها بالكامل وكيفية عملها على أرض الواقع.
النظـم الأخـرى
بالإضافة إلى نظم التعددية/الأغلبية، ونظم التمثيل النسبي والنظم المختلطة، هناك ثلاثة نظم انتخابية أخرى لا تنطبق في تفاصيلها على أي من هذه التصنيفات. فنظام الصوت الواحد غير المتحول يقوم في دوائر انتخابية متعددة التمثيل، وهو يتمحو حول المرشحين الأفراد ويمتلك الناخب في ظله صوتاً واحداً. أما نظام الصوت المحدود فهو يشابه نظام الصوت الواحد غير المتحول إلا أنه يعطي الناخب أكثر من صوت واحد (ولكن، على العكس من نظام الكتلة، فإن عدد أصوات الناخب يكون أقل من عدد المقاعد التي يتم انتخابها عن دائرته الانتخابية). ونظام بوردا، وهو نظام تفضيلي يمكن تطبيقه في دوائر انتخابية أحادية أو متعددة التمثيل على حد سواء.
وتميل هذه النظم إلى إفراز نتائج انتخابية تقع ما بين نتائج النظم النسبية ونتائج نظم التعددية/الأغلبية.
نظـام الصـوت الـواحـد غيـر المتحـول (SNTV)
يقوم الناخب في ظل هذا النظام بالاقتراع لصالح مرشح واحد فقط في دائرته، ولكن على العكس من نظام الفائز الأول، يتم ذلك في دوائر متعددة التمثيل حيث يتم انتخاب أكثر من ممثل واحد عن كل دائرة انتخابية، ويفوز بالانتخاب المرشحون الحاصلون على أعلى الأصوات. ويضع هذا النظام الأحزاب السياسية أمام تحدي كبير، فلو كان لدينا على سبيل المثال دائرة انتخابية تنتخب أربعة ممثلين لها، فسيفوز بالانتخاب كل مرشح يحصل على ما يزيد على 20 بالمئة من الأصوات تقريباً. ولو حصل حزب سياسي ما على 50 بالمئة من الأصوات، وذلك بفوز اثنين من مرشحيه على حوالي 25 بالمئة من الأصوات لكل منهما، فإن ذلك قد يخوله الفوز بمقعدين من مقاعد الدائرة. أما في حال حصول أحد مرشحي ذلك الحزب على 40 بالمئة من الأصوات في حين لم يحصل المرشح الآخر سوى على 10 بالمئة من الأصوات، فقد يعني ذلك عدم فوز المرشح الثاني بالمقعد، وبالتالي عدم فوز الحزب سوى بمقعد واحد فقط. وفيما لو قام ذلك الحزب بتسمية ثلاثة مرشحين له في تلك الدائرة، فإن حضوضه بالفوز بمقعدين قد تضمحل أكثر فأكثر وذلك بسبب توزيع الأصوات بين مرشحيه الثلاثة في الدائرة.
ميـزات وعيـوب نظـام الصـوت الـواحـد غيـر المتحـول (SNTV)
الميزات
-
الفارق الأساسي بين هذا النظام ونظم التعديية/الأغلبية يتمثل في كونه يسهم بشكل أفضل في تمكين مرشحي الأحزاب الصغيرة ومرشحي الأقليات والمرشحين المستقلين من الحصول على تمثيل لهم في الهيئة المنتخبة. وترتفع نسبية النتائج المتمخضة عن هذا النظام كلما زاد حجم الدائرة الانتخابية (أي كلما ارتفع عدد الممثلين المنتخبين عن الدائرة الانتخابية الواحدة). ونجد بأن نظام الصوت الواحد غير المتحول قد مكن عدداً من المرشحين المستقلين في الأردن، والمعروفين بولائهم للنظام الملكي، من الفوز وهو ما يعتبر ميزةً إيجابية في بلد ما زال النظام الحزبي فيه في طور النشوء.
-
يسهم هذا النظام في دفع الأحزاب لتنظيم نفسها داخلياً بشكل أفضل وللعمل على توجيه ناخبيها لتوزيع أصواتهم على مرشحيها بشكل يضمن لها الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد. وبينما يعطي نظام الصوت الواحد غير المتحول للناخبين إمكانية الاختيار بين مختلف المرشحين المتقدمين عن الحزب الواحد، فهو لا يسفر عن ذات المستويات من تعدد تلك الأحزاب كما هي الحال في ظل نظم التمثيل النسبي. وكدليل على ذلك نجد بأن تطبيق هذا النظام على مدى ما يزيد عن 45 عام في اليابان لم يقف عائقاً أمام تدعيم قوة الحزب الواحد الذي استمر متماسكاً وبالتالي حافظ على سيطرته على الساحة السياسية طوال تلك المدة.
-
يمكّن هذا النظام المرشحين المستقلين من المشاركة في الانتخابات في ظله بسهولة ودون معوقات.
-
أخيراً يتميز هذا النظام بكونه سهل الفهم وبالتالي سهل التطبيق على أرض الواقع.
العيوب
-
يمكن أن ينتج عن هذا النظام عدم فوز الأحزاب الصغيرة بأي تمثيل لها في حال توزعت أصواتها بشكل كبير بين مرشحيها، بينما تفوز الأحزاب الكبيرة بأعداد إضافية من المقاعد مما يمكنها من السيطرة على الأغلبية المطلقة في البرلمان من خلال حصولها على أغلبية بسيطة من أصوات الناخبين على المستوى الوطني. وعلى الرغم من أن توسيع حجم الدائرة الانتخابية من حيث عدد الممثلين المنتخبين عن كل منها من شأنه أن يرفع من مستوى نسبية النتائج، إلا أن ذلك بدوره يضعف العلاقة المباشرة بين الناخب وممثله. وتمثل الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل والتي تنتخب كل منها 18 ممثلاً في التايلاند الحد الأقصى المقبول في ظل هذا النظام.
-
كما هي الحال في أي نظام انتخابي حيث يتنافس مرشحو الحزب الواحد فيما بينهم للفوز بأصوات الناخبين، فإن ذلك من شأنه أن يسهم في تعميق الانقسامات الداخلية ضمن الأحزاب السياسية. وهو ما يمكن أن يحفز على انتهاج سياسات الزبانية الانتخابية، حيث يعمل المرشحون على تقديم الإغراءات لمجموعات محددة من الناخبين.
-
يتطلب هذا النظام من الأحزاب السياسية اعتماد سياسات استراتيجية معقدة فيما يتعلق بتسمية مرشحيهم وإدارة أصوات ناخبيهم. فقد تكون تسمية أعداد كبيرة من المرشحين على ذات القدر من الضرر بالمصالح الحزبية كتسمية أعداد ضئيلة منهم. هذا بالإضافة إلى الأهمية البالغة لكيفية توجيه ناخبي الحزب الواحد إلى توزيع أصواتهم بالتساوي بين مرشحي ذلك الحزب.
-
لا يحفز هذا النظام الأحزاب السياسية للعمل على توسيع قواعد مؤيديها وذلك لكونه لا يعطي للناخب سوى صوتاً واحداً فقط، فطالما تمكّن الحزب من تأمين مجموعة أساسية كافية من الأصوات فإن ذلك يضمن له الفوز دون الحاجة للبحث عن تأييد إضافي من قبل مجموعات أخرى من الناخبين.
-
عادةً ما ينتج عن نظام الصوت الواحد غير المتحول ضياع أعداد كبيرة من الأصوات التي تذهب هباءً، خاصةً في ظل وجود شروط لينة للترشيح والتي تمكّن أعداداً كبيرة من المرشحين من الترشح للانتخاب.
نظـام الصـوت المحـدود (LV)
يمكن اعتبار نظام الصوت المحدود على أنه أحد نظم التعددية/الأغلبية المستخدم في دوائر انتخابية متعددة التمثيل، كما في نظام الصوت الواحد غير المتحول. إلا أنه في ظل هذا النظام، يملك الناخب أكثر من صوت واحد، ولكن بعدد يقل عن عدد الممثلين المنتخبين عن الدائرة الانتخابية. ويتم فرز الأصوات بذات الطريقة التي يتم فيها في ظل نظام الصوت الواحد غير المتحول، حيث يفوز بالانتخاب المرشحون الحاصلون على أعلى الأصوات. ويستخدم هذا النظام لتنظيم العديد من الانتخابات المحلية، إلا أن استخدامه على المستوى الوطني ينحصر في كل من جبل طارق وأسبانيا، حيث يستخدم لانتخاب مجلس الشيوخ الأسباني منذ عام 1977 وحتى الآن. وفي هذه الحالة، يملك الناخب عدداً من الأصوات يقل بواحد عن عدد الممثلين المنتخبين عن كل واحدة من الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل وذات الحجم الكبير نسبياً.
ميـزات وعيـوب نظـام الصـوت المحـدود (LV)
يعتبر هذا النظام بسيطاً بالنسبة للناخبين كما وأنه لا يتطلب عمليات معقدة لفرز الأصوات. إلا أنه يميل عادةً لإفراز نتائج أقل نسبية من تلك الناتجة عن نظام الصوت الواحد غير المتحول. وتسري على نظام الصوت المحدود الكثير من الاعتبارات المتعلقة بالتنافس الداخلي بين مرشحي الحزب الواحد، ومسائل إدارة أصوات الناخبين وتوزيعها وسياسات الزبانية الانتخابية والمنطبقة على نظام الصوت الواحد غير المتحول.
نظـام بـوردا (BC)
النوع الأخير من نظم الانتخابات هو نظام بوردا المعدل والمستخدم في ناورو فقط، وهي إحدى جزر المحيط الهادئ المستقلة. وهو نظام تفضيلي، حيث يقوم الناخبون بترتيب المرشحين حسب الأفضلية، كما هي الحال بالنسبة لنظام الصوت البديل. ويمكن استخدامه في دوائر أحادية التمثيل أو دوائر متعددة التمثيل على حد سواء. وفي ظل هذا النظام، على العكس من نظام الصوت البديل، هناك عملية عد واحدة، حيث يتم احتساب الأفضليات التي يحصل عليها كل مرشح كأجزاء من الصوت الواحد. وبموجب النظام المستخدم في ناورو، تعطى الأفضلية الأولى القيمة واحد، بينما تعطى الأفضلية الثانية قيمة تساوي النصف، والثالثة قيمة تساوي الثلث وهكذا. ويتم جمع هذه القيم لكل مرشح حسب الأفضليات التي حصل عليها من أصوات الناخبين، ويفوز بالانتخاب المرشحون الحاصلون على أعلى المجاميع.
ميـزات وعيـوب نظـام بـوردا (BC)
يتشارك نظام بوردا مع باقي النظم التفضيلية فيما يتعلق بميزاته وعيوبه. فبينما يمكن للناخبين التعبير عن أفضلياتهم المختلفة بوضوح، إلا أنه يفرض عليهم مستوى أدنى على الأقل من الوعي الحسابي والثقافة الانتخابية، وقد يصعب على الناخبين فهمه بسهولة. أما نسبية النتائج الناجمة عنه وحجم الأصوات المهدورة فيعتمدان إلى حد كبير على حجم الدوائر الانتخابية في ظل هذا النظام.
مستويات النظـم الانتخـابيـة والنظـم المـركبـة
لكثير من النظم الانتخابية، النسبية منها وتلك التي تتبع نظم التعددية/الأغلبية، مستوى تمثيلي واحد: حيث يقترع كل ناخب مرةً واحدة وذلك لانتخاب مجموعة واحدة من الممثلين. ففي نظام القائمة النسبية ذات المستوى الواحد، يمكن أن تكون القوائم وطنية، كما في كل من ناميبيا وهولندا، أو محلية، كما في كل من فنلندا وسويسرا. أما في النظم الانتخابية المختلطة، فهناك عادةً مستويين اثنين من الممثلين: أولئك المنتخبون بموجب أحد نظم التعددية/الأغلبية وأولئك المنتخبون استناداً إلى نظام نسبي. أما في هنغاريا فهناك ثلاثة مستويات: الممثلون المنتخبون بموجب نظام الجولتين في دوائر انتخابية أحادية التمثيل، والمنتخبون على المستوى المحلي والمنتخبون على المستوى الوطني، وذلك استناداً إلى نظام القائمة النسبية في كلتا الحالتين. ويمكن أن يكون للنظام الانتخابي مستويين تمثيليين دون أن يكون ذلك النظام مختلطاً. إذ يمكن أن يحدث ذلك من خلال استخدام أحد النظم النسبية بوجود قوائم وطنية وقوائم محلية في نفس الوقت (كما في جنوب أفريقيا)، أو من خلال قوائم محلية فقط (كما في الدنمارك). أما في النظام المعمول به في الجزر العذراء البريطانية (الفيرجن)، وهو أحد نظم التعددية/الأغلبية ذي المستويين التمثيليين، فهناك ممثلون لدوائر انتخابية أحادية التمثيل يتم انتخابهم بموجب نظام الفائز الأول، وممثلون لكل واحدة من الجزر كوحدة كاملة يتم انتخابهم عملاً بنظام الكتلة.
يجب تمييز النظم الانتخابية التي تتمتع بمستويين تمثيليين أو أكثر عن النظم الانتخابية المركبة، حيث يتم انتخاب ممثلي جزء ما من البلاد عملاً بنظام انتخابي معين، بينما يتم انتخاب ممثلي جزء آخر منها بالاستناد إلى نظام انتخابي مختلف. ففي بنما، يتم انتخاب حوالي ثلثي الممثلين في دوائر انتخابية متعددة التمثيل عملاً بنظام القائمة النسبية، بينما يتم انتخاب الثلث المتبقي من دوائر انتخابية أخرى أحادية التمثيل بموجب نظام الفائز الأول.
يجدر بنا التنويه إلى أن الحسنات والعيوب الواردة هنا قد تختلف من حالة إلى أخرى، حيث أنها تعتمد على مجموعة من العوامل. وعلى سبيل المثال، فقد يدفع نظام الفائز الأول إلى رفع مستويات المشاركة، في الوقت الذي قد ينتج عن نظام القائمة النسبية توفير دعم قوي داخل السلطة التشريعية لمؤسسة الرئاسة. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يعتبر من ضمن الحسنات في واقع ما أو من قبل حزب ما فقد يعتبر على أنه واحد من العيوب في ظل ظروف أخرى أو من قبل حزب آخر.
إعتـبارات حـول مسـألـة التـمثيـل
يمكن للقواعد الانتخابية أن تؤثر في مجموعة من المسائل المتعلقة بكيفية تمثيل جمهور المواطنين في بلد ما. وتعتبر كثير من تلك المؤثرات نتيجة مباشرة للنظام الانتخابي الذي يتم اعتماده، بينما تنتج المؤثرات الأخرى عن كيفية تصميم القواعد القوانين الانتخابية الأخرى.
تـمثيـل المـرأة
هناك العديد من الطرق لرفع مستويات تمثيل المرأة. ,تميل نظم التمثيل النسبي إلى الإسهام في انتخاب أعداد أكبر من النساء حيث أنها تلغي حاجة الأحزاب السياسية للبحث عن أقوى المرشحين وأكثرهم حضاَ في الفوز كما هي الحال في ظل نظام الفائز الأول مثلاً. وبشكل عام، تعمل النظم الانتخابية التي تستند إلى دوائر انتخابية ذات أحجام أكبر (أي التي تنتخب أعداد أكبر من الممثلين عن كل منها) على تحفيز الأحزاب السياسية لترشيح مزيد من النساء على قوائمها، حيث أن التوازن الأكبر في تركيبة تلك القوائم بحيث تشمل مرشحين من الجنسين من شأنه أن يزيد من حضوض تلك الأحزاب بالفوز بعدد أكبر من المقاعد التمثيلية. وتفرض بعض البلدان التي تستخدم نظام القائمة النسبية على الأحزاب السياسية تضمين نسبة معينة من النساء المرشحات على قوائمها.
وبالإضافة إلى نوع النظام الانتخابي الذي يتم اختياره، يمكن اعتماد مجموعة من الاستراتيجيات بهدف رفع مستويات تمثيل المرأة، ومنها:
-
أولاً، من خلال حجز حصة معينة من مقاعد البرلمان للنساء (الكوتا). ويتم إشغال هذه المقاعد من قبل المرشحات المنتخبات سواء من المناطق أو الدوائر الانتخابية، أو من قبل مرشحات الأحزاب السياسية، وذلك بالتناسب مع حصة تلك الأحزاب من أصوات الناخبين على المستوى الوطني. ويتم اللجوء إلى هذا الإجراء عادةً في البلدان التي تعتمد إحدى نظم التعددية/الأغلبية، وعادةً ما يتم ضمانها (التأكيد على حجزها) من خلال المواد الدستورية. ففي الهند، يتم تقسيم المقاعد المنتخبة في بعض الإدارات المحلية إلى ثلاث مجموعات، حيث لا يمكن ترشيح سوى النساء ضمن إحدى تلك المجموعات، مما يضمن للمرأة الحصول على ثلث المقاعد على الأقل.
-
ثانياً، يمكن أن يفرض قانون الانتخابات على الأحزاب السياسية تسمية عدد محدد من المرشحات النساء. وهذا ما يستخدم عادةً في ظل نظم التمثيل النسبي، كما هي الحال في ناميبيا على سبيل المثال (30 بالمئة من المرشحين على المستوى المحلي) والبيرو (30 بالمئة من مجموع المرشحين). وهو ما يفرضه القانون فيما يتعلق بالمرشحين للمقاعد المنتخبة بموجب نظام القائمة النسبية ضمن نظام تناسب العضوية المختلطة في بوليفيا (30 بالمئة من مجموع المرشحين). إلا أن ذلك بحد ذاته لا يضمن دائماً تحقيق الهدف المرجو، ما لم يضع القانون ضوابط تضمن ترتيب النساء المرشحات في مواقع قابلة للانتخاب على قوائم الأحزاب، بالإضافة إلى ضوابط كافية لتنفيذ ذلك على أرض الواقع. وهذا ما يحصل في الأرجنتين (حيث يفرض القانون تضمين القوائم 30 بالمئة من المرشحات النساء في مواقع متقدمة وقابلة للانتخاب)، وفي بلجيكا (حيث يفرض القانون ترشيح امرأة من بين أول مرشحين على كل قائمة)، وكوستاريكا (40 بالمئة من المرشحات النساء في مواقع متقدمة وقابلة للانتخاب).
-
ثالثاً، يمكن أن تعتمد الأحزاب السياسية كوتا داخلية خاصة بها لترشيح عدد من النساء للانتخاب. وهذه هي الطريقة الأكثر شيوعاً لتحفيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية، والمستخدمة حول العالم ولكن بنسب متفاوتة من النجاعة، إذ يستخدمها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، والحزب البيروني والاتحاد الشعبي الراديكالي في الأرجنتين، وحزب أرض الآباء في بوليفيا، وحزب الثورة الديمقراطية في المكسيك، وحزب العمال في كل من أستراليا وبريطانيا، وكثير من الأحزاب في البلدان الاسكندنافية. ولقد أدى اللجوء إلى استخدام قوائم أولية نسائية محضة من قبل حزب العمال في بريطانيا في انتخابات العام 1997 إلى رفع عدد النساء المنتخبات في مجلس العموم من 60 إلى 119 امرأة.
حسب المعطيات المتوفرة حتى عام 2004، نص الدستور في 14 بلد على فرض كوتا نسائي، بينما نصت على ذلك قوانين الانتخابات في 32 بلد، وما لا يقل عن 125 حزب سياسي في 61 بلد اعتمدت كوتا طوعية خاصة بها. أما فيما يتعلق بأنواع النظم الانتخابية، نجد بأن 17 بلد تستخدم إحدى نظم التعددية/الأغلبية تعتمد كوتا نسائية، بينما يعتمدها 15 بلد تعمل بإحدى نظم الانتخابات المختلطة و45 بلد تعتمد نظماً نسبية. وذلك بالإضافة إلى كل من أفغانستان والأردن، حيث يتم استخدام أحد النظم الانتخابية الأخرى، والتي تعتمد الكوتا أيضاً.
أما النظم التي تضمن تمثيل المرأة فتختلف في مستويات نجاعتها ونتائجها على الأرض. فعلى سبيل المثال، يمكن لاعتماد طريقة الكوتا أن تضمن انتخاب المرأة، إلا أن الكثيرين، وخاصةً من النساء، يرون في ذلك إجراءً إرضائياً فحسب لا يهدف سوى إلى تحييد المرأة وتحجيم دورها وتوفير فرصة للفوز لأقرباء وأصدقاء السياسيين الرجال بدلاً من إعطاء المرأة فرصة حقيقية لدخول المعترك السياسي. وطالما أن دخول العمل السياسي عادةً ما يبدأ بالمستوى المحلي، حتى بالنسبة للرجال، فقد يكون من الأفضل البدء باعتماد الكوتا النسائية، على الأقل في المراحل الأولية، على المستوى المحلي بدلاً من المستوى الوطني.
كما وأن الفوز بأحد مقاعد البرلمان لا يعني بالضرورة الحصول على موقع مؤثر في سلطة صنع القرار، وفي بعض البلدان، يتم تهميش النساء المنتخبات من مواقع صنع القرار، خاصةً عندما يتم انتخابهن من خلال مقاعد محجوزة للنساء فقط. ولكن على الرغم من ذلك، فلقد استطاعت المرأة في بلدان أخرى، ومن خلال استغلال الفرصة المتاحة لها عبر الكوتا، إثبات وجودها والإسهام بشكل فاعل في صنع القرارات ورسم السياسات، والتأثير بذلك على النهج التقليدي في العمل السياسي.
تـمثيـل الأقليـات
تتعدد السبل الرامية لتحسين مستويات تمثيل الأقليات. وكما هي الحال بالنسبة لتمثيل المرأة، تعمل النظم الانتخابية التي تستند إلى دوائر انتخابية ذات أحجام أكبر (أي التي تنتخب أعداد أكبر من الممثلين عن كل منها) على تحفيز الأحزاب السياسية لترشيح مزيد من المنتمين للأقليات على قوائمها، حيث أن التوازن الأكبر في تركيبة تلك القوائم بحيث تشمل مرشحين من الأقليات من شأنه أن يزيد من حضوض تلك الأحزاب بالفوز بعدد أكبر من المقاعد التمثيلية. كما وأن اعتماد نسبة ضئيلة للحسم، أو غيابها بالكامل ضمن نظم الانتخاب النسبية من شأنه أن يسهم في تمكين الأقليات والمجموعات غير الممثلة من الحصول على تمثيل لها. وعادةً ما يتم حجز عدد من المقاعد، خاصةً في ظل استخدام إحدى نظم التعددية/الأغلبية الانتخابية، لتمثيل الأقليات والمجتمعات المحلية.
ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال حجز عدد من المقاعد لضمان تمثيل الأقليات في البرلمان. ويتم حجز المقاعد لمجموعات معرفة ومحددة من الأقليات العرقية أو الدينية في بلدان تتنوع تركيبتها الاجتماعية، كما في كولومبيا (للأقلية السوداء)، وفي كرواتيا (لكل من الأقليات التالية: المجر، والطليان، والتشيك، والسلوفاك، والروثانيين، والأوكرانيين، والألمان، والنمساويين)، وفي الهند (لمختلف القبائل والطبقات)، وفي الأردن (للمسيحيين والشركس)، وفي النيجر (للطوارق)، وفي نيوزيلندا (لشعب الماوري)، وفي الباكستان (للأقليات من غير المسلمين)، وفي فلسطين (للمسيحيين)، وفي ساموا (للأقليات من غير السكان الأصليين)، وفي سلوفينيا (للمجر والطليان)، وفي التايوان (للسكان الأصليين). ويتم انتخاب الممثلين عن تلك القليات عادةً بنفس الطريقة التي يتم فيها انتخاب باقي الممثلين، إلا أن انتخابهم ينحصر أحياناً بالناخبين التابعين لتلك الأقليات المنصوص عليها في القانون. وذلك يتطلب بطبيعة الحال إعداد سجل خاص لللناخبين من تلك الأقليات. وبينما يتفق الكثيرون على الفائدة من ضمان تمثيل المجموعات الصغيرة والأقليات، إلا أن آخرون يرون أنه من الأفضل العمل على انتهاج سياسات تفضي إلى إفراز هيئات تشريعية تمثيلية دون المزيد من المعالجات والشروط القانونية، حيث أن الكوتا قد تؤدي إلى امتعاض الأكثرية والإضرار بجهود بناء الثقة والتعايش بين مختلف المجموعات الثقافية والاجتماعية.
وبدلا من حجز عدد من المقاعد، يمكن اللجوء إلى طريقة أخرى تتمثل في زيادة عدد ممثلي المقاطعات/الألوية أو المحافظات، الأمر الذي قد يسهم في رفع مستويات تمثيل المجموعات المتمركزة جغرافياً في مناطق محددة. ففي المملكة المتحدة البريطانية تحصل مقاطعات سكوتلندا وويلز على عدد من الممثلين في مجلس العموم يفوق العدد الذي يمكنهم الحصول عليه في حال اعتماد مبدأ الحجم السكاني لكل مقاطعة لتوزيع المقاعد. وكذلك الأمر بالنسبة لللمقاطعات الجبلية في النيبال.
ويوفر نظام ما يعرف "بالخاسر الأفضل" المستخدم حالياً في موريشيوس إمكانية أخرى لتحقيق ذلك، حيث يمنح الخاسرون الحاصلون على أعلى الأصوات (دائماً من بين المرشحين الخاسرين) والتابعون لأقليات عرقية محددة، يمنحون مقاعد في البرلمان وذلك للعمل على إيجاد توازن في تمثيل مختلف المجموعات العرقية في البلد.
كما ويمكن تعديل حدود الدوائر الانتخابية وتجييرها لضمان تمثيل الأقليات. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، كان يسمح قانون الحقوق الانتخابية للحكومة بترسيم حدود الدوائر الانتخابية بكافة الأشكال الملتوية وغير المتناسقة، وذلك بهدف إيجاد دوائر انتخابية تتمتع فيها بعض المجموعات العرقية بالأغلبية، مثل السود، أو اللاتينيين أو الأسيويين الأمريكان، وهو ما يمكن اعتباره على أنه تلاعب إيجابي في حدود الدوائر. وعلى أية حال، قلما تخلو أية إجراءات تهدف إلى حماية حقوق الأقليات في التمثيل من الجدل.
تـمثيـل المجتـمعـات المحـليـة
قامت بعض المجتمعات المنقسمة عرقياً باستغلال مفهوم المقاعد المحجوزة إلى أبعد حد ممكن. وذلك ليس فيما يتعلق بتوزيع المقاعد على أساس التوزيع العرقي للمجتمع فحسب، بل أن مجمل النظام التمثيلي في الهيئة التشريعية يستند كذلك إلى اعتبارات عرقية، حيث يفضي ذلك إلى وجود سجل انتخابي خاص بكل مجموعة أو فئة، وتنتخب كل من هذه المجموعات ممثليها بشكل منفصل (أي أنها لا تقترع لممثلي المجموعات الأخرى).
ففي لبنان يعمل بدوائر انتخابية متعددة التمثيل محددة مسبقاً، حيث يتم توزيع المقاعد المخصصة لكل منها بين مختلف الطوائف المتواجدة في تلك الدائرة. ويتم انتخاب الممثلين بموجب نظام الكتلة، استناداً إلى سجلات للناخبين تخص كل واحدة من تلك الطوائف والتي تقترع لصالح ممثليها فقط. أما في فيجي، فيستطيع الناخبون الاقتراع لقوائم مفتوحة، بالإضافة إلى اقتراعهم لصالح مرشحي مجموعاتهم أو فئاتهم العرقية.
ولقد تم الاستغناء عن هذه الإجراءات في غالبية الحالات (السجلات العرقية أو الطائفية المنفصلة)، بعدما اتضح بأن ذلك، وعلى الرغم من كونه يضمن للمجموعات والأقليات الحصول على تمثيل لها، إلا أنه يقوض جهود التعايش والتوافق بين مختلف المجموعات والفئات، ولا يدفع باتجاه التفاعل السياسي فيما بينها. كما وأن عملية تحديد هوية كل ناخب وتبعيته لإحدى المجموعات أو الفئات، وبالتالي توزيع المقاعد بينها بشكل عادل، عادةً ما يكون أمراً صعباً للغاية ولا يخلو من المخاطر. ففي الهند على سبيل المثال، تم بعد الاستقلال إلغاء الدوائر الانتخابية المعتمدة في العهد الاستعماري بشكل منفصل لكل من المسلمين، والمسيحيين، والسيخ وغيرهم، على الرغم من الإبقاء على بعض المقاعد المحجوزة لتمثيل القبائل والطبقات. كما وتم الاستغناء عن إجراءات وسجلات مماثلة في كل من باكستان، وقبرص والزيمبابوي. وعلى الرغم من الجدل المحيط باستخدامها في الفيجي، ما زال انتخاب الممثلين في البرلمان يتم من خلال سجلات منفصلة لكل من الفيجيين الأصليين، والهنود، والروتومان، بالإضافة إلى السجل الخاص بباقي الناخبين.
بينما تسند مهمة تحديد المجموعة/الفئة التي يتبع لها كل ناخب إلى جهات مسؤولة عن تسجيل الناخبين في بعض الحالات، يترك تحديد ذلك في حالات أخرى للناخب للقيام بذلك بنفسه. أما المثال الأهم للسجل المنفصل والمعمول به في الديمقراطيات الحالية فنجده في السجل الاختياري الخاص بشعب الماوري في نيوزيلندا. حيث يمكن للناخب من هذه الفئة أن يختار تسجيل نفسه على سجل الناخبين العام أو على السجل الخاص بتلك الأقلية، والتي تنتخب حالياً سبعة ممثلين لها في البرلمان. إلا أن نتائج الانتخابات الأولى بموجب نظام نسبي في نيوزيلندا منذ العام 1996 قد أضعفت المبررات لاستخدام السجل الخاص، حيث فاز بالانتخاب على أساس السجل العام للناخبين عدد من الممثلين من جماعة الماوري يساوي ضعف العدد المنتخب بموجب السجل الخاص بتلك الفئة.
مـواعيـد الانتخـابـات
يمكن إجراء الانتخابات على مراحل وليس بالضرورة في يوم واحد أو محدد، سواء كانت تلك انتخابات تشريعية، عامة، أو محلية أوغيرها. ويمكن أن يكمن السبب في فصل مواعيد الانتخاب وتوزيعها على فترات زمنية متباعدة في اعتبارات عملية وسياسية في نفس الوقت. وعادةً ما يتم تنظيم الانتخابات على مراحل عندما يتطلب ذلك مزيداً من التحضيرات اللوجستية (كما هي الحال في انتخابات مجلس العموم في الهند)، أو عندما تفرض ذلك الاعتبارات الأمنية. ونجد بأن الاعتبارات الإدارية والأمنية تجعل تنظيم الانتخابات على مراحل متتالية، إن من حيث التوقيت أو من حيث المواقع، أسهل بكثير بالنسبة للجنة الانتخابات الهندية. ويمكن أن تفصل عدة أسابيع بين الانتخابات التشريعية في كل مقاطعة والتي تليها. أما الصعوبات التي تواجه تنظيم الانتخابات على مراحل فتكمن في تأمين وحماية أصوات الناخبين المقترعين. حيث أنه يجب تأمين الأصوات الخاصة بالأماكن التي انتهت من الاقتراع في موقع مركزي آمن إلى أن تنتهي باقي المواقع من الاقتراع، وذلك كي لا تؤثر نتائج الأولى في سلوك وتوجهات الناخبين في المواقع التي لم تنتخب بعد.
أما الإجراء الأكثر شيوعاً فهو تنظيم الانتخابات الرئاسية، والتشريعية والمحلية في مواعيد مختلفة. حيث دلت التجارب على أن تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية في نفس الوقت وبشكل متزامن من شأنه أن يرجح كفة حزب مرشح الرئاسة صاحب أفضل الحضوض في الفوز، الأمر الذي ينتج عنه تماسكاً وتناسقاً أكبر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وبالتالي منح السلطة التنفيذية سلطة أقوى في إدارة الحكم، خاصةً في الديمقراطيات الناشئة. لكن، إذا كانت هناك رغبة في تدعيم الفصل بين السلطات، وإذا سمحت بذلك الاعتبارات والقدرات اللوجستية، فقد يكون من الضروري العمل على فصل الانتخابات الرئاسية عن التشريعية وتنظيمها في مواعيد مختلفة.
التصـويـت عـن بعـد
يستخدم التصويت عن بعد في العديد من البلدان، بما فيها الديمقراطيات الناشئة والراسخة، وذلك في محاولة لرفع مستويات المشاركة. وقد يتم التصويت عن بعد من خلال الاقتراع شخصياً في موقع يختلف عن مركز الاقتراع الذي يتبع له الناخب، أو في موعد يختلف عن موعد الانتخابات، أو من خلال اتباع إجراءات محددة لإرسال الصوت عبر البريد أو الاقتراع بواسطة وكيل. ويمكن للأصوات عن بعد أن تمثل نسبة هامة من مجمل أصوات الناخبين، خاصةً عندما تنحصر الشروط للمارسة ذلك في حدها الأدنى. ففي فنلندا تبلغ نسبة الأصوات عن بعد حوالي 37 بالمئة من مجمل أصوات الناخبين، وفي انتخابات عام 2003 في جزر المارشال بلغت تلك النسبة 58 بالمئة. أما في السويد، حيث تبلغ نسبة الأصوات عن بعد حوالي 30 بالمئة عادةً، فيمكن للناخبين تغيير صوتهم عن بعد من خلال التوجه إلى مركز الاقتراع الخاص بهم يوم الانتخاب. إلا أن استخدام الاقتراع عن بعد له انعكاساته على تصميم النظام الانتخابي، كما وأنه على درجة من الأهمية فيما يتعلق بسلامة ونزاهة العملية الانتخابية.
ويسهل تطبيق التصويت عن بعد في ظل نظام القائمة النسبية المستند إلى قوائم وطنية وحيث يتم ترشيح قائمة واحدة عن كل حزب، بينما يصبح بالغ التعقيد في ظل نظام يستند إلى دوائر انتخابية أحادية التمثيل. وعندما يتعلق الأمر بالاقتراع من خارج حدود البلد المعني، يجب الانتباه إلى ضرورة تأمين وصول ورقة الاقتراع الصحيحة إلى كل ناخب (أي الورقة التي تخص الدائرة الانتخابية التي يتبع لها) وتنظيم ذلك بكل حذر ودقة. فقد لا تسير العملية حسب المطلوب فيما لو طلب من الممثليات الدبلوماسية توزيع أوراق الاقتراع إذا ما كان البلد المعني ينقسم إلى عدد كبير من الدوائر الانتخابية، أخذاً بعين الاعتبار الصعوبات اللوجستية الكامنة في ضمان استلام كل ممثلية لأوراق الاقتراع الصحيحة والمطلوبة وبالتالي قدرتها على إيصال الورقة الصحيحة لكل ناخب بشكل فردي. أما إذا ما اختير اللجوء إلى إرسال أوراق الاقتراع عبر البريد فيجب أخذ انعكاسات ذلك على الجدول الزمني للعملية الانتخابية.
بعد الإدلاء بها، يمكن دمج الأصوات عن بعد مع باقي أصوات الناخبين في الدائرة الانتخابية التي يتبع لها الناخب عن بعد (كما في نيوزيلندا)، أو يمكن عدها وفرزها بشكل منفرد ضمن دوائر خارجية خاصة بالمقترعين خارج البلد (كما في كرواتيا)، أو إتباعها للأصوات في دائرة انتخابية محددة أو أكثر (كما في إندونيسيا)، أو إضافتها إلى مجموع الأصوات على المستوى الوطني عندما يقوم النظام على أساس التمثيل النسبي للقائمة من خلال قوائم وطنية (كما في هولندا).
مسـتويـات المشـاركـة
هناك علاقة مباشرة بين مستوى المشاركة في الانتخابات (بمعنى نسبة الناخبين المشاركين بالاقتراع) والنظام الانتخابي المعتمد. وترتبط نظم التمثيل النسبي بشكل عام بمستويات أعلى لمشاركة الناخبين. أما في نظم التعددية/الأغلبية، فعادةً ما ترتفع نسبة المشاركة عندما يتوقع جمهور الناخبين نتائج متقاربة لمختلف الأحزاب أو المرشحين، على العكس مما يحصل عندما يكون واضحاً للجميع تفوق حزب ما منذ البداية.
وللعمل على الارتقاء بشرعية العملية الانتخابية، قامت بعض البلدان، وخاصة جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، بإدخال نسب إلزامية للمشاركة كحد أدنى لاعتبار الانتخابات على أنها صحيحة وقانونية: فلو لم تصل نسبة المشاركة إلى الحد المطلوب في دائرة انتخابية ما (50 بالمئة على سبيل المثال)، لا تعتبر الانتخابات صحيحة في تلك الدائرة وتتم إعادتها. إلا أن إدخال مثل هذه النسب الإلزامية يزيد في تعقيد العملية الانتخابية من الناحية الإدارية فيما لو أخفقت الانتخابات المعادة مراراً وتكراراً في تحقيق النسبة المطلوبة. ففي أوكرانيا على سبيل المثال تم إلغاء نسبة المشاركة الإلزامية في انتخابات عام 1998 بعدما أخفقت الانتخابات التكميلية المعادة في تحقيق نسبة المشاركة المطلوبة في انتخابات العام 1994.
وتعمد عدة بلدان لمعالجة مسألة المشاركة من خلال فرض الاقتراع كواجب قانوني إلزامي على الناخب، كما يحدث في كل من أستراليا، وبلجيكا، واليونان وكثير من دول أمريكا اللاتينية. إلا أن الكثير من البلدان الأخرى ترفض هذا الإجراء من منطلق مبدأي. وبينما يمكن اللجوء لهذا الإجراء في ظل أي من النظم الانتخابية، يمكن كذلك تطبيقه بالتزامن مع أي من الإجراءات الأخرى الهادفة إلى رفع مستويات مشاركة الناخبين في العملية الانتخابية.
إعتبارات إضافية حول الانتخابات الانتقالية ومراحل ما بعد الصراع
عادةً ما لا يتوفر الوقت الكافي للحوار والتفاوض في المراحل الانتقالية والتي تلي انتهاء الصراعات مباشرة. حيث يمكن أن تدفع التطورات السياسية الناتجة عن التوصل لاتفاق سلام أو عن سقوط نظام ديكتاتوري باتجاه إجراء انتخابات بأسرع ما يمكن. وبينما تبقى الكثير من الاعتبارات المتعلقة بنجاعة وجودة الانتخابات الانتقالية ومعوقاتها بعيدة عن اختصاص هذا النص، إلا أن هناك بعض المسائل المتعلقة بتصميم النظام الانتخابي في هذه الظروف والتي لا بد من التطرق لها.
تحتاج النظم الانتخابية المختلفة إلى فترات زمنية متفاوتة لإعداد البنية التحتية الضرورية لتطبيق كل منها. فمسألتي تسجيل الناخبين وترسيم الدوائر الانتخابية، على سبيل المثال، من المسائل التي تحتاج إلى مزيد من الوقت لإتمامها، والتي من شأنها أن تفضي إلى صعوبات تمس شرعية العملية الانتخابية برمتها. فلو قام النظام الانتخابي على أساس اقتراع كافة الناخبين شخصياً، بحيث يتم استخدام إحدى الوسائل الشائعة للدلالة على قيام الناخب بالاقتراع والحؤول دون ممارسته لذلك أكثر من مرة واحدة، فيمكن العمل بنظام القائمة النسبية على أساس دائرة وطنية واحدة تشمل كافة مساحة البلد، دون الحاجة لسجل الناخبين ولا لترسيم الدوائر الانتخابية. أما لو كان الخيار اعتماد إحدى نظم التعددية/الأغلبية على أساس دوائر انتخابية أحادية التمثيل، فسيتطلب ذلك إنجاز كلا الأمرين (السجل وترسيم الدوائر) قبل إجراء الانتخابات. وعلى أية حال فقد لا يكون النظام الانتخابي الذي يتم اختياره لتنظيم أول انتخابات انتقالية هو الأفضل على المدى الطويل، على الرغم من أن التغيير المستمر في النظام الانتخابي، بحيث لا يتمكن الناخبون ولا المرشحون أو الأحزاب من الاعتياد على النظام المعتمد في كل مرة، أمر غير مرغوب فيه كذلك.
عادةً ما يميل القائمون على التفاوض حول ماهية النظام الانتخابي وتفاصيله إلى جعله شمولياً إلى أبعد الحدود، مما يحدو بهم إلى تخفيف شروط المشاركة وعدم تعقيدها، سواء من خلال اعتماد شروط سهلة للترشيح أو من خلال اعتماد نظام لا ينطوي على نسبة حسم عالية (في شقيها القانوني/الرسمي أو الفعلي). وفي المقابل، فقد يعنى المفاوضون بالحد من تعدد الأحزاب السياسية وانسياقها خلف الاعتبارات الشخصية أو العرقية، مما يدفعهم نحو رفع شروط المشاركة وضبطها بشكل أكبر. إلا أن ظهور أعداد كبيرة من الأحزاب السياسية يبدو بأنه أحد الميزات الملازمة للانتخابات التي تعقب سقوط الأنظمة الديكتاتورية، لكن كثيراً منها لا تلبث أن تتلاشى بعدما تثبت فشلها في الانتخابات.
في حالات التحول نحو الديمقراطية في المجتمعات التي تعاني من جو سياسي هش ومنقسم، هناك الكثير من الأصوات المنادية بأفضلية البدء في تنظيم انتخابات محلية، ومن ثم الانتقال، شيئاً فشيئاً وتمشياً مع تحسن الظروف السياسية والمادية، إلى مستويات أعلى حتى الوصول إلى المستوى الوطني، كما تم طرحه في السودان على سبيل المثال. وفي حال اللجوء إلى هذا الخيار، فمن المهم بمكان تصميم النظام الانتخابي بما يفي بالمتطلبات السياسية للانتخابات المحلية وبشكل قابل للتطبيق أخذاً بعين الاعتبار الوقت المتوفر والظروف المحيطة.
وقد يكون لتمكين المهجرين واللاجئين من المشاركة في الانتخابات أهمية خاصة في حالات ما بعد الصراع. إذ نجد في التأثير البالغ لأصوات المهجرين واللاجئين في البوسنة والهرسك مثالاً حياً على ذلك. ففي انتخابات عام 1998، تم تسجيل ما مجموعه 314,000 ناخب للاقتراع من خارج البلد، من أصل حوالي مليوني ناخب، حيث تواجد حوالي نصفهم في كل من كرواتيا ويوغوسلافيا سابقاً (صربيا حالياً)، بينما توزع الباقون على 51 بلد آخر. وشارك 66 بالمئة من هؤلاء الناخبين بالاقتراع.