Herramientas Personales
Usted está aquí: Inicio الموســـوعة مجالات المواضيع النظـم الانتـخابيـة


Find us on Facebook   Follow us on Twitter   RSS News Feed   ACE YouTube Channel

 
Tabla de contenido

لمحة عـامـة حـول النظـم الانتـخابيـة

ما هي النظم الانتخابية

 

تعمل النظم الانتخابية في مفهومها الأساسي على ترجمة الأصوات التي يتم الإدلاء بها في الانتخابات إلى عدد المقاعد التي تفوز بها الأحزاب والمرشحين المشاركين بها . أما المتغيرات الأساسية فتتمثل في المعادلة الانتخابية المستخدمة (هل يتم استخدام إحدى نظم التعددية/الأغلبية، أو النسبية، أو المختلطة أو غيرها، وما هي المعادلة الحسابية التي تستخدم لاحتساب المقاعد المخصصة لكل فائز)، وتركيبة ورقة الاقتراع (هل يصوت الناخب لمرشح واحد أو لقائمة حزبية، وهل بإمكانه التعبير عن خيار واحد أو مجموعة من الخيارات)، بالإضافة إلى حجم الدائرة الانتخابية (وهذا لا يتعلق بعدد الناخبين المقيمين ضمن حدود الدائرة الواحدة، إما بعدد الممثلين الذين يتم انتخابهم عن كل دائرة انتخابية). وعلى الرغم من عدم تركيز هذا الجزء من الموسوعة على الجوانب الإدارية للعملية الانتخابية (كتوزيع مقرات الاقتراع، أو تسمية المرشحين، أو تسجيل الناخبين، أو الجهاز الإداري للعملية الانتخابية، إلخ) إلا أن هذه المسائل على درجة بالغة من الأهمية حيث يؤدي تجاهلها إلى تقويض الفوائد المرجوة من أي نظام انتخابي يتم اختياره. كما وأن تصميم النظام الانتخابي يؤثر في مجالات أخرى من قوانين الانتخابات: فاختيار النظام الانتخابي له تأثيره على طريقة تحديد الدوائر الانتخابية، وكيفية تسجيل الناخبين، وكيفية تصميم أوراق الاقتراع، وكيفية فرز الأصوات، بالإضافة إلى العديد من الجوانب الأخرى للعملية الانتخابية.

 

تعتبر مسألة انتقاء النظام الانتخابي من أهم القرارات بالنسبة لأي نظام ديمقراطي. ففي غالبية الأحيان يترتب على انتقاء نظام انتخابي معين تبعات هائلة على مستقبل الحياة السياسية في البلد المعني، حيث أن النظم الانتخابية المنتقاة تميل إلى الديمومة، في الوقت الذي تتموحر الاهتمامات السياسية المحيطة بها حول ما يمكّنها من الاستفادة من المحفزات التي توفرها تلك الأنظمة. وعلى الرغم من أن انتقاء النظم الانتخابية يتم مؤخراً من خلال عملية مدروسة، إلا أن ذلك لم يكن كذلك فيما مضى. ففي كثير من الأحيان كانت عملية الانتقاء تتم بشكل عرضي، كنتيجة لتزامن مجموعة من الظروف غير الاعتيادية، أو استجابة لميول شائع، أو بسبب تحول تاريخي مفاجئ، دون أن ننسى مسائل الإرث الاستعماري وتأثير المحيط كعوامل بالغة التأثير.

 

يحتاج النظام الديمقراطي الناشئ إلى انتقاء (إن لم يكن وراثة) نظام انتخابي معين لانتخاب سلطته التشريعية. كما ويمكن أن تفضي الأزمات السياسية الحاصلة في نظام ديمقراطي قائم إلى تغيير النظام الانتخابي المعتمد. وحتى في غياب تلك الأزمات فقد يعمل مؤيدو الإصلاح السياسي على وضع مسألة تغيير النظام الانتخابي على الأجندة السياسية في بلد ما. وعادةً ما تتأثر القرارات المتخذة لتغيير النظام الانتخابي المعتمد، أو للإبقاء عليه، بعاملين اثنين هما:

• افتقاد القوى السياسية للدراية الكافية حول النظم الانتخابية، مما ينتج عنه غياب الوعي الكامل حول مختلف الخيارات المتوفرة والنتائج المترتبة على كل منها؛

• أو، على العكس من ذلك، استغلال القوى السياسية لدرايتها بتفاصيل النظم الانتخابية للدفع باتجاه اعتماد نظمٍ يعتقدون بأنها تتلائم بشكل أفضل مع مصالحهم الحزبية.

 

وبالإضافة إلى النتائج المحسوبة مسبقاً، يمكن أن ينتج عن عملية انتقاء النظام الانتخابي تبعات لم تكن في الحسبان لحظة اختيارها. لذلك فقد لا تكون الخيارات المتخذة هي الأفضل لصحة الحياة السياسية على المدى الطويل، وقد ينتج عنها أحياناً تبعات قد تكون كارثية بالنسبة للعملية الديمقراطية في البلد المعني.

 

وعليه، فإن الخلفية وراء انتقاء النظام الانتخابي قد تكون بنفس أهمية الخيار المعتمد ذاته. فعملية انتقاء النظام الانتخابي هي مسألة سياسية بالدرجة الأولى، وليست مسألة فنية يمكن لمجموعة من الخبراء المستقلين معالجتها. غالباً ما تكون المصالح السياسية في صلب الاعتبارات، إن لم تكن الاعتبار الوحيد، التي يتم الأخذ بها في عملية انتقاء النظام الانتخابي من بين الخيارات المتوفرة والتي، لذلك السبب بالذات، عادةً ما تنحصر في عدد قليل من الخيارات. وبنفس الوقت، تؤدي الحسابات السياسية قصيرة المدى إلى التعتيم على النتائج طويلة الأمد للأنظمة الانتخابية، وذلك على حساب المصالح الأكبر للنظام السياسي العام. وبالتالي، وعلى الرغم من الصعوبات الهائلة، يهدف هذا الجزء إلى معالجة مسألة النظم الانتخابية وانتقائها بأوسع ما يمكن من العمومية والشمولية.

 

طالما أن عملية تنظيم المؤسسات السياسية تعتبر مسألة أساسية، ليس بالنسبة للديمقراطيات الناشئة فحسب إنما كذلك بالنسبة للديمقراطيات الراسخة والتي تعنى بمواءمة أنظمتها ومؤسساتها لتتماشى بشكل أفضل مع الواقع السياسي المتغير، يعمل هذا الموضوع على مخاطبة القائمين على تصميم نظمهم الانتخابية أو إعادة تصميمها في الديمقراطيات الراسخة، بالإضافة إلى مخاطبة القائمين على تصميم تلك النظم في الديمقراطيات الناشئة والانتقالية كذلك. ونظراً لاتساع نطاق الجمهور المعني، فلقد تم تبسيط معظم الأدبيات الأكاديمية حول الموضوع، دون التخلي عن معالجة أكثر الأوجه تعقيداً في هذا المجال. وعليه ففي محاولة تحقيق التوازن بين الوضوح والشمولية تكمن الإجابة على ما قد يواجه القارئ في هذا الجزء، حيث قد يبدو بالغ التبسيط في بعض المواقع بينما يأتي فجأةً شديد التعقيد في مواقع أخرى.

 

في الوقت الذي قد تختلف فيه الظروف المحيطة بعملية الاختيار بين كل من الديمراطيات الناشئة وتلك الراسخة، إلا أن أهدافها عادةً ما تكون واحدة على المدى الطويل، وهي: اعتماد مؤسسات على قدر كافٍ من القوة للدفع باتجاه نظام ديمقراطي يتمتع بالاستقرار، على أن تتمتع تلك المؤسسات بنفس الوقت بقدر كافٍ من المرونة للتعامل مع المتغيرات. ويمكن لكلا النوعين من الديمقراطيات الاستفادة من تجارب الديمقراطيات الأخرى. وبما أن عملية تنظيم وبناء المؤسسات في تطور مستمر، يعمل هذا الجزء من الموسوعة على تقديم العبر والدروس الناتجة عن كثير من الأمثلة الواقعية فيما يتعلق بهذه العملية حول العالم.

 

تمت كثير من عمليات تصميم وبناء الأنظمة الدستورية في حقب قريبة نسبياً: إذ حفزت الحركات الدافعة باتجاه الديمقراطية في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي باتجاه البحث عن أشكال أكثر استقراراً وملائمة للمؤسسات التمثيلية، بما في ذلك تقييم جديد للأنظمة الانتخابية. ولقد شجع على ذلك الإدراك المتزايد لحقيقة مفادها أن للخيارات الممارسة فيما يتعلق بتنظيم المؤسسات السياسية تأثير كبير على النظام السياسي العام. وعلى سبيل المثال هناك إدراك متعاظم لإمكانية تصميم النظم الانتخابية بشكل يوفر التمثيل الجغرافي ويحفز على تحقيق النسبية في التمثيل في آن واحد؛ وبما يشجع قيام الأحزاب السياسية الفاعلة على المستوى الوطني، وبنفس الوقت توفير المزيد من الفرص لتمثيل المرأة والأقليات المحلية؛ وإمكانية استخدام النظام الانتخابي لتحقيق التعاون والتوافق في المجتمعات التي يسودها الانقسام من خلال اعتماد وسائل مبتكرة واستخدامها كمحفزات وكضوابط في نفس الوقت. لذلك ينظر للأنظمة الانتخابية اليوم على أن لها تأثير حاسم في بناء النظام السياسي، بالإضافة إلى أهميتها البالغة في كل ما يتعلق بقضايا إدارة الحكم على نطاق أوسع.

المبـادئ الرئيـسـية للنظـم الانتـخابيـة

عندما يقع الخيار على واحد من النظم الانتخابية فهناك العديد من المسائل التي قد يطلب من ذلك النظام تحقيقها أو على الأقل الإسهام بقيامها، كالحكومات المتمكنة والقوية، أو التحالفات المتماسكة أو الأحزاب الفاعلة، على سبيل المثال لا الحصر. وقد تختلف هذه الأهداف ويختلف ترتيبها حسب أولويات كل فئة من الشركاء في العملية الانتخابية.

 

بالإضافة إلى ذلك، هناك مجموعة من المبادئ الرئيسية التي يمكن لعملية تصميم النظام الانتخابي واعتماده أن تهتدي بها، ومن أهمها ما يلي:

 

التمثيل

 

تتمثل المهمة الرئيسية للنظام الانتخابي في ترجمة أصوات الناخبين إلى مقاعد تمثيلية منتخبة، أي ترجمة الرغبات التي يعبر عنها الناخبون إلى أفراد يمثلون تلك الرغبات. وهناك الكثر من وجهات النظر حول تعريف مسألة التمثيل العادل المستندة إلى معايير مختلفة، كالتمثيل الجغرافي، أو الوصفي، أو الأيديولوجي أو الحزبي-السياسي. ولكن، وبغض النظر عن الاعتبارات التي يؤخذ بها في كل بلد، يبقى مبدأ التمثيل من المبادئ الرئيسية التي يجب أن تتم عملية تصميم النظام الانتخابي الملائم لكل حالة في ظلها.

 

الشفافية

 

من الضروري أن تتمتع إجراءات وتفاصيل النظام الانتخابي بأعلى مقدار من الشفافية، بحيث تكون واضحة كل الوضوح لكل من الناخبين، والأحزاب السياسية والمرشحين منذ البداية، وذلك للحؤول دون وقوع أي ارتباك أو انعدام للثقة في النتائج الناجمة عن النظام في الانتخابات. بالإضافة إلى ذلك، فإن الشفافية في عملية تصميم واختيار النظام الانتخابي ضرورية ومفيدة لذات الأسباب المذكرو هنا. فعندما يتمكن كافة الشركاء من تقديم وجهات نظرهم وأفكارهم بوضوح ودون معوقات أثناء عملية إصلاح النظام الانتخابي أو مراجعته أو اعتماده، فإن ذلك يسهم في إضفاء مزيد من الشرعية على النظام الانتخابي والعملية الانتخابية برمتها.

 

الشمولية

 

يتمتع النظام الانتخابي بفرص أكبر لاعتباره كنظام عادل وشرعي كلما نظر إليه على أنه يعمل بطريقة شمولية لا تستثني أحداً. ولا يقتصر القصد من ذلك على أن يفسح النظام أو القانون الانتخابي المجال لأكبر عدد ممكن من المواطنين للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات (بحيث يسمح لكافة الفئات بالمشاركة في الانتخابات، ويحقق فهماً يسيراً لتفاصيله من قبل الجميع ويوفر لهم سبل الوصول إلى مراكز الاقتراع)، بل يمتد ليشمل ضرورة أن لا يعمل النظام الانتخابي على استثناء أو تمييز أية فئة أو مجموعة في المجتمع، كالأقليات وغيرها. من ناحية أخرى، فكلما كانت عملية تصميم واختيار النظام الانتخابي أكثر شمولية، كلما زادت شرعيته وكلما شعر الجميع بأنه ملك لهم، حيث أن ذلك يمكن المزيد من الشركاء والمعنيين من تقديم اقتراحاتهم والمشاركة في عملية البحث عن أكثر النظم الانتخابية ملاءمة لواقع مجتمعاتهم.

الإطـار العـام للنظـم الانتـخابيـة

أهمية النظم الانتخابية

 

تعمل المؤسسات السياسية على صياغة قواعد اللعبة التي تتم ممارسة الديمقراطية بموجبها، ويمكن القول بأن النظام الانتخابي هو إحدى تلك المؤسسات السياسية التي يسهل التلاعب بها، إن إيجاباً أو سلباً. فمن خلال ترجمة الأصوات إلى مقاعد في الهيئة التشريعية، يمكن للخيار الممارس في اختيار النظام الانتخابي أن يحدد من هم المنتخبون وأي الأحزاب يحصل على السلطة. وبينما يتم تحديد الكثير من الأطر السياسية لبلد ما في دستورها مما يزيد في صعوبة تعديلها، غالباً ما يسهل تعديل النظام الانتخابي من خلال العمل على وضع قوانين جديدة فقط دون الحاجة لتعديل دستوري، الأمر الذي يجعل من السهل على الأغلبية التلاعب به.

 

وحتى في تلك الحالات التي يعطى فيها لكل ناخب صوت واحد، وعندما يؤدي ذلك إلى حصول كافة الأحزاب على نفس العدد من الأصوات، يمكن لنظام انتخابي ما أن يفضي إلى تشكيل حكومة ائتلافية أو حكومة أقلية، بينما يفضي نظام آخر إلى تمكين حزب واحد من الانفراد بالسلطة.

 

النظم الانتخابية ونظم الأحزاب السياسية

 

تمتد تأثيرات النظم الانتخابية إلى أبعد مما تم التطرق إليه من تبعات أولية. حيث تشجع بعض النظم الانتخابية، أو حتى أنها تلزم، قيام الأحزاب السياسية؛ بينما تعمل نظم أخرى من خلال المرشحين الأفراد فقط. وتتأثر طبيعة النظم الخاصة بالأحزاب السياسية التي يتم تطويرها إلى حد كبير بالنظام الانتخابي، وخاصةً فيما يتعلق بعدد الأحزاب السياسية الفاعلة في الهيئة التشريعية وأحجامها. وكذلك الأمر بالنسبة للتماسك والانضباط الداخليين ضمن الأحزاب: إذ تساعد بعض النظم الانتخابية على ظهور التيارات المتباينة ضمن الحزب الواحد حيث تتصارع أجنحته المختلفة فيما بينها باستمرار، بينما تدفع نظم أخرى نحو توحيد كلمتهم ونبذ الانشقاقات الداخلية. ويمكن للنظم الانتخابية التأثير في كيفية قيام الأحزاب السياسية بحملاتها الانتخابية، وفي سلوكيات القيادات السياسية، بما يسهم في تحديد ما يكون عليه الجو السياسي العام؛ وقد تدفع هذه النظم بالأحزاب السياسية نحو تشكيل التحالفات فيما بينها أو، على العكس من ذلك، أن تتبتعد عن تلك الممارسة؛ وقد توفر النظم الانتخابية محفزات للأحزاب السياسية لتوسيع قاعدتها الشعبية على أوسع نطاق ممكن، أو لحصرها في أطر ضيقة ضمن نطاق القبيلة أو صلة القرابة.

 

النظم الانتخابية وإدارة الصراعات

 

تؤكد الانعكاسات المبينة أعلاه الدور الهام الذي تضطلع به النظم الانتخابية فيما يتعلق بإدارة الصراعات. فمن الواضح بأن النظم الانتخابية المختلفة من شأنها أن تفاقم من حدة التوتر والصراع في مجتمع ما أو أن تسهم في تهدئته. فعلى المستوى الأول، هناك نزاع بين النظم التي ترتكز إلى إشراك الأقليات وتلك التي تدفع باتجاه تمكين الحزب الواحد من السيطرة على الحكم. وعلى المستوى الآخر، فإذا لم ينظر للنظام الانتخابي على أنه نظام عادل وأن الإطار القانوني القائم قد يمكن المعارضة من الفوز في الانتخابات القادمة، فقد يرى الخاسرون أنفسهم مجبرين على العمل خارج النظام، بما في ذلك اللجوء إلى وسائل غير ديمقراطية، وصدامية أو عنيفة حتى. أخيراً، ولكون النظام الانتخابي يحدد صعوبة أو سهولة عملية الاقتراع، فهو ينعكس بالضرورة على الأقليات والمجموعات المهمشة. وهذا أمر بالغ الأهمية، إلا أن أهميته تتعاظم في المجتمعات التي تكثر فيها أعداد الأميين.

 

المؤثرات السيكولوجية والميكانيكية للنظم الانتخابية

 

للنظم الانتخابية بشكل عام مؤثراتها الميكانيكية والسيكولوجية. أما الميكانيكية منها فيمكن ملاحظتها من خلال النظم الحزبية المختلفة التي تدفع للعمل بها مختلف النظم الانتخابية. فعادةً ما تميل نظم التعددية/الأغلبية إلى وضع القيود على تزايد عدد الأحزاب السياسية، بينما تميل نظم النسبية إلى فتح المجال أمام تنوع أكبر للأحزاب السياسية على الساحة. وأما التأثيرات السيكولوجية للنظم الانتخابية فتعمل بدورها على تدعيم المؤثرات الميكانيكية: ففي نظام الفائز الأول على سبيل المثال يواجه الناخبون الراغبون بتأييد الأحزاب الصغيرة معظلة في كيفية تفادي ضياع أصواتهم هباء، إذ لا يمكن انتخاب أكثر من ممثل واحد عن كل دائرة انتخابية. وعادةً ما ينتج عن ذلك عدم تعبير الناخبين عن خيارهم الحقيقي والتوجه لدعم مرشح آخر (غالباً ما يتبع إحدى الأحزاب الكبيرة) يعتقدون بأن حظوظه في الفوز أوفر من غيره. والناتج النهائي لذلك يتمثل في تقوية الأحزاب الكبيرة على حساب الصغيرة. مقابل ذلك، فإن نظم النسبية أو تلك التي تتيح للناخب التعبير عن عدة خيارات، تسهم في تمكينه من الاقتراع للأحزاب الصغيرة، مما يخفف من وطأة الاضطرار لممارسة ما يعرف "بالاقتراع الاستراتيجي".

 

أهمية السياق المحيط بالنظم الانتخابية

 

من الضروري بمكان الأخذ بالحسبان بأن أي نظام انتخابي لن يعمل بنفس الطريقة في بلدان مختلفة. فعلى الرغم من وجود بعض التجارب المتماثلة في أنحاء مختلفة من العالم، إلا أن نتائج أي نوع من النظم الانتخابية تعتمد إلى حد كبير على السياق الاجتماعي والسياسي حيث يتم تطبيقها. وعلى سبيل المثال، فبالرغم من وجود توافق عام حول حقيقة مفادها أن نظم التعددية/الأغلبية تميل إلى تحديد ألوان الطيف السياسي الممثلة في السلطة التشريعية بينما تشجع على تعددها النظم النسبية، إلا أن الاعتقاد السائد بأن نظم التعددية/الأغلبية تفضي إلى ارتكاز النظام السياسي على وجود حزبين اثنين بينما تفضي النظم النسبية إلى قيامه على أساس من التعددية الحزبية، يبدو مهجوراً أكثر فأكثر. فنظام الفائز الأول لم يسهم مؤخراً في تكتل مجموعات الأحزاب السياسية ضمن أحزاب كبيرة في بعض الديمقراطيات الراسخة مثل كندا والهند، كما وأنه لم يؤدي إلى قيام أحزاب سياسية متماسكة في بابوا غينيا الجديدة. في نفس الوقت، فلقد نتج عن النظام النسبي سيطرة الحزب الواحد في ناميبيا وجنوب أفريقيا وأماكن أخرى. وبشكل عام فإن النتائج المترتبة على اختيار النظام الانتخابي تعتمد على عوامل متفرقة، مثل تركيبة المجتمع الأيديولوجية، والدينية، والعرقية، والقبلية، والمناطقية، واللغوية والطبقية؛ أو ما إذا كان البلد المعني يتمتع بديمقراطية راسخة أم ناشئة؛ أو إذا ما توفر في البلد نظام حزبي متماسك أم أن أحزابه ما زالت في بداية تكوينها، وما هو عدد الأحزاب "الجادة" فيه؛ أو إذا ما كان مؤيدو حزب ما متمركزين جغرافياً في جزء محدد من البلاد أم أنهم موزعون على مناطق واسعة.

 

الإطار الديمقراطي

 

من الضروري عدم التعامل مع النظم الانتخابية بشكل منعزل، حيث أن لتصميمها ولنتائجها ارتباطاً قوياً بالنظم الأخرى، سواء كانت ضمن الدستور أو خارجه. فالنظم الانتخابية عبارة عن حلقة واحدة ضمن سلسة متراصة تتعلق بنظم الحكم، وقواعد الوصول إلى السلطة ومداخلها. لذا يجب أن يقوم التصميم الناجح للنظم الانتخابية على النظر إلى الإطار المؤسسي والسياسي ككل: فأي تغيير في أي جزء من هذا الإطار العام من شأنه أن يؤدي إلى تعديلات وتسويات في طريقة عمل باقي المؤسسات داخله.

 

وعلى سبيل المثال، كيف يمكن للنظام الانتخابي المعتمد الإسهام في حل النزاعات بين قادة الأحزاب السياسية والناشطين السياسيين على أرض الواقع؟ وما هو مدى سيطرة أولئك القادة على ممثلي أحزابهم المنتخبين؟ وهل توجد هناك ضوابط دستورية لتنظيم الاستفتاءات ووسائل المشاركة الديمقراطية المباشرة الأخرى والتي تكمل عمل المؤسسات الديمقراطية التمثيلية؟ وهل يتطرق الدستور إلى تحديد معالم النظام الانتخابي، كمواد ملحقة بالدستور أو كقوانين عادية؟ وهذا كله سيحدد إلى أي مدى يعتبر النظام الانتخابي محصناً أو إلى أي مدى يبقى عرضةً للتغيير من قبل الأغلبية المنتخبة.

 

هناك مسألتين من هذا القبيل يجدر بنا معالجتهما بتفصيل أكبر. الأولى تتعلق بمدى مركزية النظام. فهل البلد المعني بلد فيدرالي أم موحد، وإذا كان فيدرالياً، فهل تتمتع المقاطعات/الألوية المختلفة بذات القدر من القوة والاستقلال أم لا؟ والثانية تخص الخيار القائم بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي. ولكلا النظامين مؤيديهما، ويتأثر الخيار بينهما بالميراث السياسي لكل بلد؛ إلا أن الطبيعة المختلفة للعلاقة بين كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية في كلا النظامين لها تأثير مباشر على مسألة تصميم النظام الانتخابي في كلتا الحالتين. والجدل القائم عادةً حول الانتخاب المباشر لرؤساء البلديات أو السلطة التنفيذية على المستوى المحلي يعكس كلا الأمرين.

 

في غالبية البلدان الفيدرالية التي تعتمد نظام الغرفتين في هيئتها التشريعية، يتم انتخاب الأعضاء في كلا المجلسين بطرق مختلفة. وهذا أمر منطقي لسببين اثنين على علاقة بالمفهوم الأساسي للفيدرالية. السبب الأول يتمثل في أن مهمة المجلس الثاني (الشيوخ) للسلطة التشريعية تنحصر في تمثيل المقاطعات/الألوية التي يتشكل منها البلد الفيدرالي، وعادةً ما يخصص لكل منها عدد مماثل من الممثلين، بغض النظر عن حجمها الجغرافي أو الديمغرافي (كمجلس الشيوخ الأمريكي على سبيل المثال، أو المجلس الوطني للمحافظات في جنوب أفريقيا).

 

أما السبب الثاني فيعود إلى انعدام الفائدة من وجود مجلسين إن لم يكن لكل منهما أدوار مختلفة وحتى مجالات سلطة مختلفة، وفي حال استخدام ذات النظام الانتخابي لكليهما، فستكون النتيجة على الأرجح تكرار ذات النتائج الانتخابية في تركيبة كليهما، وبالتالي إفراز ذات الأغلبية البرلمانية في كل من المجلسين، خاصةً إذا ما تم إجراء الانتخابات لكلا المجلسين بشكل متزامن. ويوفر انتخاب المجلس الثاني (مجلس الشيوخ) فرصة لإدخال بعض الحلول الخلاقة بهدف تمكين بعض المجموعات من الحصول على تمثيل لها فيه، بينما يصعب عليها أن تتمثل في المجلس الأول (النواب). ولكن عندما تجرى الانتخابات على ثلاثة مستويات مختلفة أو أكثر، كالانتخابات للمجلس الأول، وللمجلس الثاني وكذلك لانتخاب الإدارات المحلية، فمن الضروري الأخذ بالنظم الانتخابية المستخدمة لكل منها مجتمعة. فقد يمكن ذلك على سبيل المثال الدفع باتجاه رفع مستوى تمثيل الأقليات على المستوى المحلي، في الوقت الذي يحد منه أو يمنعه على المستوى الوطني، أما إذا ما كان ذلك أمراً مرغوب فيه فهي مسألة تخضع للجدل والخيارات السياسية في كل حالة.

 

إلى ما قبل سنوات قليلة لم تكثر الأمثلة لديمقراطيات تعتمد النظام الرئاسي بشكل مستدام. إلا أن الالتزام بهذا النظام في بعض المناطق، مثل أمريكا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا، يحتم علينا طرح التساؤل التالي: ما هي الميزات المتعلقة بتصميم النظم الانتخابية والتي من شأنها الإسهام في اعتماد النظام الرئاسي وعمله بشكل سليم؟ وتظهر لنا التجربة في أمريكا اللاتينية على سبيل المثال ضعفاً في استقرار النظام السياسي في البلدان التي اعتمدت دساتيرها النظام الرئاسي، في الوقت الذي تتسم ساحتها السياسية بهشاشة النظام الحزبي وتشتته، بالإضافة إلى وجود توتر دائم بين سلطاتها التنفيذية والتشريعية المنقسمة، في الوقت الذي يقوم فيه انتحاب الرئيس على نظام الجولتين، وانتخاب السلطة التشريعية على نظام القائمة النسبية وتجرى الانتخابات في مواعيد مختلفة لكلتا السلطتين. وعلى أية حال، فقد يساعد على التخفيف من ذلك اعتماد نظام انتخابي يمكن أن ينتج عنه حصول الحزب أو التكتل الداعم للرئيس المنتخب على أغلبية مريحة، دون الحصول على أغلبية مطلقة بالضرورة، في الهيئة التشريعية.

 

عادةً ما ينظر إلى اعتماد نظام التعددية/الأغلبية في انتخاب الرئيس وإجرائها متزامنة مع الانتخابات التشريعية كعامل مساعد لحصر النظام الحزبي ضمن عدد أقل من الخيارات الحزبية القادرة على الاستمرار وطرح البدائل. ولكن، يمكن لأخطار كبيرة أن تتمخض عن الجمع بين السلطات الكبيرة التي يتمتع بها الرئيس المنتخب انتخاباً مباشراً كرأس للسلطة التنفيذية، واستخدام نظام التعددية/الأغلبية في بلد منقسم قبلياً أو عرقياً، حيث لا تتمتع أية فئة بالأغلبية المطلقة. وقد تكون النتائج كارثية بالنسبة لمستوى الشرعية أو لنجاح أية عملية مصالحة. ويمكن للنظام الانتخابي الخاص بانتخاب الرئيس أن يأتي مكملاً للنظام الفيدرالي إذا ما اقتضى على المرشح الفائز ضرورة الفوز بنسبة هامة من الأصوات في حد أدنى من المقاطعات/الألوية التابعة للبلد، بالإضافة إلى فوزه بأكبر عدد من الأصوات على المستوى الوطني العام.

المسـاهمـون فـي إعـداد نصـوص النظـم الانتـخابيـة

تستند النصوص الواردة في هذه الموسوعة حول النظم الانتخابية بشكل أساسي إلى ما ورد في دليل المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات حول أشكال النظم الانتخابية، الصادر بنسخته الجديدة والمنقحة سنة 2005، والذي تم وضعه من قبل مجموعة من المؤلفين هم: أندرو رينولدز، بن ريلي وأندرو إيليس، بالاشتراك مع خوسيه أنطونيو شيبوب، كارين كوكس، دونغ ليشنغ، يورغن إلكليت، مايكل غالاغر، ألين هيكن، كارلوس هونيوس، أوجين هاسكي، ستينا لارسرود، فيجاي باتيدار، نيجل روبرتس، ريتشارد بينغروف وجيفري ويلدون. كما وتستند هذه النصوص وتعمل على تطوير مضمون المادة الواردة في النسخة القديمة من مشروع أيس.

 

قامت ستينا لارسرود العاملة في برنامج العمليات الانتخابية التابع للمؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات بدور المعد الرئيسي لنصوص هذا الموضوع من الموسوعة. ولقد بدأت السيدة لارسرود العمل لصالح المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات سنة 2003، وهي تحمل شهادة الماجستير في العلوم السياسية المقارنة من جامعة أوبسالا في السويد، وتعمل كعضو في إحدى لجان الاقتراع في الانتخابات السويدية.

 

ولقد قام كل من ماري هوهو كريستنسين، ليندا إيدبيرغ، تيريسا بيرس لانيلا، أنطونيو سبينيللي وسارا ستينو بمساعدة المعد الرئيسي في وضع وتنقيح النصوص الواردة حول النظم الانتخابية في هذه الموسوعة.

مكـونـات التـصـميـم

بعد اتخاذ القرارات المتعلقة بأهم الأهداف التي يراد تحقيقها من خلال النظام الانتخابي الجديد، وما يراد تفاديه، يمكن اللجوء إلى استخدام مجموعة من الوسائل الخاصة بتصميم النظام الانتخابي والتي تساعد على تحقيق تلك الأهداف. ومن تلك الوسائل ما يتعلق بكل من المسائل التالية:

 

  • عائلات النظم الانتخابية وأنواعها،

  • حجم الدوائر الانتخابية،

  •  تناسب الأدوار بين الأحزاب السياسية والمرشحين،

  •  شكل ورقة الاقتراع،

  •  الضوابط الخاصة بترسيم الدوائر الانتخابية،

  •  الطرق المعتمدة لتسجيل الناخبين،

  •  مواعيد العمليات الانتخابية وتزامنها،

  •  مسائل تتعلق بالحصص (الكوتا) وغيرها.

 

وتتفاعل هذه الوسائل فيما بينها بشكل مختلف استناداً إلى التركيبات المختلفة التي يتم تنظيمها من خلالها. أما استخدام كل منها فيعتمد على الإحصائيات المتوفرة أو التي يمكن أن تتوفر في كل مجتمع، كأعداد المواطنين، وتوزيعهم الجغرافي والتركيبة الاجتماعية التي يتوزعون عليها. وتعتمد مؤثرات هذه الوسائل كذلك على وسائل أخرى تتعلق بالأطر المؤسساتية، كالخيار بين النظام البرلماني والرئاسي، أو متطلبات تسجيل وإدارة الأحزاب السياسية، أو طبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية والأعضاء المنتخبين، أو الدور المسند في النظام إلى ما يعرف بوسائل الديمقراطية المباشرة (الاستفتاء، والمبادرات الشعبية، واستفتاء سحب الثقة أو تأكيدها). أخيراً يجدر بنا التأكيد على عدم وجود "حل أمثل" واحد ودائم يمكن اللجوء إليه أو فرضه في الفراغ ودون الأخذ بالحسبان الظروف والحيثيات المحيطة بكل حالة.

معـاييـر تـصميـم النظـم الانتـخابيـة

للعمل على تصميم النظام الانتخابي، يفضل الانطلاق من وضع قائمة من المعايير لتلخيص ما يراد تحقيقه، وما يراد تفاديه، والشكل الذي يراد لكل من السلطتين التشريعية والنفيذية أن تكونا عليه بشكل عام. وتغطي قائمة المعايير المدرجة هنا كثيراً من القضايا، إلا أنها ليست شاملة حيث يمكن للقارئ إضافة معايير أخرى قد لا تقل أهمية عما ورد هنا. وقد نجد أن بعض المعايير المطروحة تتقاطع مع بعضها البعض وقد تبدو متناقضة فيما بينها، وذلك يعود لكونها متناقضة في حقيقة الأمر: حيث أن المقايضة بين مجموعة من الرغبات والأهداف المتضاربة عادةً ما تدخل في صلب أية عملية من هذا القبيل. وتركز المادة الواردة في هذا الباب على معايير النظم وليس عملية التصميم بحد ذاتها، والتي يتم التطرق لها بعمق أكبر في الجزء الخاص بعملية التغيير وكذلك النصائح حول تصميم النظم.

 

فعلى سبيل المثال، قد يطمح البعض إلى تمكين المرشحين المستقلين من الانتخاب، في الوقت الذي يصبو فيه إلى الدفع باتجاه قيام أحزاب سياسية قوية. أو قد يرى البعض الآخر حكمة في تصميم نظام يفسح المجال أمام الناخبين لخيارات أوسع بين المرشحين والأحزاب، إلا أن ذلك قد يؤدي إلى زيادة في تعقيد ورقة الاقتراع والتي تشكل صعوبة زائدة في التعامل معها من قبل الناخبين ذوي المستوى الثقافي المحدود. وعليه فإن الأساس في تصميم النظام الانتخابي أو تعديله يقوم على تصنيف المعايير والأهداف في قائمة أولويات، حسب أهمية كل منها، والبحث بعد ذلك عن النظام أو التركيبة التي تمكننا من تحقيق أكبر قدر من تلك المعايير والأهداف.

تحقيق مستويات التمثيل

يمكن للتمثيل أن يأخذ أربعة أشكال على الأقل.

 

الأول، التمثيل الجغرافي ويعني حصول كل منطقة، سواء كانت بلدة أو مدينة، أو محافظة أو دائرة انتخابية، على ممثلين لها في الهيئة التشريعية، يتم انتخابهم من قبل تلك المنطقة ويكونوا مسؤولين في نهاية المطاف أمامها.

 

الثاني، التوزيع الأيديولوجي لمجتمع ما والذي قد يتمثل في الهيئة التشريعية، من خلال ممثلين عن الأحزاب السياسية أو مستقلين أو خليط منهما.

 

الثالث، ويتمثل فيي انعكاس الواقع الحزبي-السياسي القائم في بلد ما داخل تركيبة هيئته التشريعية ، حتى وإن لم تقم الأحزاب السياسية على أساس أيديولوجي. فلو اقترع نصف الناخبين لحزب ما ولم يؤدي ذلك إلى فوز ممثلين عنه، أو إلى فوز أعداد ضئيلة منهم، لا يمكن اعتبار ذلك النظام الانتخابي على أنه يمثل الإرادة العامة للناخبين.

 

الرابع، ويخص ما يعرف بالتمثيل الوصفي أو التصويري، حيث يجب أن تقوم تركيبة الهيئة التشريعية على شاكلة التركيبة الكلية لأمة ما، كمرآة لها تعكس ذات الشكل، تشعر وتفكر وتفعل بطرق تنطبق مع ما يشعر ويفكر ويعمل به عامة الشعب. فتركيبة البرلمان التصويري يجب أن تحتوي على ممثلين من كلا الجنسين (رجالاً ونساء)، ومن كافة الأعمار (كهلة وشباب)، وأغنياء وفقراء، وأن تعكس التوزيع الديني واللغوي والعرقي أو القبلي للمجتمع.

جعـل الانـتخـابـات فـي متنـاول الجـميـع وذات مـعنـى

الانتخابات أياً كانت جيدة وإيجابية، إلا انها قد تعني القليل للناخبين إذا تعذرت عليهم المشاركة أو إذا ما شعروا بأن لا قيمة لأصواتهم في التأثير في طريقة إدارة الشأن العام في بلدهم. وسهولة الاقتراع تستند إلى عوامل مختلفة مثل بساطة ورقة الاقتراع ومدى وضوحها، وسهولة الوصول إلى أماكن الاقتراع، ودقة جداول الناخبين وحداثتها، ومدى قناعة الناخب بسرية الاقتراع.

 

ترتفع مستويات المشاركة في الانتخابات عندما يتمخض عن نتائج الانتخابات، سواء على المستوى العام أو المحلي، تأثير فعلي في إدارة الحكم. فلو علم الناخب مسبقاً بأن لا حضوض لمرشحه المفضل بالفوز فما الذي سيحفزه على المشاركة؟ وفي بعض النظم الانتخابية قد يمثل عدد الأصوات المهدورة أو الضائعة هباءً (وهي الأصوات الصحيحة التي لا تفضي إلى فوز أي مرشح، على العكس من الأصوات الباطلة أو غير الصحيحة والتي لا يتم احتسابها أصلاً) نسبةً هامة من مجموع الأصوات على المستوى الوطني.

 

أخيراً، فقد تسهم السلطة الفعلية التي تمارسها الهيئة التي يتم انتخابها على أرض الواقع في إضفاء مزيد من الاعتبار والأهمية على العملية الانتخابية بحد ذاتها. فالانتحابات الجوفاء التي يتم تنظيمها من قبل الأنظمة الديكتاتورية والتي لا تمنح الناخب أي خيار حقيقي، وحيث لا تمارس السلطة التشريعية المنتخبة أي تأثير في تشكيل الحكومة (السلطة التنفيذية) ولا في قراراتها، أقل أهمية وجذباً بكثير من تلك التي تنتظم في بلدان تلعب فيها سلطتها التشريعية المنتخبة دوراً أساسياً في كل ما يتعلق بالقضايا الرئيسية لحياة المواطن اليومية.

 

وحتى في الأنظمة الديمقراطية، يؤثر اختيار النظم الانتخابية في شرعية المؤسسات المنتخبة. وعلى سبيل المثال، اعتادت أستراليا انتخاب مجلس الشيوخ فيها بين الأعوام 1919 و 1946 على أساس نظام انتخابي اتسم إلى حد كبير بالإخلال بنسبية التمثيل (نظام الصوت البديل في دوائر انتخابية متعددة التمثيل)، مما أدى إلى نتائج ملتوية وغير تمثيلية. وأدى ذلك إلى فقدان المجلس لشرعيته في نظر الناخبين والسياسيين، بالإضافة إلى تقويض الموقف العام الداعم لمؤسسات الحكم الفيدرالية عامة برأي بعض المراقبين. ولكن، وبعد تعديل النظام الانتخابي إلى نظام أكثر عدلاً (نظام الصوت الواحد المتحول) في العام 1948 بدأ الجميع ينظر إلى مجلس الشيوخ على أنه ذو مصداقية أكبر وتمثيل أقرب إلى الواقع، مما أدى تدريجياً إلى رفع مستويات الاحترام له ولأهميته في صنع القرارات.

تـوفيـر المحفـزات لتـحقيـق المصـالحـة

بالإضافة إلى كونها الوسيلة التي يتم من خلالها انتخاب مؤسسات الحكم، يمكن اعتبار النظم الانتخابية كأداة لإدارة الصراعات الدائرة في مجتمع ما. فقد تدفع بعض النظم الانتخابية، في ظروف معينة، الأحزاب السياسية إلى التوجه نحو قواعد أوسع من المؤيدين خارج نطاق الإطار الأضيق لمؤيديهم الاعتياديين. وللمثال على ذلك، فقد يحفز نظام انتخابي معين حزباً سياسياً ما على العمل لكسب تأييد الناخبين البيض أو غيرهم، حتى ولوكانت قاعدته الأساسية ترتكز إلى مؤيديه من الناخبين السود. وبهذه الطريقة يصبح برنامج ذلك الحزب أكثر شمولية وأقل فئويةً أو استثنائيةً. ويمكن لمحفزات أخرى للنظم الانتخابية أن تحد من تقوقع الأحزاب السياسية ضمن أطر قبلية، أو عرقية، أو محلية، أو لغوية أو أيديولوجية. ويشمل هذا الجزء من الموسوعة في مواقع مختلفة منه أمثلة حول كيفية عمل النظم الانتخابية كأداة لإداراة الصراعات.

 

وعلى الجانب الآخر من المعادلة، يمكن للنظم الانتخابية أن تحدو بالناخبين إلى الخروج من دوائر التأييد التقليدية التي اعتادوا عليها والتفكير في الاقتراع لصالح أحزاب أخرى تعتبر أنها تمثل مجموعات وفئات أخرى غير تلك التي ينتمون إليها، مما يولد مزيداً من التعايش والتوافق. وكذلك الأمر بالنسبة للنظم الانتخابية التي تعطي الناخب أكثر من صوت واحد أو تفسح له المجال لترتيب المرشحين حسب الأفضلية التي يرتأيها، فهي توفر الفرصة له لتخطي الحواجز الاجتماعية الراسخة في ذهنيته. ففي الانتخابات التي أعقبت الاتفاق المعروف باتفاق الجمعة الفضيلة في أيرلندا الشمالية في العام 1998، استفادت القوى السياسية السلمية المؤيدة للاتفاق من تحويل الأصوات الناتج عن استخدام نظام الصوت الواحد المتحول، في نفس الوقت الذي نتج عنه تمثيل نسبي واسع لكافة المشاركين. لكن التحول الحاصل في الخيار الأول للأصوات نحو أحزاب أكثر تشدداً في انتخابات العام 2003 أظهر تراجعاً لتلك النتائج الإيجابية للانتخابات السابقة

تـمكيـن الحـكومـات مـن التـمتـع بالاسـتقـرار والكفـاءة

لا يمكن القول بأن النظام الانتخابي وحده يضمن استقرار الحكومات وعملها بكفائة، إلا أن نتائجه تسهم، بما لا يدع مجالاً للشك، في تحقيق الاستقرار في أوجه عدة.

 

أما أهم المسائل المتعلقة بذلك فهي:

  • هل يعتبر الناخبون النظام عادلاً،

  • هل تستطيع الحكومة تنفيذ القانون وإدارة الحكم بكفائة،

  • هل يفيد النظام لتفادي التمييز ضد أحزاب أو مجموعات محددة.

 

تختلف الانطباعات حول عدالة النتائج الانتخابية كثيراً من بلد إلى آخر. ففي بريطانيا مثلاً كانت نتيجة الانتخابات في عمليتين انتخابيتين (سنة 1951 وسنة 1974) أن حصل الحزب الفائز بأكبر عدد من الأصوات على المستوى الوطني على عدد أقل من مقاعد البرلمان من أنداده من الأحزاب، إلا أن ذلك اعتبر أنه كبوة لنظام انتخابي جيد (نظام الفائز الأول) وليس عيباً في عدالته يستدعي التغيير. وعلى العكس من ذلك، فلقد أعتبرت نتائج الانتخابات في نيوزيلندا في انتخابات العامين 1978 و1981، حيث حافظ الحزب الوطني الحاكم على مكانته في سدة الحكم على الرغم من حصوله على عدد أقل من أصوات الناخبين التي حصل عليها حزب العمال المعارض، على أنها عامل كاف لتحريك الأصوات المنادية بتغيير النظام الانتخابي، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تغييره.

 

أما ما يخص قدرة الحكومة على إصدار وتنفيذ القوانين بكفائة فيتعلق بقدرتها على تشكيل أغلبية برلمانية كافية لذلك، وهو ما يرتبط بدوره بالنظام الانتخابي. وكقاعدة عامة أولية يمكن القول بأن نظم التعددية/الأغلبية تعتبر أكثر ميولاً إلى إنتاج تركيبة للهيئة التشريعية يمكن من خلالها لحزب واحد تحقيق الأغلبية مقابل كافة أحزاب المعارضة مجتمعةً، بينما تميل النظم النسبية إلى إفراز الحكومات الائتلافية. لكن، وعلى الرغم من ذلك، يجب ألا ننسى بأن النظم النسبية قد تفضي كذلك إلى أغلبية الحزب الواحد، بينما يمكن أن ينتج عن نظم التعددية/الأغلبية عدم حصول أي حزب على تلك الأغلبية. وذلك يعتمد إلى حد كبير على تركيبة النظام الحزبي وطبيعة المجتمع ككل.

 

أخيراً، يجب أن يعمل النظام الانتخابي بشكل حيادي وبعيداً عن التفضيل أو الانحياز لأي حزب أو جماعة، إلى أبعد حد ممكن؛ حيث لا يجب أن يقع النظام في فخ التمييز ضد أية مجموعة سياسية. فالانطباع الذي قد ينتج عن ذلك، بأن السياسات الانتخابية في بلد ديمقراطي ليست متزنة، يعتبر مؤشراً على ضعف النظام السياسي ككل، وقد يعني بأن عدم الاستقرار قد أصبح قاب قوسين أو أدنى. ويمكن اعتبار انتخابات العام 1998 في ليسوتو كمثال حي على ذلك، حيث فاز حزب المؤتمر الديمقراطي بكافة مقاعد البرلمان، على الرغم من حصوله على 60 بالمئة من أصوات الناخبين فقط، من خلال نظام الفائز الأول. ولقد برهنت الاحتجاجات الشعبية التي أعقبت الانتخابات، والتي انتهت إلى تدخل عسكري من قبل قوات المجموعة الجنوب أفريقية للتنمية، على خطورة تلك النتائج فضلاً عن عدم عدالتها. ولقد أدى ذلك الحدث إلى تغيير النظام الانتخابي.

إخضـاع الحـكومـات للمسـائلـة

تعتبر المساءلة إحدى الدعائم الأساسية للحكومة التمثيلية. فغيابها من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار على المدى الطويل. ويقوم النظام السياسي المسؤول على قاعدة مسؤولية الحكومة أمام الناخبين بأكبر قدر ممكن. إذ يجب أن يتمكن الناخبون من التأثير في شكل الحكومة ومضمونها، وذلك إما من خلال تغيير الائتلافات الحزبية الحاكمة أو من خلال حجب تاييدهم عن الحزب الحاكم عندما يفشل في إدارة الحكم بشكل سليم. ويمكن للنظم الانتخابية المصممة بشكل ملائم أن تسهم في تحقيق ذلك.

 

عادةً ما يسود اعتقاد مبسط حول هذه المسألة، مفاده أن نظم التعددية/الأغلبية، مثل نظام الفائز الأول، تؤدي إلى استيلاء الحزب الواحد على السلطة، بينما ترتبط النظم النسبية بالائتلافات متعددة الأحزاب. وبينما يمكن القول بأن المنطق العام خلف هذا الاعتقاد لا يزال قائماً، هناك ما يكفي من الأمثلة القريبة لحالات تم فيها استخدام نظام الفائز الأول وأدى ذلك إلى تشكيل حكومات ائتلافية (كالهند مثلاً)، وأمثلة أخرى حول حالات استخدمت فيها نظماً نسبية أدت إلى انتخاب حكومة الحزب الواحد (كجنوب أفريقيا)، مما يثير بعض الشكوك حول فرضية أن كل نوع من النظم الانتخابية تنتج شكلاً محدداً من أشكال الحكم بالضرورة. إلا أنه من الواضح أن للنظم الانتخابية تأثير كبير على قضايا الحكم وإدارته، وذلك لكل من النظامين الرئاسي والبرلماني.

إخضـاع الممثـليـن المنتـخبيـن للمسـائلـة

تعني المساءلة على المستوى الفردي قدرة الناخبين على مراقبة أولئك الممثلين الذين لا يفون بالوعود التي قدموها أثناء الحملة الانتخابية بعد انتخابهم، أو يظهرون عجزهم وعدم كفاءتهم لتبوء المناصب التي تم انتخابهم لها وإقصائهم بشكل فعلي. وفي هذا السياق نلاحظ بأن بعض النظم الانتخابية تؤكد على دور المرشحين المؤيدين شعبياً على المستوى المحلي، بدلاً من أولئك الذين تتم تسميتهم من قبل أحزاب مركزية كبيرة.

 

ومن المتعارف عليه أن ينظر إلى نظم التعددية/الأغلبية على أنها تزيد من قدرة الناخبين على إقصاء الممثلين الأفراد الذين لا يحققون لهم الرضى. وهذا العرف ما زال صحيحاً إلى حد ما، إلا أن صحته تتزعزع في الحالات التي يتمحور فيها دعم الناخبين حول الأحزاب السياسية وليس حول المرشحين الأفراد، كما هي الحال في بريطانيا. وفي نفس الوقت، تصمم نظم القائمة الحرة أو المفتوحة ونظام الصوت الواحد المتحول بشكل يسمح للناخبين ممارسة اختيارهم بين مختلف المرشحين، وذلك على الرغم من كونها نظماً نسبية.

تحـفيـز قيـام الأحـزاب السـياسـية

لا شك في أن التجربة، في كل من الديمقراطيات الراسخة والناشئة على حد سواء، تدل على أن تعزيز النظام الديمقراطي على المدى الطويل (بمعنى إلى أي مدى يعتبر النظام الديمقراطي محصناً ضد كافة التحديات الداخلية التي قد يواجهها النظام والأمن السياسيين) يتطلب قيام واستمرارية الأحزاب السياسية الفاعلة. لذا يجب أن يحفز النظام الانتخابي على ذلك بدلاً من عرقلته وتشجيع التشرذم الحزبي.

 

ويمكن تصميم النظم الانتخابية للعمل على إقصاء واستبعاد الأحزاب الصغيرة والتي لا تتمتع إلا بتأييد رمزي بشكل خاص. كما وأن القرارات المتخذة في تصميم النظام الانتخابي قد تجعل من الأحزاب السياسية مطية للقادة السياسيين ليس إلا. ويتفق معضم الخبراء على ضرورة أن يقوم النظام الانتخابي على أساس تحفيز وتقوية الأحزاب السياسية القائمة على قيم وإيديولوجيات سياسية رحبة، بالإضافة إلى برامج سياسية محددة، بدلاً من الأحزاب القائمة على طروحات عرقية، أو قبلية، أو محلية ضيقة. فبالإضافة إلى كونها تعمل على الحد من مخاطر الصراع الاجتماعي، فإن الأحزاب التي تتبع الفئة الأولى أكثر قدرةً على تمثيل الرأي العام على المستوى الوطني من تلك المصنفة ضمن الفئة الثانية.

تحـفيـز المعـارضـة التشـريعيـة والـرقابـة

لا تستند الإدارة الفاعلة للحكم على من يتبوأون السلطة فحسب، بل على أولئك الذين يقومون بدور المعارض لها والرقيب عليها، وبنفس القدر تقريباً. وعليه يجب على النظام الانتخابي الإسهام في وجود معارضة قابلة للحياة تكون قادرة على تقييم التشريعات بعين ناقدة، ومسائلة الحكومة على أدائها، وصيانة حقوق الأقليات، بالإضافة إلى تمثيل مؤيديها بشكل فاعل.

 

ولتكون فاعلة تحتاج مجموعات المعارضة لعدد كافٍ من الممثلين المنتخبين (هذا إذا مكنها أدائها الانتخابي من ذلك) وأن تكون قادرة على طرح بديل حقيقي للحكومة القائمة في أية ديمقراطية برلمانية. ومن الواضح أن قوة المعارضة تعتمد على عوامل كثيرة أخرى بالإضافة إلى النظام الانتخابي، ولكن إذا جعل منها ذلك النظام عاجزة عن القيام بدورها، فإن ذلك يضعف الإدارة الديمقراطية للحكم بمجملها.

 

وعلى سبيل المثال، فلقد كان التمثيل الضئيل الذي ما انفكت تحصل عليه الأحزاب المعارضة الصغيرة في ظل نظام الفائز الأول السبب الرئيسي في التحول نحو نظام تناسب العضوية المختلطة في نيوزيلندا. وفي نفس الوقت يجب على النظام الانتخابي العمل على الحد من نمو ثقافة ما يعرف بحيازة الفائز على كافة المقاعد التمثيلية (winner takes all) والتي تؤدي إلى تجاهل الرأي الآخر واحتياجات ورغبات ناخبي المعارضة، من خلال النظر إلى الانتخابات والحكومة التي تنتج عنها كمنازلة تقوم على معادلة لا شئ مقابل كل شئ.

 

وفي الأنظمة الرئاسية، يحتاج الرئيس المنتخب إلى تأييد ثابت من قبل مجموعة هامة من أعضاء السلطة التشريعية، إلا أن دور الآخرين في معارضة الحكومة ومراقبة مشاريعها التشريعية يعتبر على ذات القدر من الأهمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن مبدأ فصل السطات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بشكل فعال يلقي مهمة الرقابة على عاتق كافة الممثلين المنتحبين في الهيئة التشريعية، وليس المعارضين منهم فقط. مما يحدو للتفكير ملياً في تلك الأوجه من النظام الانتخابي المتعلقة بالأهمية النسبية لكل من الأحزاب السياسية والمرشحين الأفراد، إلى جانب العلاقة بين الأحزاب وأعضائها المنتخبين.

اسـتدامـة العمـليـة الانتـخابيـة

طالما أن الانتخابات لا تأخذ مكانها في الوجود من خلال صفحات المراجع الأكاديمية، فلا بد أن يستند اختيار النظام الانتخابي في البلد المعني، إلى حد ما، على قدرات ذلك البلد الإدارية والمالية. وعلى الرغم من اعتياد الدول المانحة على تقديم الدعم المالي للانتخابات الأولى، وحتى الثانية، في بلد يمر بمرحلة التحول الديمقراطي، إلا أن ذلك الدعم قد لا يكون متوفراً على المدى الأطول، وإن كان مرغوباً فيه.

 

وعليه فإن الترتيبات المتعلقة بالنظام السياسي المستدام والمستقر يجب أن تأخذ بالحسبان قدرات البلد المعني، بما في ذلك وجود الكفاءات البشرية الملائمة للقيام بمهام الإدارة الانتخابية وتوفر التموارد المادية الكافية لتنظيمها من خلال الميزانية الوطنية.

 

فعلى سبيل المثال، قد لا يستطيع بلد فقير توفير المستلزمات الكافية التي يتطلبها تنظيم أكثر من عملية انتخابية واحدة في ظل نظام الجولتين الانتخابي، أو أن يدير بيسر عمليات الفرز التي يتطلبها نظام الصوت المفضل.

 

وعلى أية حال، فقد لا يؤدي اللجوء إلى تبسيط النظام على المدى القصير إلى نجاعةٍ أكبر فيما يتعلق بتكلفة الانتخابات على المدى الطويل. وقد ينظر إلى نظام انتخابي ما على أنه قليل التكلفة وسهل الإدارة إلا أنه قد لا يتلاءم مع احتياجات البلد الملحة – مع العلم بأن عدم ملاءمة النظام الانتخابي مع احتياجات البلد قد يؤدي إلى نتائج كارثية.

 

وفي المقابل، فقد نجد النظام الانتخابي الذي يبدو لنا في البداية بأن تكاليفه أكبر وحيثياته أكثر تعقيداً بعض الشئ، يسهم بشكل أفضل في تعزيز استقرار البلد ونظامه الديمقراطي على المدى الطويل.

أخـذ المعـاييـر الـدوليـة بالحسـبان

أخيراً، ففي أيامنا هذه يتم تصميم النظم الانتخابية ضمن إطار العديد من الاتفاقات والمعاهدات والقوانين الدولية الأخرى المتعلقة بالقضايا السياسية.

 

وفي الوقت الذي لا يمكن فيه القول بأن هناك قائمة موحدة لمعايير الانتخابات المتفق عليها دولياً، إلا أن هناك توافقاً على أن تلك المعايير تشتمل على مبادئ:

  • الانتخابات الحرة، والنزيهة والدورية والتي تضمن حق الاقتراع العام دون استثناءات،

  • سرية الاقتراع وممارسته بعيداً عن الإكراه أو القسر،

  • التزام مبدأ الصوت الواحد لكل فرد (بمعنى أن تتساوى قوة الصوت المخول لكل ناخب مع باقي الناخبين وليس بمفهومه كنظام انتخابي محدد).

 

وبينما لا توجد أية اشتراطات قانونية لتفضيل نوع ما من النظم الانتخابية على غيرها، هناك اعتراف متزايد بأهمية القضايا المتأثرة بالنظم الانتخابية، مثل قضايا التمثيل العادل لكافة المواطنين، وحقوق المرأة في المساواة مع الرجل، وصيانة حقوق الأقليات، وضرورة الأخذ بمتطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى ما هنالك.

 

ولقد تم تحصين هذه المبادئ والحقوق والتأكيد على ضرورة الالتزام بها من خلال العديد من المعاهدات والقوانين الدولية، مثل الإعلان الدولي لحقوق الإنسان للعام 1948، والمعاهدة الدولية حول الحقوق المدنية والسياسية للعام 1966، بالإضافة إلى العديد من الوثائق والاتفاقيات المتعلقة بالانتخابات الديمقراطية والتي تم إنجازها من قبل المنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي، والمنظمة الأوروبية للأمن والتعاون، ومنظمة البلدان الأمريكية، والمجلس الأوروبي، إلخ.

خـلاصـة (معـاييـر التصـميـم)

تتقاطع المعايير العشرة المبينة هنا وتتضارب فيما بينها، وقد يلغي بعضها البعض الآخر. لذلك، فعلى القائمين على تصميم النظام الانتخابي البدء بترتيب تلك المعايير ودراستها حسب أولويتها وأهميتها بالنسبة إلى الواقع السياسي الذي يعملون من خلاله، وبكل حذر، وذلك قبل الانتقال إلى تقييم النظم واتخاذ قرارهم حول أيها الأفضل والأكثر ملاءمةً في كل حالة.

 

ويمكن إتمام ذلك بنجاح من خلال الانطلاق من وضع قائمة بكافة المسائل التي يجب تفاديها بشكل مطلق، مثل الأزمات السياسية التي قد تؤدي إلى انتكاس النظام الديمقراطي ككل. فعلى سبيل المثال، قد يرغب بلد ما يتسم بالانقسام القبلي في العمل على تجنب أية قرارات أو خيارات من شأنها أن تؤدي إلى استثناء المجموعات القبلية وإقصائها عن المشاركة في التمثيل، وذلك للارتقاء بشرعية العملية الانتخابية وقطع الطريق أمام أي إحساس قد يتولد بعدم عدالة النظام الانتخابي.

 

في المقابل، فقد تختلف الأولويات لدى ديمقراطية ناشئة في موقع آخر، على الرغم من أهمية هذه القضايا بالنسبة إليها، كأن تعنى بالدرجة الأولى بتمكين الحكومة من إصدار وتنفيذ القوانين بفاعلية ودون الاصطدام بعقبات كأداء، أو تمكين الناخبين من إقصاء القادة السياسيين ذوي السمعة المشينة.

 

أما تحديد الأولويات بين مختلف المعايير المتضاربة فلا يمكن إسناده إلا للمعنيين محلياً المنخرطين في عملية بناء المؤسسات الخاصة ببلدهم.

عـمـليـة التـغييـر

لحيثيات العملية التي يتم من خلالها تصميم النظام الانتخابي أو تعديله تأثير كبير على نوع النظام الانتخابي الذي ينتج عنها، وعلى ملاءمته للواقع السياسي، بالإضافة إلى مدى شرعيته والقبول العام به.

 

قلما يتم تصميم النظم الانتخابية على صفحة بيضاء ودون وجود أية سوابق. فحتى الجهود المبذولة لتصميم النظام الانتخابي في كل من أفغانستان والعراق مؤخراً استندت إلى سوابق تاريخية لنظم حزبية تعددية (على الرغم من بعدها الزمني وقلة تأثيرها على ما يمكن أن تكون عليه الترتيبات المستقبلية). ومن المسائل الهامة بالنسبة لعملية التصميم ما يلي:

  • من يقوم بتنفيذ العملية؟ بمعنى من هم المخولون بوضع مسألة تغيير النظام الانتخابي على الأجندة السياسية، ومن هم المسؤولون عن اقتراح النظم الجديدة أو المعدلة ومن خلال أية وسائل؟

  • ما هي الوسائل التي يوفرها الإطار السياسي والقانوني للقيام بعملية التغيير أو التعديل؟

  •  ما هي مقتضيات الحوار والمناظرة المطلوبة كي يتسم النظام الجديد أو المعدل بالشرعية والقبول؟ وكيف يتم تنفيذ التغيير أو التعديل على أرض الواقع بعد الانتهاء من إقراره؟

مـن يـقوم بتصـميـم النظـام الانتـخابـي

يتم اعتماد النظم الانتخابية بعدة طرق، منها:

 

  • أولا: قد تتم وراثتها دون تعديلات هامة تذكر عن القوة المستعمرة أو المحتلة (كما هي الحال في كل من مالاوي، ومالي، وجزر السليمان، وبالاو على سبيل المثال).

  • ثانياً: قد تنتج عن مباحثات سلام بين مجموعات محلية تتوافق على إنهاء حالة صراع أو انقسام في البلد المعني (مثل ليسوتو، وجنوب أفريقيا ولبنان). وفي هذه الحالات فقد لا تخضع عملية اختيار النظام الانتخابي للجدل والبحث العام، بل تنحصر ضمن دائرة المفاوضات السلمية بين أطراف الصراع.

  • ثالثاً: قد يفرض النظام الانتخابي من قبل المجموعات القائمة على إعادة بناء النظام السياسي في المرحلة التي تلي انتهاء الصراع (كقوات التحالف في العراق أو المجلس الوطني الانتقالي المعين في أفغانستان).

  • رابعاً: قد تلعب بعض الجهات التابعة للنظام الديكتاتوري السابق دوراً في تصميم النظام الانتخابي الجديد أثناء المراحل الأخيرة من وجوده وقبل سقوطه بالكامل (مثلما حصل في التشيلي).

  • خامساً: قد يأتي النظام الجديد نتيجةً لأعمال لجنة فنية يتم تشكيلها إما لهذا الغرض بالتحديد (كالحال في بريطانيا أو موريشيوس) أو للعمل على مسائل الإصلاح الدستوري بشكل عام (كما كان في فيجي). وقد تفضي هذه العملية إلى مجموعة من الاقتراحات يتم إخضاعها للاستفتاء العام (كما حدث في نيوزيلندا) أو عرضها أمام السلطة التشريعية لاتخاذ القرارات الملائمة بشأنها (وهذا ما حصل في فيجي).

  • سادساً: قد يتم تصميم النظام الانتخابي بواسطة مشاركة أوسع لجمهور المواطنين في العملية، وذلك من خلال تشكيل لجان شعبية غير مختصة للبحث فيه. وهذه هي الطريقة التي اتبعتها مقاطعة بريتيش كولومبيا في كندا، حيث قادت الاستنتاجات المتمخضة عن تلك اللجان إلى اقتراح لتغيير النظام الانتخابي من نظام الفائز الأول إلى نظام الصوت الواحد المتحول لطرحه في استفتاء عام على مستوى المقاطعة لإقراره.
     

مـا هـي وسـائـل الإصـلاح والتـعديـل

في حين تشكل النظم الانتخابية أحد الأسس الهامة جداً والتي تؤثر في كيفية عمل نظام الحكم في بلد ما، لم تجري العادة على التطرق لها في الدستور، بصفته المصدر الأعلى للقانون، إلا أن ذلك التوجه بدأ يتغير في السنوات الأخيرة.

 

نرى اليوم بأن عدداً من البلدان قد عمدت إلى إدراج تفاصيل تتعلق بالنظام الانتخابي في دساتيرها أو في ملاحق لها. والنتيجة الأهم لذلك بالنسبة للعاملين على مسائل الإصلاح الانتخابي تكمن في أن كل ما يتطرق إليه الدستور يصبح تغييره أو تعديله أصعب بكثير مما يترك للقوانين العادية، إذ عادةً ما يتطلب ذلك أغلبية خاصة من أصوات السلطلة التشريعية، أو استفتاءً عاماً أو وسائل أخرى مشابهة لإقراره، مما يحصن تلك النظم من التلاعب بها وتعديلها بسهولة.

 

وعلى سبيل المثال، ينص الدستور في جنوب أفريقيا على أن النظام الانتخابي الخاص بانتخاب الجمعية الوطنية يجب أن يفرز نتائج نسبية بشكل عام، وعليه فإن خيارات الإصلاح تبقى محصورة ضمن نظم الانتخابات النسبية ما لم يتم تعديل الدستور.

 

إلا أن تفاصيل النظام الانتخابي ما زالت تحدد على الأغلب من خلال القوانين العادية، بما يمكن من تعديلها من خلال الأغلبية البسيطة في الهيئة التشريعية. وقد يجعل ذلك من النظام الانتخابي أكثر مرونة وقابلية للاستجابة إلى المتغيرات في الرأي العام والمتطلبات السياسية، إلا أنه في نفس الوقت ينطوي على خطورة تتمثل في تمكين أية أغلبية في البرلمان من القيام بتعديل النظام بشكل منفرد لما يفيد مصالحها السياسية.

 

وتعتمد فرص الإصلاح على كل من الوسائل القانونية المتاحة والإطار السياسي الذي تتم من خلاله الدعوة للتغيير، إذ لا تنتهي كافة المحاولات لتغيير النظام الانتخابي إلى النجاح. فغالبية عمليات التغيير التي حدثت مؤخراً تمت في ظل واحدةٍ من الحالتين التاليتين:

 

الأولى، كجزء من عملية انتقالية يتحول من خلالها البلد إلى اعتماد النظام الديمقراطي، أو مباشرةً بعد استكمال تلك المرحلة، والتي تتسم بكون الإطار السياسي بمجمله قابل للجدل خلالها.

 

الثانية في خضم أزمة سياسية حول إدارة الحكم في ديمقراطيات راسخة. وكأمثلة على الحالة الثانية يمكننا ذكر التحول الحاصل في نيوزيلندا بعد فقدان حكومتين متعاقبتين لشرعيتهما في نظر المواطنين لحصولهما على الأغلبية في البرلمان رغم حصولهما على عدد من الأصوات يقل عن عدد الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب المعارضة؛ وما نتج عن الشعور السائد لدى الجمهور من أن المستويات العالية للفساد في كل من إيطاليا واليابان إنما تنبع من صلب النظام السياسي برمته وليست نتيجة لتصرفات فردية.

 

حتى في الحالات التي يعم فيها الشك وعدم الرضى العام بالنظام السياسي القائم، تحتاج عملية التغيير إلى قرار من قبل متبوئي السلطة الحالية قبل التغيير. ولا تعمل القيادات السياسية على الخوض في التغيير إلا إذا رأت في ذلك منافع لمصالحها أو توجست من نتائج الانتخابات المقبلة إذا أخفقت في الشروع بالتغيير. وحتى عندما تعمل القيادات السياسية بقناعة على إحداث التغيير، فلا غرابة في أنها ستحاول دوماً ممارسة كل ما أوتيت من تأثير لاختيار نظام انتخابي ترى أنه يحقق لها مصالحها بشكل أفضل. أما وإن لم تكن تلك القيادات على دراية كافية بكيفية تحقيق ذلك، أو إذا ما تعارضت المصالح وتراكمت الحلول المقترحة، فقد يؤدي ذلك إلى اعتماد الحلول الوسط، مما قد يفضي إلى اعتماد النظم المختلطة.

 

إلا أن الاتفاقات والتعديلات قد لا تولد النتائج المقصودة أصلاً من قبل مقترحيها، وقد تنتهي إلى نتائج أخرى غير مقصودة. ففي المكسيك أفرزت الإصلاحات التي قام بإدخالها الحزب الحاكم في العام 1994، بهدف منح أحزاب المعارضة بعض التسهيلات، أكثر النتائج بعداً عن النسبية في السنوات الأخيرة. وتصور لنا الحالة في كل من جنوب أفريقيا والتشيلي كيف يمكن ان تشكل الأحزاب السياسية ورغبتها في الاحتفاظ بالسلطة عقبة أمام عملية إصلاح النظام الانتخابي لا تقل أهمية عن العقبات القانونية. ففي جنوب أفريقيا تعالت الأصوات المنادية بضرورة إدخال عناصر تتعلق بالمحاسبة والمساءلة على المستوى المحلي، وذلك كجزء من نظام القائمة المغلقة النسبي المعمول به في الدوائر الانتخابية الكبيرة، حيث ينظر للممثلين المنتخبين بأنهم ليسوا على صلة وثيقة بناخبيهم. ولقد أكدت على ذلك الاستنتاجات المنبثقة عن تقرير أعدته بهذا الخصوص في كانون الثاني/يناير 2003 لجنة رئاسية، إلا أن الحكومة عمدت إلى تجاهل التوصيات وعدم الإقدام على إدخال التعديلات المقترحة، والتي من شأنها أن تحد من إحكام السيطرة على عملية انتقاء المرشحين وقرارات القيادات الحزبية ذات العلاقة. أما في التشيلي فقد عمل الجنرال بينوتشي قبل تخليه عن الحكم على تأليب النظام الانتخابي بشكل يضمن نتائج أفضل لصالح مؤيديه وحلفائه السياسيين. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن على إزاحته من سدة الحكم، إلا أن النظام الانتخابي الذي خلفه وراءه ما زال قائماً دون أي تغيير.

 

في نيوزيلندا تم إخضاع عملية تغيير النظام الانتخابي لأكثر من استفتاء، وذلك نتيجة لتحرك سياسي تلخص في محاولة من قبل قيادة أحد الأحزاب الكبيرة وضع العراقيل أمام حزب كبير منافس له أثناء إحدى الحملات الانتخابية. وفي الاستفتاء الأول، سئل الناخبون حول موقفهم من عملية تغيير النظام الانتخابي بشكل عام، وطلب منهم اختيار إحدى النظم من بين أربع خيارات مقترحة. أما في الاستفتاء الثاني، فكان على الناخبين الاختيار ما بين اعتماد النظام الانتخابي الجديد (الناتج عن الاستفتاء الأول) أو الإبقاء على النظام الانتخابي القديم. وكانت النتيجة أن اعتمد نظام العضوية المختلطة كنظام انتخابي جديد للبلاد يتمتع بشرعية وقبول كبيرين.

 

لا بد للنظم الانتخابية أن تتلائم مع المتغيرات الحاصلة مع مرور الزمن، وذلك لمواجهة الاحتياجات الجديده والتماشي مع الميول المستجدة سياسياً، وديمغرافيا وتشريعياً. ولا شك بأن المستفيدين من النظام الانتخابي يعملون على محاربة أية محاولة لتغييره أو تعديله. وعليه فقد تنحصر الإصلاحات والتغييرات في الجوانب الهامشية دون المساس بالأمور الجوهرية للنظام، إلا إذا كان ذلك من خلال عملية انتقال حقيقي وشامل نحو الديمقراطية أو كنتيجة لأزمة سياسية حقيقية تعمل كمحرض أو محفز على ذلك. وقد تتأثر العملية برمتها في البلدان الخارجة من حالات الصراع والتي تمر بمرحلة انتقالية، بنتائج ذلك الصراع التي تفرض مزيداً من التحديات، والتي يمكن أن تنعكس على إجراء الانتخابات عملاً بترتيبات تتحدد من خلال اتفاق سلام داخلي ينص على اعتماد نظام محدد منذ البداية. وقد يرى القائمون على تعديل النظام الانتخابي تحقيق ذلك من خلال تعديلات في التقسيمات الانتخابية - حدود الدوائر الانتخابية، أو تعديل نسبة الحسم، أو تغيير المعادلة المعتمدة لاحتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، إلخ. ونرى أن الكثير من عمليات التعديل الحاصلة في السنوات الأخيرة تمثلت في إضافة أحد أنظمة القائمة النسبية إلى نظام الفائز الأول القائم أصلاً، وذلك لإيجاد نظام انتخابي مختلط أكثر نسبيةً (كالتعديلات التي تم اعتمادها في كل من ليسوتو والتايلاند).

نصـائـح حـول المنـاظـرة والحـوار

بالإضافة إلى فهم كافة الجوانب القانونية للحيثيات الفنية المتعلقة بعملية تغيير النظام الانتخابي وتبعاتها، على القائمين على عملية إصلاح النظام الانتخابي فهم كافة الجوانب السياسية للعملية ونتائجها بالنسبة للإطار السياسي العام، بما يمكنهم من شرحها وتبسيطها للآخرين. وقد يلجأ الإصلاحيون إلى أصوات بارزة في المجتمع المدني، والشخصيات الأكاديمية ووسائل الإعلام للإسهام في إقناع الرأي العام بضرورة التغيير. إلا أن ذلك لا يغني عن ضرورة إقتناع الأغلبية الحاكمة بفوائد التغيير، بما في ذلك تلك التي قد تصب في مصلحتهم.

 

وعلى الرغم من الاهتمام المتزايد بالنظم الانتخابية، إلا أن أعداد المتفهمين للنتائج المحتملة لتغيير النظام الانتخابي تبقى محدودة، سواءً على مستوى القيادات أو على المستوى العام. ويزيد من تعقيد الأمر أن تنفيذ النظم الانتخابية على أرض الواقع قد يعتمد إلى حد كبير على تفاصيل صغيرة قد تبدو عديمة الأهمية. لذلك يجب على القائمين على عملية الإصلاح التعامل مع كافة التفاصيل القانونية الضرورية للقيام بعملية التغيير وشرحها للآخرين، بالإضافة إلى تقديم الأمثلة الافتراضية الفنية (بالاستناد إلى نتائج الانتخابات السابقة عادةً) لإعطاء فكرة تقريبية حول انعكاسات المقترحات المطروحة على تقسيم الدوائر الانتخابية على سبيل المثال أو على النتائج المحتملة لكيفية تمثيل الأحزاب السياسية ضمن كل منها. وبهذه الطريقة يمكن لهذه الأمثلة التجريبية أن تساعد في التحقق من أن كافة الاحتمالات قد تم أخذها بالحسبان، بالإضافة إلى تقييم النتائج التي قد تبدو بعيدة أو غير محتملة للوهلة الأولى، إذ من الأفضل العمل على الإجابة على كافة التساؤلات أثناء عملية التغيير وليس في خضم الأزمات التي قد تتبعها.

 

من البديهي بأنه من الصعب التكهن بكافة المؤثرات التي ستنتج عن أي نظام انتخابي يتم اعتماده، فتصميم نظام جديد في الوقت الذي لا يمكن معرفة نتائج الانتخابات التي سيتم تنظيمها في ظله مسبقاً من حيث توزيع الأصوات والمقاعد المنتخبة قد يعتبر عاملاًَ إيجابياً يسهم في التوصل إلى اتفاق حول نظام جديد ينظر إليه معظم المعنيون على أنه الأكثر عدلاً.

 

وعلى أية حال، يجب التحقق من إدراك الجميع المسبق لأكبر قدر ممكن من الحيثيات الفنية المتعلقة بالنظام الانتخابي الجديد ومؤثراتها قبل اعتماد التغيير. وقد تسهم البرامج الخاصة بإشراك الناخبين في عملية التغيير، كأن يدعى الناخبون للمشاركة في انتخابات تجريبية افتراضية استناداً إلى نظام انتخابي جديد يتم بحثه، في جذب انتباه وسائل الإعلام للعملية مما يساعد في رفع مستويات الوعي والفهم لاقتراحات التغيير المطروحة. ويمكن لهذه البرامج أن تسهم كذلك في تحديد الصعوبات أو العقبات التي قد تنتج عن النظام الجديد، كالعقبات التي قد يواجهها الناخبون في التعامل مع أوراق الاقتراع.

نصـائـح حـول التـنفيـذ

يميل الجميع، بمن فيهم الناخبون، والقائمون على الإدارة الانتخابية، والسياسيون والمحللون، إلى ارتياح أكبر مع ما هو معهود ومعروف للجميع، حيث أن استخدام أي نظام انتخابي لسنوات طويلة يسهم في تلطيف جوانبه الأكثر تعقيداً ومدعادةً للخلاف. وبذلك فقد يكون الخوض في نظام جديد كالدخول في المجهول، وهو ما يجعل تنفيذه أمراً أصعب بسبب عدم الاعتياد على تفاصيله. وإن كان ذلك يصعب تفاديه، إلا أنه يدل على أن العملية لا تنتهي باعتماد التعديلات القانونية فقط، فعملية التغيير لا تكتمل إلا بإرافقها ببرامج مكثفة لتوعية الناخبين وتبيان كيفية عمل النظام الانتخابي الجديد لكافة المعنيين، بالإضافة إلى وضع كافة الضوابط التفصيلية الميسرة والخاصة بتنفيذه والاتفاق عليها.

 

تحتاج برامج التوعية إلى متسع من الوقت، سواء كانت لتوعية الناخبين أو القائمين على إدارة العملية الانتخابية. إلا أن الوقت الكافي عادةً ما لا يتوفر للإدارة الانتخابية العاملة على تنظيم الانتخابات استناداً إلى نظام انتخابي جديد. حيث عادةً ما يلجأ المتفاوضون إلى استخدام عامل الوقت قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، خاصةً عندما ينتج النظام الجديد عن مفاوضات شاقة بين الأطراف السياسية. إلا أن الإدارة الانتخابية الفاعلة، وعلى الرغم من ذلك كله، هي تلك التي تعمل على وضع أكبر قدر ممكن من التحضيرات بأكثر وأبكر ما أوتيت من إمكانيات.

تـقييـم التـأثيـر النـاتـج عـن عـمليـة التـغييـر

بعدما تطرقنا إلى عملية التغيير، يبقى علينا الأخذ ببعض التحذيرات الهامة. وبما أنه يترتب على النظم الانتخابية تبعات سيكولوجية وفنية، فإن بعض تلك التبعات يأخذ طابعاً طويل الأمد وقد لا تتم ملاحظته على أرض الواقع إلا بعد مرور فاصل زمني. وقد يحتاج الناخبون، والمرشحون والأحزاب السياسية إلى عمليتين انتخابيتين أو ثلاثة لكي يلحظوا ويتفاعلوا بشكل تام مع النتائج والمحفزات الناجمة عن أي تغيير في النظام الانتخابي. وقد يسهم الميول الشائع في اعتماد الأنظمة المختلطة في ذلك، إذ عادةً ما تكون التبعات والمحفزات المترتبة عليها بالنسبة للناخبين والمرشحين أقل وضوحاً.

 

قد يحتاج الأمر إلى الكثير من التمعن لمعرفة ما إذا كانت الصعوبات الناجمة عن النظام المعدل أو الجديد عابرة أم انها تدل على خلل هام فيه يستدعي تعديله أو استبداله. فعلى سبيل المثال، وفي الفترة التي أعقبت الانقلاب الذي قاده جورج سبيت عام 2000 في فيجي، دار البحث حول هذه النقطة بالذات، إذ تمحور حول ما إذا كان نظام الصوت البديل المعمول به منذ العام 1997 سيستقر من خلال تفاعل الناخبين والأحزاب مع محفزاته في تلطيف الصراعات العرقية في البلد، أم أن الأحداث المتسارعة منذ اعتماده تدل ببساطة على أنه نظام غير ملائم للواقع القائم في البلد؟

الميـول الشـائعـة فـي إصـلاح النـظم الانتخـابيـة

 

يعتبر الاستفتاء العام في إيطاليا سنة 1993، والذي أدى إلى تغيير النظام الانتخابي إلى نظام العضوية المختلطة، كنقطة تحول تبعتها العديد من عمليات تغيير النظم الانتخابية حول العالم. وفي غالبية الحالات انحصرت عملية التغيير في الجوانب الهامشية، كاعتماد معادلة جديدة لتوزيع المقاعد في المجلس المنتخب، أو بعض التعديل في توزيع الدوائر الانتخابية، أو اللجوء إلى رفع عدد الأعضاء المعينين في الهيئة التشريعية؛ إلا أن 26 بلد اتبعت المثال الإيطالي منذ ذلك الحين وإلى وقتنا هذا، وقامت بتغيير نظمها الانتخابية بشكل كلي.

 

ويوضح الجدول رقم (1) أدناه الميول الشائعة. فمعظم البلدان التي قامت بتغيير نظمها الانتخابية اتجهت نحو مزيد من النسبية فيها، وذلك إما بإضافة عنصر نسبي إلى نظام الأغلبية، معتمدة نظاماً مختلطاً أو نظام العضوية المختلطة، أو باستبدال كامل للنظام القديم بنظام القائمة النسبية. أما التحول الأكثر شيوعاً فكان بالانتقال من نظام التعددية/الأغلبية إلى نظام مختلط، إذ لا توجد أمثلة حول انتقال بالاتجاه المعاكس. أما أنظمة التعددية/الأغلبية الجديدة فتنتسب جميعها إلى ذات العائلة، باستثناء ما حصل في مدغشقر حيث تم التحول من نظام القائمة النسبية إلى خليط من التريبات تزيد فيها الحصة المخصصة لنظام الفائز الأول على تلك المخصصة لنظام القائمة.

 

جدول رقم 1: التغييرات الحديثة في النظم الانتخابية

النظام القديم (العائلة)

النظام الجديد (العائلة)

التعددية/الأغلبية

المختلط

التمثيل النسبي

أنظمة أخرى

التعددية/الأغلبية

برمودا

(من نظام الكتلة إلى نظام الفائز الأول)

ليسوتو

(من نظام الفائز الأول إلى نظام العضوية المختلطة)

العراق

(من نظام الجولتين إلى نظام القائمة النسبية)

الأردن

(من نظام الكتلة إلى نظام الصوت الواحد غير المتحول)

فيجي

(من نظام الفائز الأول إلى نظام الصوت البديل)

موناكو

(من نظام الجولتين إلى النظام المتوازي)

رواندا

(من نظام الفائز الأول إلى نظام القائمة النسبية)

أفغانستان

(من نظام الفائز الأول إلى نظام الصوت الواحد غير المتحول)

مونسرات

(من نظام الفائز الأول إلى نظام الصوت البديل)

نيوزيلندا

(من نظام الفائز الأول إلى نظام العضوية المختلطة)

سيراليون

(من نظام الفائز الأول إلى نظام القائمة النسبية)

 

بابوا غينيا الجديدة

(من نظام الفائز الأول إلى نظام الصوت البديل)

الفلبين

(من نظام الكتلة إلى النظام المتوازي)

جنوب أفريقيا

(من نظام الفائز الأول إلى نظام القائمة النسبية)

 

مونغوليا

(من نظام الكتلة إلى نظام الجولتين)

التايلاند

(من نظام الكتلة إلى النظام المتوازي)

مولدافيا

(من نظام الجولتين إلى نظام القائمة النسبية)

 

 

أوكرانيا

(من نظام الجولتين إلى النظام المتوازي)

 

 

 

روسيا الاتحادية

(من نظام الجولتين إلى النظام المتوازي)

 

 

المختلط

 

المكسيك

(من النظام المتوازي إلى نظام العضوية المختلطة )

مقدونيا

(من النظام المتوازي إلى نظام القائمة النسبية)

 

 

 

كرواتيا

(من النظام المتوازي إلى نظام القائمة النسبية)

 

التمثيل النسبي

مدغشقر

(من نظام القائمة النسبية إلى نظام مختلط بين الفائز الأول والقائمة والنسبية)

بوليفيا

(من نظام القائمة النسبية إلى نظام العضوية المختلطة)

 

 

 

إيطاليا

(من نظام القائمة النسبية إلى نظام العضوية المختلطة)

 

 

 

فنزويلا

(من نظام القائمة النسبية إلى نظام العضوية المختلطة)

 

 

الأنظمة الأخرى

 

اليابان

(من نظام الصوت الواحد غير المتحول إلى النظام المتوازي)

 

 

 

 

ملاحظة: يبين هذا الجدول التعديلات الحاصلة في البلدان المستقلة والأقاليم التابعة فيما يخص انتخاباتها العامة لانتخاب المجالس التشريعية/البرلمانات (بالنسبة لمجلس النواب (العموم) في تلك البلدان والأقاليم التي تتألف هيئتها التشريعية من مجلسين)، وذلك خلال الفترة المتدة من 1993 إلى 2004. ولم ترد قرقيزستان في هذا الجدول، والتي قامت خلال هذه الفترة بتغيير نظامها من نظام الجولتين إلى النظام المتوازي، ومن ثم عادت إلى العمل بنظام الجولتين من جديد.

النـظم ومـؤثـراتـها

هناك عدد كبير من النظم الانتخابية المتنوعة، إلا أنه يمكن تصنيفها ضمن 12 نظام أساسي، تقع غالبيتها ضمن ثلاث عائلات. ولقد جرت العادة على تصنيف النظم الانتخابية استناداً إلى كيفية عمل كل منها على ترجمة الأصوات التي تفوز بها كل فئة مشاركة في الانتخابات إلى مقاعد في الهيئة التشريعية المنتخبة (البرلمان)، أو بمعنى آخر، استناداً إلى مدى نسبية كل من تلك الأنظمة. وللقيام بذلك فلا بد من الأخذ بالحسبان العلاقة التناسبية بين عدد الأصوات وعدد المقاعد، بالإضافة إلى النظر إلى مستوى الأصوات الضائعة.

 

فعلى سبيل المثال، استخدمت جنوب أفريقيا نظاماً انتخابياً نسبياً في انتخابات العام 2004، حيث فاز حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) بنسبة 69.69 بالمئة من الأصوات، وحصل بذلك على ما نسبته 69.75 بالمئة من مقاعد البرلمان. وعليه، فلقد كان النظام الانتخابي المستخدم تناسبياً للغاية، ولم يتجاوز عدد الأصوات الضائعة (تلك الأصوات المعطاة للأحزاب المشاركة في الانتخابات والتي لم تفضي للفوز بأية مقاعد) ما نسبته 0.74 بالمئة فقط من المجموع الكلي للأصوات. وعلى العكس من ذلك، فلقد أدى استخدام نظام الجولتين في انتخابات العام 2000 في منغوليا، حيث لم يتطلب الفوز أكثر مما نسبته 25 بالمئة من الأصوات، إلى حصول حزب الشعب الثوري المنغولي على 72 مقعداً من أصل 76 مقعد في البرلمان، وذلك على الرغم من حصوله على 52 بالمئة فقط من أصوات الناخبين. وهذا ما حصل كذلك في انتخابات العام 2003 في جيبوتي، حيث تم استخدام نظام الكتلة الحزبية، مما أسفر عن فوز حزب التجمع الشعبي من أجل التطوير على كافة مقاعد البرلمان البالغة 65 مقعداً، في الوقت الذي لم يحصل فيه سوى على ما نسبته 62.7 بالمئة من الأصوات.

 

وعلى الرغم من ذلك، يمكن أن ينتج عن بعض النظم الانتخابية غير النسبية في بعض الحالات (كنظام الفائز الأول) نتائج نسبية إلى حد ما، كالحالات التي يتركز فيها دعم حزب سياسي ما ضمن نطاق جغرافي محدد (كمقاطعة أو ولاية أو محافظة). وهذا ما كانت عليه النتائج في دولة أخرى من جنوب القارة الأفريقية، وهي مالاوي في انتخابات العام 2004. ففي تلك الانتخابات، حصل حزب المؤتمر المالاوي على 30 بالمئة من المقاعد بعد حصوله على 25 بالمئة من أصوات الناخبين، بينما حصل حزب الجبهة الديمقراطية الموحدة على 27 بالمئة من المقاعد بحصوله على 25 بالمئة من الأصوات كذلك، أما حزب الائتلاف الديمقراطي فحاز على حوالي 3 بالمئة من المقاعد بفوزه بما يقارب 4 بالمئة من الأصوات.

 

وعليه، فلقد عكست تلك النتائج درحة عالية من التناسب بين عدد الأصوات وعدد المقاعد، إلا أن السر في عدم اعتبار النظام المستخدم كنظام نسبي، وبالتالي عدم إمكانية تصنيفه كذلك، يكمن في ارتفاع أعداد الأصوات الضائعة في تلك الانتخابات، والتي بلغت حوالي نصف مجموع الأصوات التي تم الإدلاء بها، وهو ما أسهم في تحقيق هذا المستوى من التناسب.

 

وبنفس الطريقة يمكن لبعض العوامل المتعلقة بتصميم النظام الانتخابي أن تعمق من اختلال التناسب. فعادةً ما تسفر النظم التي تنطوي على مستويات عالية من التوزيع أو القسمة غير المنصفة عن نتائج غير متناسبة، كما هي الحال بالنسبة للنظم النسبية التي تشتمل على نسبة عالية للحسم، والتي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع كبير في أعداد الأصوات الضائعة، كما حصل في تركيا في انتخابات العام 2002 حيث أسفرت نسبة الحسم المعتمدة والتي بلغت 10 بالمئة إلى ضياع ما نسبته 46 بالمئة من أصوات الناخبين.

نـظم التـعدديـة/الأغـلبيـة

تفوم نظم التعددية/الأغلبية على مبدأ بسيط مفاده فوز المرشحين أو الأحزاب الحاصلين على أعلى عدد من أصوات الناخبين بعد فرزها وعدها (بالإضافة إلى بعض الشروط الأخرى التي قد تفرض أحياناً). إلا أنه يمكن الوصول إلى هذه النتيجة من الناحية العملية بطرق مختلفة.

 

هناك خمسة أنواع من نظم التعددية/الأغلبية هي:

  • § نظام الفائز الأول (FPTP)،

  • نظام الكتلة (BV)،

  • نظام الكتلة الحزبية (PBV)،

  • نظام الصوت البديل (AV)،

  • نظام الجولتين (TRS).

 

ففي نظام الفائز الأول (والذي عادةً ما يعرف بنظام التعددية للدائرة الانتخابية أحادية التمثيل) يفوز بالمقعد الممثل للدائرة المرشح الحائز على أعلى عدد من الأصوات، وليس بالضرورة على الأغلبية المطلقة لتلك الأصوات. وعندما يستخدم هذا النظام في دوائر انتخابية متعددة التمثيل (تلك التي تنتحب أكثر من ممثل واحد لكل منها) يتحول إلى نظام الكتلة، حيث يمتلك الناخب عدداً من الأصوات يساوي عدد المقاعد التي يتم انتخابها لتمثيل دائرته الانتخابية، ويفوز بمقاعد الدائرة المرشحون الحائزون على أعلى الأصوات، بغض النظر عن نسبة تلك الأصوات. ويتحول هذا النظام إلى نظام الكتلة الحزبية عندما يكون على الناخبين الاقتراع لصالح قوائم حزبية بدلاً من انتقاء المرشحين بشكل فردي.

 

أما نظم الأغلبية، كنظام الصوت البديل أو نظام الجولتين، فتعمل على أساس فوز المرشح المنتخب بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين (كأن يفرض عليه الحصول على ما يزيد عن 50 بالمئة من الأصوات). وتعمد هذه الأنظمة إلى الأخذ بعين الاعتبار خيارات الناخبين الثانية وما يليها لاحتساب النتائج التي تسفر عن فوز المرشح المنتخب بالأغلبية المطلقة للأصوات في حال لم يحصل أي من المرشحين على تلك الأغلبية من خلال احتساب الخيارات الأولى لأصوات الناخبين.

نـظام الفـائـز الأول (FPTP)

يعد نظام الفائز الأول أبسط أنظمة التعددية/الأغلبية، حيث يتم استخدامه ضمن دوائر انتخابية أحادية التمثيل. وهو نظام يتمحور حول المرشحين الأفراد، إذ يقوم الناخب باختيار واحد فقط من مجموع المرشحين المدرجين على ورقة الاقتراع. وببساطة، فإن المرشح الفائز هو الحاصل على أعلى عدد من أصوات الناخبين. ونظرياً فقد يفوز المرشح بصوتين فقط في حال لم يحقق أي من المرشحين الآخرين سوى صوت واحد فقط.

 

بالإضافة إلى بريطانيا، تمثل كندا، والهند والولايات المتحدة الأمريكية أبرز الأمثلة على هذا النظام.

ميـزات وعيـوب نـظام الفـائـز الأول (FPTP)

 

الميزات

 

لنظام الفائز الأول مجموعة من الميزات الحسنة، إذ عادةً ما يبرز المدافعين عنه بساطته، شأنه في ذلك شأن أنواع أخرى من نظم التعددية/الأغلبية، بالإضافة إلى كونه يميل إلى إفراز ممثلين مرتبطين بشكل مباشر بمناطق جغرافية محددة. أما أهم محاسن هذا النظام التي يمكن الإشارة إليها فهي:

  • يوفر هذا النظام خياراً واضحاً لا لبس فيه أمام الناخبين بين الحزبين السياسيين الأكبر على الساحة. إذ أنه يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى تراجع حضوض الأحزاب الصغيرة، مما ينتج عنه جنوح النظام السياسي في البلد المعني نحو الانقسام بين حزب "يساري" وآخر "يميني" يتناوبان في الحكم. وبهذا تضمحل فرص الأحزاب الأخرى إلى درجة تتلاشى عندها إمكانية الحصول على تأييد شعبي يضمن لهم حضوراً مؤثراً في السلطة التشريعية المنتخبة.

  • يمكن هذا النظام قيام حكومات الحزب الواحد، إذ أن إحدى نتائجه تتمثل في تمكين الحزب الأكبر من الحصول على مزيد من المقاعد (كأن يحصل الحزب الفائز بنسبة 45 بالمئة من الأصوات على حوالي 55 بالمئة من المقاعد)، مما يجعل من حكومة الائتلاف الاستثناء وليس القاعدة. ويمتدح هذا الواقع لكونه يمكن تشكيل الحكومات القوية وغير المقيدة بتنازلات اضطرارية لصالح شركاء صغار في حكومة الائتلاف.

  • يمكن هذا النظام كذلك قيام معارضة برلمانية متراصة. إذ أنه من الناحية النظرية على الأقل، فإن الحانب الآخر للعملة يتمثل في توفير عدد كافٍ كذلك من المقاعد التمثيلية لصالح المعارضة، للقيام بدورها في مراقبة أعمال الحكومة وتقديم نفسها كبديل حقيقي للحزب الحاكم.

  • يعمل نظام الفائز الأول لصالح الأحزاب المرتكزة إلى قواعد واسعة من المؤيدين. ففي المجتمعات المنقسمة عرقياً أو جغرافياً يعمل هذا النظام على تشجيع وتقوية الأحزاب الشمولية والتي تضم تحت جناحيها العديد من الفئات الاجتماعية، خاصةً في تلك الحالات حيث يتواجد حزبين رئيسيين فقط في الوقت الذي ينقسم فيه المجتمع إلى العديد من الجماعات. وفي هذه الحالات يعمل الحزبين الرئيسيين على تسمية مجموعات مختلفة من المرشحين. ففي ماليزيا على سبيل المثال، تتألف الحكومة من حركة سياسية جامعة تضم ممثلين عن فئات من أصول ماليزية، وصينية وهندية موزعين على مناطق ذات تركيبة وتنوع اجتماعيين متفاوت.

  • يسهم هذا النظام في الحد من إمكانية الأحزاب المتطرفة في الحصول على تمثيل برلماني لها. إذ أن الأحزاب المتطرفة الصغيرة لا يمكن لها أن تحصل على تمثيل إلا في حال تركز مؤيدوها ضمن منطقة جغرافية محصورة. (في مقابل ذلك، نجد بأن 1 بالمئة فقط من أصوات الناخبين، في ظل نظام القائمة النسبية لو طبق في بلد يشكل في مجمله دائرة انتخابية واحدة، يمكن أن يضمن حداً أدنى من التمثيل البرلماني).

  • يحفز نظام الفائز الأول على تقوية الصلة بين الممثلين وناخبيهم، إذ أنه ينتج سلطات مؤلفة من ممثلين لمناطق جغرافية محددة، حيث يمثل الأعضاء المنتخبون مناطق محصورة من المدن، أو البلدات أو الألوية والمحافظات، ولا ينحصر تمثيلهم في شعارات الحزب السياسي. ويعتقد بعض المحللون بأن لهذا النوع من التمثيل و"المسؤولية الجغرافية" أهمية خاصة في المجتمعات الريفية والبلدان النامية.

  • يعطي هذا النظام الناخبين فرصةً للاختيار بين الأفراد وليس بين الأحزاب السياسية فقط. إذ يمكن للناخبين تقييم أداء المرشحين الأفراد بدلاً من الالتزام بقبول قوائم من المرشحين تنتقيهم الأحزاب السياسية، مثلما يحدث في ظل بعض نظم القائمة النسبية.

  • يعطي هذا النظام الفرصة للمرشحين المستقلين للفوز بالانتخاب. وهذا ما قد يكون على درجة عالية من الأهمية في تلك المجتمعات التي ما زالت أحزابها السياسية في طور النشوء، حيث تدور العلاقات السياسية ضمن نطاق العلاقات العائلية، أو القبلية أو العرقية، بدلاً من استنادها إلى تنظيمات سياسية قوية ومتماسكة.

  • أخيراً يمتدح نظام الفائز الأول لكونه سهل الاستخدام ويسير الفهم. حيث لا يحتاج الصوت الصالح إلا للتأشير بجانب اسم أو رمز المرشح المفضل على ورقة الاقتراع. وهو يسهل عملية فرز الأصوات وعدها، حتى عندما تشتمل ورقة الاقتراع على أسماء عدد كبير من المرشحين.

 

العيوب

 

إلا أن لنظام الفائز الأول سيئاته كذلك، ومنها:

  • ينتج عنه استثناء الأحزاب الصغيرة والحد من إمكانية حصولها على تمثيل برلماني عادل، إذ أنه يفترض على الحزب الذي يحصل على 10 بالمئة من الأصوات على سبيل المثال أن يحصل على نسبة مماثلة تقريباً من مقاعد البرلمان. ففي الانتخابات الفيدرالية للعام 1993 في كندا حصل حزب الماحفظين التقدميين على 16 بالمئة من أصوات الناخبين إلا أنه لم يفوز إلا بنسبة 0.7 بالمئة من المقاعد؛ وفي الانتخابت العامة للعام 1998 في ليسوتو حصل حزب باسوتو الوطني على 24 بالمئة من الأصوات في حين فاز بواحد بالمئة فقط من المقاعد. وهذا النموذج يتكرر مراراً في ظل نظام الفائز الأول.

  • يحرم نظام الفائز الأول الأقليات من الحصول على تمثيل عادل. إذ تعتاد الأحزاب السياسية على تسمية المرشح الأكثر قبولاً وشعبيةً في كل دائرة انتخابية، وذلك لكسب ود غالبية الناخبين. وعليه، فمن غير المعتاد أن يحصل مرشح أسود، على سبيل المثال، على دعم وترشيح من قبل حزب كبير في دائرة انتخابية تقطنها غالبية من البيض في بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك الكثير من التجارب التي تثبت بأن فرص الأقليات العرقية بالحصول على تمثيل برلماني لها أقل بكثير في ظل استخدام نظام الفائز الأول. وبالمحصلة، فإذا ما انتهج الناخبون ممارسات انتخابية تتطابق مع الانقسامات الاجتماعية القائمة، فإن إقصاء المنتمين إلى الأقليات من التمثيل يمكن أن يؤدي إلى زعزعة أركان النظام السياسي برمته.

  • يؤدي هذا النظام إلى إضعاف التمثيل البرلماني العادل للمرأة. فمقولة اللجوء إلى "المرشح الأكثر شعبية" تؤثر بشكل مباشر وسلبي في فرص النساء في الانتخاب، وذلك لكونهن أقل حضاً بالحصول على دعم الأحزاب السياسية، والتي يسيطر الرجال فيها على مراكز القرار، لترشيحهن. وأظهرت التجارب حول العالم بأن المرأة تتمتع بفرص أقل كثيراً في الانتخاب في ظل نظم التعددية/الأغلبية منها في ظل النظم النسبية.

  • يتيح نظام الفائز الأول الفرصة لنشوء الأحزاب المستندة إلى قواعد قبلية، أو عرقية أو مناطقية، والتي تؤسس حملاتها وبرامجها السياسية استناداً إلى مفاهيم وأطروحات جذابة للغالبية في منطقتها أو دائرتها إلا أنها قد تكون معادية للآخرين وتقوم على استثنائهم. ولقد شكل ذلك معضلة دائمة في بعض الدول الأفريقية، كملاوي أو كينيا، حيث تتمركز مجموعات قبلية كبيرة في مناطق جغرافية محصورة. مما يؤدي إلى انقسام البلد إلى مناطق حزبية حيث يتمتع كل حزب بموقع القوة في كل منها، الأمر الذي لا يحفز الأحزاب على الاهتمام بأية مسائل خارج نطاق مناطق نفوذهم ومجموعات مؤيديهم.

  • يمكن لنظام الفائز الأول أن يزيد من حدة الإقطاعية الحزبية، حيث يمكن حزباً واحداً أن يفوز بمفرده بكافة المقاعد التمثيلية في دائرة أو محافظة ما. فلو كان لحزب ما تأييد قوي في جزء معيين من البلد فذلك سيؤدي إلى فوزه بأعلى عدد من الأصوات، الأمر الذي يترتب عليه فوزه بمعظم، إن لم يكن كافة المقاعد المخصصة لذلك الجزء. وذلك يؤدي إلى إقصاء الأقليات في تلك المنطقة وحرمانها من التمثيل، بالإضافة إلى تعميق الإحساس بأن المعركة السياسية محكومة بمن يكون المواطن وأين يقيم وليس بما يؤمن به. وهذا ما تمت إثارته مراراً لمحاربة هذا النظام في كندا على سبيل المثال.

  • يسفر هذا النظام عن ضياع أعداد كبيرة من الأصوات التي تهدر ولا تؤدي إلى انتخاب أي من المرشحين. وهذا ما يمكن أن يكون خطراً للغاية لو ترافق مع ما ورد أعلاه فيما يتعلق بالإقطاعية الحزبية، حيث يؤدي إلى يأس المؤيدين للأحزاب الصغيرة وأحزاب الأقلية من انتخاب ممثلين لهم في مناطقهم. وقد تزداد خطورته في تلك الحالات حيث تؤدي الاختلالات السياسية إلى تعزيز موقع الحركات المتطرفة وفسح المجال أمامها لتحريك جموع كبيرة من المؤيدين ضد النظام السياسي القائم.

  • يؤدي هذا النظام، في بعض الأحيان، إلى انقسام الأصوات بين الأحزاب الكبيرة المتنافسة أو المرشحين الأكثر شعبية، مما ينتج عنه فوز الأحزاب أو المرشحين الأقل شعبيةً وتمثيلاً. وتوفر الدراسة الخاصة حول بابوا غينيا الجديدة الواردة في هذا الدليل مثالاً حياً لذلك.

  • قد يبدو نظام الفائز الأول عديم الاستجابة للمتغيرات االطارئة على الرأي العام. إذ أن تمركز المؤيدين لحزب سياسي ما في منطقة جغرافية محددة يمكنه من الاستمرار في السيطرة على الحكم حتى في ظل تراجع أدائه الانتخابي من حيث عدد الأصوات الكلي على المستوى الوطني العام. ففي بعض البلدان التي تعتمد هذا النظام الانتخابي، قد لا يعني التراجع في حصة حزب ما من 60 بالمئة إلى 40 بالمئة من مجمل أصوات الناخبين على المستوى الوطني سوى انخفاضاً في حصته من مقاعد البرلمان من 80 بالمئة إلى 60 بالمئة، الأمر الذي لا يترك أثراً يذكر على موقعه المسيطر على الحكم بشكل عام. وفيما عدا الحالات التي تشتد فيها المنافسة على أعداد كافية من المقاعد، فقد يكون نظام الفائز الأول عديم التأثر بتأرجح نسبة الدعم على المستوى العام.

  • أخيراً، يتأثر نظام الفائز الأول، بشكل كبير، بمسألة ترسيم الدوائر الانتخابية. فللتقسيمات الانتخابية تبعاتها السياسية، إذ لا توجد حلول فنية لتوفير حل أمثل بمعزل عن الاعتبارات السياسية وغيرها. وقد تتطلب عملية ترسيم الدوائر الانتخابية إلى الكثير من الوقت والموارد للخروج بنتائج مرضية وشرعية. وقد تواجه العملية الكثير من الضغوطات ومحاولات التلاعب والتقسيم القائم على أساس تفضيل جهات معينة على حساب جهات أخرى. وهذا ما اتضح جلياً في انتخابات العام 1993 في كينيا، حيث أدى الاختلال الكبير في أحجام الدوائر الانتخابي إلى تمكين الحزب الحاكم (حزب الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني) من الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان رغم حصوله على 30 بالمئة فقط من مجمل أصوات الناخبين (في هذا المثال، ضمت أكبر دائرة انتخابية عدداً من الناخبين يفوق عددهم في أصغر دائرة بما يقارب 23 ضعفاً).

نـظـام الكـتـلـة (BV)

يتمثل نظام الكتلة، ببساطة، في استخدام نظام الأغلبية في دوائر انتخابية متعددة التمثيل (أي التي تنتخب أكثر من ممثل واحدة عن كل منها). ويتمتع الناخبون بعدد من الأصوات يساوي عدد المقاعد التي يتم انتخابها عن دوائرهم، بحيث يمكنهم الاقتراع لأي من المرشحين على ورقة الاقتراع، بغض النظر عادةً عن انتماءاتهم الحزبية. وفي غالبية نظم الكتلة، يمكن للناخب الإدلاء بما شاء من الأصوات التي يمتلكها طالما لم يتعدى ذلك عدد المقاعد المخصصة لدائرته الانتخابية. ولقد استخدم نظام الكتلة في الأردن في العام 1989، وفي منغوليا في العام 1992، وفي كل من الفلبين والتايلاند حتى العام 1997، إلا أن هذه البلدان قامت بتغييره نظراً لعدم الارتياح لنتائجه.

ميـزات وعيـوب نـظام الـكتـلـة (BV)

الميزات

 

من حسنات نظام الكتلة أنه يمكّن الناخبين من اختيار مرشحيهم بحرية أكبر ودون الأخذ بانتماءاتهم الحزبية، ولكونه يفسح المجال لتقسيم البلد إلى دوائر انتخابية متعادلة الحجم نسبياً، في الوقت الذي يؤكد على دور أكثر أهمية للأحزاب السياسية، بالمقارنة مع نظام الفائز الأول، دافعاً باتجاه تقوية وتمكين الأحزاب الأكثر تماسكاً والأفضل تنظيماً.

 

العيوب

 

أما أهم مساوئه فتتمثل في انعكاساته غير المتوقعة وغير المرغوب فيها أحياناً على نتائج الانتخابات. فعندما يقوم الناخبون بالاقتراع بمجمل أصواتهم لصالح مرشحي حزب ما على سبيل المثال، يؤدي ذلك إلى تضخيم الاختلالات الناتجة عن نظام الفائز الأول فيما يتعلق بالتناسب بين عدد الأصوات وما تفضي إليه من مقاعد. وهذا ما يحصل بشكل خاص عندما تقوم الأحزاب بتسمية مرشحين لها لكافة المقاعد المتنافس عليها الدائرة وبحث ناخبيها للاقتراع لكل منهم. ففي انتخابات عام 1982 وعام 1995 في موريشيوس، على سبيل المثال، فاز حزب المعارضة بكافة مقاعد البرلمان بحصوله على 64 بالمئة وعلى 65 بالمئة، على التوالي، من أصوات الناخبين. ونتج عن ذلك مصاعب جمة أمام عمل النظام البرلماني بشكل فاعل والقائم على وجود حكومة ومعارضة. وخفف من ذلك، ولو بشكل جزئي، اللجوء إلى ما يعرف "بأفضل المواقع الخاسرة" لملئ بعض المقاعد.

 

أما في التايلاند فوجد نظام الكتلة كعامل أدى إلى انقسام وتشرذم الأحزاب السياسية. إذ أن النظام يسهم في تنافس مرشحي الحزب الواحد فيما بينهم نظراً لتمكن الناخبين من الاقتراع لأكثر من مرشح واحد في دوائرهم الانتخابية، حتى ولو كان كل منهم ينتمي لحزب مغاير. وعليه ينظر أحياناً لنظام الكتلة على أنه يسهم في الانقسامات الداخلية للأحزاب السياسية واسشراء الفساد في صفوفها.

 

لذلك نجد بأن بعض الدول قد هجرت هذا النظام واستغنت عن استخدامه في السنوات الأخيرة معتمدةً نظماً أخرى. إذ تحولت كل من التايلاند والفلبين من نظام الكتلة إلى نظام مختلط في نهايات التسعينات من القرن الماضي. وفي كلتا الحالتين برر التحول كمحاولة لمحاربة شراء الأصوات والعمل على تطوير الأحزاب السياسية وتقويتها.

نـظـام الكـتـلـة الحـزبيـة (PBV)

على عكس ما يحصل في ظل نظام الفائز الأول، يقوم نظام الكتلة الحزبية على وجود دوائر انتخابية متعددة التمثيل، حيث يملك الناخب صوتاً واحداً يستخدمه لممارسة خياره بين قوائم حزبية من المرشحين بدلاً من الاختيار بين المرشحين الأفراد. ويفوز الحزب (أو القائمة) الحاصل على أعلى الأصوات بكافة مقاعد الدائرة الانتخابية، وبذلك يتم انتخاب كافة مرشحيه على القائمة. وكما هي الحال في نظام الفائز الأول لا يتحتم على الفائز الحصول على الأغلبية المطلقة من الأصوات. وحسب المعطيات المتوفرة حتى عام 2004، يتم استخدام هذا النظام في أربع دول هي: الكاميرون، والتشاد، وجيبوتي، وسنغافورة.

ميـزات وعيـوب نـظام الـكتـلـة الحزبية (BV)

الميزات

 

تتمثل أهم مزايا هذا النظام في كونه سهل الاستخدام، ويعمل على تحفيز الأحزاب السياسية وتمكينها من ترشيح مجموعات مختلطة من المرشحين وذلك عملاً على تمكين الأقليات من الحصول على تمثيل لها. ويمكن استخدامه لتحقيق تمثيل عرقس متوازن، حيث أنه يمكن الأحزاب من تقديم قوائم مرشحين تشتمل على تنوع عرقي، وقد يتم تصميمه بشكل يلزم الأحزاب القيام بذلك.

 

العيوب

 

إلا أن نظام الكتلة الحزبية يعاني من معظم المساوئ المتعلقة بنظام الفائز الأول، إذ أنه قد يؤي إلى نتائج غير تناسبية من خلال تمكينه لحزب ما الفوز بكافة المقاعد بالرغم من حصوله على أغلبية بسيطة من الأصوات. ففي انتخابات عام 1997 في جيبوتي فاز ائتلاف التجمع من أجل الأغلبية الرئاسية الحاكم بكافة مقاعد البرلمان، تاركاً بذلك حزبي المعارضة خارج نطاق التمثيل البرلماني.

نـظام الـصـوت البـديـل (AV)

تنتظم الانتخابات في ظل هذا النظام عادةً على أساس الدوائر الانتخابية أحادية التمثيل، كما هي الحال في ظل نظام الفائز الأول. إلا أن نظام الصوت البديل يعطي الناخب خياراً أوسع مما يعطيه نظام الفائز الأول لدى ممارسة الاقتراع. فبدلاً من تحديد مرشحهم المفضل على ورقة الاقتراع، يقوم الناخبون حسب هذا النظام بترتيب المرشحين حسب الأفضلية وذلك من خلال إعطاء المرشح المفضل الرقم "1" ومن ثم إعطاء الذي يليه في الأفضلية الرقم "2" ومن ثم الرقم "3" للذي يليه وهكذا. وبهذا الشكل يعطي نظام الصوت البديل الناخبين إمكانية التعبير عن أفضلياتهم بدلاً من التعبير عن خيارهم الأول فقط. ولهذا السبب يعرف هذا النظام عادةً بنظام الصوت التفضيلي في البلدان التي تعتمده (كما هي الحال بالنسبة لنظام بوردا، ونظام الصوت الواحد المتحول ونظام الصوت الإضافي والتي تعتبر جميعها من فصيلة النظم التفضيلية).

 

يختلف هذا النظام عن نظام الفائز الأول كذلك في طريقة عد الأصوات. فعلى الرغم من فوز المرشح الحاصل على الأغلبية المطلقة للأصوات (50 بالمئة زائد واحد) بشكل مباشر، كما يحصل في نظام الفائز الأول ونظام الجولتين، إلا أنه في حال عدم حصول أي من المرشحين على تلك الأغلبية من الأصوات، يتم إقصاء المرشح الحاصل على أدنى عدد من الأفضليات الأولى من عملية عد الأصوات، ويتم احتساب تلك الأوراق استناداً إلى الأفضلية الثانية (الرقم "2") في كل منها. ويتم احتساب كل ورقة منها لصالح المرشح الحاصل على أعلى الأفضليات. ويتم تكرار هذه العملية إلى أن يحصل أحد المرشحين على الأغلبية المطلقة المطلوبة من الأصوات ويفوز بذلك في الانتخاب. وعليه فإن نظام الصوت البديل هو أحد نظم الأغلبية

 

من الممكن، وليس من الضروري، أن يطلب من الناخبين في ظل النظم التفضيلية كنظام الصوت البديل أن يقوموا بترقيم كافة أو معظم المرشحين على ورقة الاقتراع حسب ترتيب الأفضليات، وذلك لتفادي ضياع الأصوات في المراحل المتقدمة من عملية العد بسبب عدم تعبيرها عن مزيد من الأفضليات المتسلسلة. إلا أن ذلك من شأنه أن يعمل على زيادة عدد الأصوات الباطلة، كما وأنه يرفع من أهمية الأفضليات التي يجبر الناخب للتعبير عنها بين مرشحين لا يعنونه بأي شكل من الأشكال أو يرفضهم بشكل تام.

ميـزات وعيـوب نـظام الـصـوت البـديـل (AV)

الميزات

 

تتمثل أهم مزايا هذا النظام في تمكين الأصوات المعطاة لمجموعة من المرشحين من التراكم، بحيث يمكن توفيق الاهتمامات المتقاربة على الرغم من اختلافها من أجل الحصول على تمثيل في البرلمان. كما وأن نظام الصوت البديل يمكن الناخبين المؤيدين للمرشحين ذوي الحضوض الضئيلة بالفوز من التأثير في انتخاب المرشح الأوفر حضاً من خلال أفضلياتهم الثانية والثالثة على ورقة الاقتراع. وعليه كثيراً ما يعتبر هذا النظام على أنه عامل محفز باتجاه انتهاج سياسات الوسط، وذلك لكونه يدفع بالمرشحين للعمل على كسب الأفضليات الثانية أو الثالثة للناخبين الآخرين من غير مؤيديهم الأساسيين. وهو ما يتطلب من المرشحين العمل على توسيع دوائر التأييد بدلاً من حصر جهودهم في أطر ضيقة. وعادةً ما تدعم التجربة الأسترالية في استخدام هذا النظام هذه الميول: إذ كثيراً ما تعمل الأحزاب الكبيرة على الاتفاق مع الأحزاب الصغيرة من أجل الحصول على الأفضليات الثانية من مؤيديها قبل كل عملية انتخابية، الأمر الذي يعرف "بتبادل الأفضليات". بالإضافة إلى ذلك، وبسبب مطلب الأغلبية الذي يقوم عليه نظام الصوت البديل، فهو يرفع من مستوى التأييد للمرشحين المنتخبين، الأمر الذي ينتج عنه مستوىً أعلى من الشرعية المكتسبة.

 

وتدل التجربة في كل من استراليا وبابوا غينيا الجديدة على إمكانيات نظام الصوت البديل في الدفع باتجاه انتهاج سياسات تعاونية وأكثر شمولية. وفي السنوات الأخيرة تم اعتماد نظام الصوت البديل أو أحد متغيراته (الصوت الإضافي) لتنظيم الانتخابات الرئاسية في البوسنة ولانتخاب رؤساء البلديات في كل من لندن وسان فرانسيسكو.

 

العيوب

 

ولنظام الصوت البديل عيوبه كذلك، فهو يتطلب مستويات جيدة من الوعي والثقافة لتطبيقه بشكل صحيح، كما وأنه قد يؤدي إلى نتائج غير تناسبية بسبب استخدامه في دوائر أحادية التمثيل بالمقارنة مع نظم التمثيل النسبي، وحتى بالمقارنة مع نظام الفائز الأول في بعض الحالات. كذلك فإن ميول هذا النظام لإفراز نتائج وسطية يستند إلى حد كبير على العوامل الاجتماعية والديمغرافية المحيطة به: فبينما تمخضت عنه نتائج أكثر اعتدالاً من حيث التمثيل النسبي لمختلف المجموعات العرقية في انتخابات الستينات والسبعينات من القرن الماضي في بابوا غينيا الجديدة، الأمر الذي أدى إلى إعادة اعتماده مؤخراً، ما انفكت الانتقادات تتوارد حول استخدامه في بلد آخر من بلدان المحيط الهادئ، فيجي، منذ البدء في استخدامه في 1997. أخيراً وكما اتضح من خلال تطبيق هذا النظام في انتخابات مجلس الشيوخ في أستراليا بين الأعوام 1919 و 1946، لا يعمل نظام الصوت البديل بشكل جيد في ظل وجود دوائر انتخابية كبيرة متعددة التمثيل.

نـظام الجـولتيـن (TRS)

كما يستدل من اسمه، يقوم هذا النظام على انتظام العملية الانتخابية من خلال جولتين انتخابيتين بدلاً من الجولة الواحدة، عادةً ما يفصل بينهما فاصل زمني قصير، حيث تسير الجولة الأولى بذات الطريقة التي يتم فيها تنظيم الانتخاب على أساس الجولة الواحدة ضمن نظم التعددية/الأغلبية، وغالباً ما يكون ذلك استناداً إلى نظام الفائز الأول. إلا أنه من الممكن استخدام نظام الجولتين في دوائر انتخابية متعددة التمثيل، من خلال استخدام نظام الكتلة (كما هي الحال في كيريباتي) أو نظام الكتلة الحزبية (كما هي الحال في مالي). ويفوز في الانتخاب بشكل مباشر في الجولة الأولى، ودون الحاجة إلى جولة ثانية، الحزب أو المرشح الحاصل على أغلبية معينة من الأصوات، عادةً ما تكون الأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين الصالحة، على الرغم من اعتماد بعض الدول لأغلبية أخرى في الانتخابات الرئاسية لدى استخدامها لنظام الجولتين. وفي حال عدم فوز أي من الأحزاب أو المرشحين بتلك الأغلبية في الجولة الأولى، يتم تنظيم جولة انتخابية ثانية يفوز فيها بالانتخاب الحزب أو المرشح الحاصل على أعلى الأصوات.

 

أما التفاصيل المتعلقة بالجولة الثانية فتختلف من حالة إلى أخرى. والطريقة الأكثر شيوعاً تتمثل في حصر المنافسة في الجولة الثانية بين المرشحين (أو الحزبين) الحاصلين على أعلى الأصوات في الجولة الأولى، وهو ما يعرف بنظام الجولتين المستند إلى الأغلبية، إذ ينتج عنه بالضرورة فوز أحد المرشحين (أو الحزبين) بالأغلبية المطلقة للأصوات في الجولة الثانية وبالتالي فوزه في الانتخاب. أما الطريقة الأخرى، والتي تعرف بنظام الجولتين المستند إلى التعديية/الأغلبية، والذي يتم استخدامه في الانتخابات التشريعية في فرنسا، فتتمثل في تمكين أي مرشح يحصل على ما يزيد عن 12.5 بالمئة من أصوات الناخبين المسجلين في الجولة الأولى المشاركة في الجولة الثانية من الانتخابات. ويفوز في الانتخاب في الجولة الثانية المرشح الحاصل على أعلى الأصوات، بغض النظر عما إذا حصل على الأغلبية المطلقة للأصوات أم لا. وبالتالي فهذه الطريقة تختلف عن سابقتها، حيث يمكن أن يشارك في الجولة الانتخابية الثانية عدد أكبر من المرشحين لا ينحصر في مرشحين اثنين فقط.

ميـزات وعيـوب نـظام الجـولتيـن (TRS)

 

الميزات

 

  • تتمثل أهم مزايا نظام الجولتين في أنه يعطي الناخبين فرصة ثانية للاقتراع لصالح مرشحهم المفضل من جديد، أو لتغيير رأيهم بين الجولة الأولى والثانية. وبذلك فهو يتحلى ببعض مزايا النظم التفضيلية، كنظام الصوت البديل، في نفس الوقت الذي يمكّن الناخبين من التعبير عن خيار آخر جديد في الجولة الثانية مغاير كلياً لخيارهم في الجولة الأولى.

  • يعمل نظام الجولتين على تحفيز الائتلافات واتفاقات الدعم المتبادل بين المرشحين المتقدمين على غيرهم في الجولة الأولى، وذلك تحضيراً للجولة الثانية، مما يؤدي إلى توافقات استراتيجية بين الأحزاب والمرشحين. كما وأنه يعطي الأحزاب السياسية وجمهور الناخبين الفرصة للتفاعل مع المتغيرات السياسية الحاصلة في الفترة الفاصلة بين الجولتين الانتخابيتين.

  • يحد هذا النظام من مشكلة انقسام الأصوات، وهو ما تعاني منه كثيراً من نظم التعددية/الأغلبية، حيث تنقسم الأصوات بين حزبين أو مرشحين متقاربين أو متماثلين، مما ينتج عنه فوز حزب أو مرشح آخر أقل شعبية. ومن ناحية أخرى، لكونه لا يتطلب من الناخبين ترتيب المرشحين على ورقة الاقتراع حسب الأفضلية والتعبير عن أفضلياتهم الأولى، فالثانية وهكذا، فقد يكون نظام الجولتين أكثر ملاءمة من النظم التفضيلية للبلدان التي تعاني من وجود نسب عالية من الأميين.

 

العيوب

 

  • قد يثقل نظام الجولتين كاهل الإدارة الانتخابية، والتي تضطر بموجبه لتنظيم عملية انتخابية ثانية خلال مدة زمنية قصيرة بعد الانتهاء من الأولى، مما يزيد من أعباء العملية الانتخابية وتكلفتها المادية، بالإضافة إلى مزيد من التأخير في الإعلان عن نتائج الانتخابات النهائية. الأمر الذي قد يؤدي إلى شئ من عدم الاستقرار والغموض. زد على ذلك كونه يلقي المزيد من الأعباء على كاهل الناخبين، من خلال اضطرارهم للقيام بالاقتراع مرتين متتاليتين، الأمر الذي كثيراً ما ينتج عنه انخفاض حاد في مستويات المشاركة في الجولة الثانية مقارنة بالأولى.

  • يعاني نظام الجولتين من كثير من مساوئ نظام الفائز الأول. ولقد أظهرت الدراسات بأن هذا النظام يفرز في فرنسا أقل النتائج الانتخابية تناسباً في الديمقراطيات الغربية، كما وأنه يميل إلى شرذمة الأحزاب السياسية وتشجيع الانقسامات بداخلها في الديمقراطيات الناشئة.

  • تتعلق أكثر العيوب الناتجة عن نظام الجولتين جديةً بالتبعات المترتبة على تطبيقه في المجتمعات المنقسمة على ذاتها. ففي انتخابات العام 1992 في أنغولا، والتي كان يفترض أن تفضي إلى سلام داخلي في البلد، نتج عن الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية فوز قائد المتمردين، جوناس سافيمبي، بالمرتبة الثانية بمجموع 40 بالمئة من الأصوات، مقابل 49 بالمئة لصالح مرشح الحزب الحاكم، جوسيه دوسانتوس. ولقد استدل قائد المتمردين من ذلك بأن حضوضه في الفوز بالجولة الثانية معدومة، وعليه فضل عدم الاستمرار في اللعبة الديمقراطية والقيام بدور المعارضة، وبدلاً من ذلك عاد فوراً إلى إشعال الحرب الأهلية والتي استمرت بعد ذلك لعقد إضافي من الزمن. أما في انتخابات العام 1993 في الكونغو (برازافيل)، فلقد أدى الانطباع السائد لدى أحزاب المعارضة بأن الحزب الحاكم سيكتسح الساحة ويحصل على أعلى النتائج في الجولة الثانية إلى مقاطعة المعارضة للجولة الثانية واللجوء إلى الصدام المسلح. وفي كلتا الحالتين، فلقد كانت المؤشرات الناتجة عن الجولة الأولى بأن أحد المتنازعين سيخسر الانتخابات في الجولة الثانية بمثابة الشرارة التي ولدت العنف. وفي انتخابات العام 1992 في الجزائر، نتج عن فوز مرشح جبهة الإنقاذ الإسلامي في الجولة الأولى تدخل المؤسسة العسكرية وإلغاء الجولة الثانية من الانتخابات.

نـظم التـمثيـل النسـبي (PR)

تقوم الفكرة الأساسية لنظم التمثيل النسبي على تقليص الفارق النسبي بين حصة الحزب المشارك في الانتخابات من أصوات الناخبين على المستوى الوطني وحصته من مقاعد الهيئة التشريعية (البرلمان) التي يتم انتخابها. فلو فاز حزب كبير بما نسبته 40 بالمئة من الأصوات، يجب أن يحصل على ذات النسبة تقريباً من مقاعد البرلمان، وكذلك الحال بالنسبة للحزب الصغير الذي يفوز بنسبة 10 بالمئة من الأصوات يجب أن يحصل كذلك على حوالي 10 بالمئة من تلك المقاعد. ويعمل هذا المبدأ على تعزيز ثقة مختلف الأحزاب بالنظام الانتخابي وبالتالي تأييدهم له.

 

يتطلب تنفيذ نظم التمثيل النسبي وجود دوائر انتخابية معتددة التمثيل، إذ لا يمكن توزيع المقعد الواحد نسبياً. وهناك نوعان رئيسيان من نظم التمثيل النسبي وهما نظام القائمة النسبية (List PR) ونظام الصوت الواحد المتحول (STV). وكثيراً ما يعتقد بأن اللجوء إلى استخدام القوائم الحزبية يزيد من فرص تحقيق النسبية في التمثيل، حيث تقوم الأحزاب السياسية بتقديم قوائم من المرشحين سواء على المستوى الوطني أو المحلي، إلا أنه يمكن تحقيق ذلك من خلال نظم الانتخاب التفضيلية أيضاً: فنظام الصوت الواحد المتحول، حيث يقوم الناخبون بترتيب المرشحين على ورقة الاقتراع بالتسلسل حسب الأفضلية في الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل، يعتبر نظاماً نسبياً آخر أثبت فعاليته في هذا الاتجاه.

 

هناك الكثير من الاعتبارات ذات التأثير الكبير والمباشر على طريقة عمل نظم التمثيل النسبي على أرض الواقع. فكلما زاد عدد المرشحين المنتخبين عن كل دائرة انتخابية كلما ارتفع مستوى النسبية في النظام الانتخابي. كما وأن نظم التمثيل النسبي تختلف فيما بينها بماهية الخيارات التي توفرها للناخب، من حيث استطاعة الناخب الاختيار بين الأحزاب السياسية أو المرشحين الأفراد أو كليهما معاً.

ميـزات التـمثيـل النسـبي (PR)

 

تمتاز نظم التمثيل النسبي بشكل أساسي بكونها تعمل على تفادي النتائج غير المرغوب بها لنظم التعددية/الأغلبية مما يجعلها صالحة لإفراز هيئات تشريعية تمثيلية بشكل أفضل. ففي كثير من الديمقراطيات الناشئة، وخاصة تلك التي تواجه انقسامات اجتماعية حادة، قد تصبح مسألة إشراك كافة المجموعات والمكونات الاجتماعية شرطاً مفصلياً لا غنى عنه لتدعيم النظام الديمقراطي بشكل عام. إذ أن الفشل في توفير الفرصة الحقيقة لكافة الأقليات، بالإضافة للأكثرية، للمشاركة في صنع القرار وتطوير النظام السياسي من شأنه أن يفضي إلى نتائج كارثية.

 

وتتلخص أهم مميزات نظم التمثيل النسبي بما يلي:

  • تعمل هذه النظم على ترجمة الأصوات إلى مقاعد بشكل دقيق، متفادية بذلك بعض النتائج المترتبة على نظم التعددية/الأغلبية الأكثر مدعاة للقلق والأقل عدالة. حيث تعمل هذه النظم على الحد من حصول الأحزاب الكبيرة على مقاعد إضافية تفوق نسبتها من أصوات الناخبين، في الوقت الذي تسمح للأحزاب الاصغيرة الوصول إلى البرلمان من خلال الحصول على أعداد محدودة من أصوات الناخبين.

  • تحفز نظم التمثيل النسبي قيام الأحزاب السياسية أو تشكيل التجمعات الانتخابية من قبل المرشحين المتقاربين فكرياً لتقديم قوائم من المرشحين للانتخاب. ومن شأن ذلك الإسهام في إيضاح السياسات والاختلافات الأيديولوجية والقيادية القائمة ضمن مجتمع ما، خاصةً عندما يفتقد ذلك المجتمع لأحزاب سياسية قوية ومتماسكة، كما كانت عليه الحال في تيمور الشرقية لحظة استقلالها.

  • ينتج عن هذه النظم انحسار في أعداد الأصوات الضائعة أو المهدورة. فعندما تنخفض نسبة الحسم تفضي كافة الأصوات تقريباً إلى انتخاب مرشح ما. وهو ما يزيد من قناعة الناخب بالفائدة من المشاركة في العملية الانتخابية والتوجه إلى مراكز الاقتراع، حيث تزداد القناعة لدى الناخبين بأن لأصواتهم تأثير حقيقي من شأنه أن يحدث تغييراً فعلياً في نتائج الانتخاب، مهما كان ذلك التغيير متواضعاً.

  • تساعد نظم التمثيل النسبي أحزاب الأقليات في الحصول على تمثيل لها. فعدا تلك الحالات التي ترتفع فيها نسبة الحسم إلى مستويات غير مقبولة، أو يصغر فيها حجم الدوائر الانتخابية بشكل غير معتاد، يصبح بإمكان أي حزب يحصل على نسبة بسيطة من أصوات الناخبين الحصول على تمثيل له في البرلمان. وهذا ما يحقق مبدأ التعددية والذي يمكن اعتباره أساسياً في استقرار المجتمعات المنقسمة، بالإضافة إلى فوائده المثبتة والمتعلقة بعملية اتخاذ القرارات في الديمقراطيات الراسخة.

  • تعمل هذه النظم على تحفيز الأحزاب السياسية للتوجه إلى أطر واسعة من الناخبين، خارج نطاق الدوائر التي يكثر فيها مؤيديها أو تلك التي تتوقع حصول منافسة أكبر فيها. حيث أن الحافز الحقيقي في ظل نظم التمثيل النسبي يكمن في العمل على الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصوات، بغض النظر عن مصدر تلك الأصوات. إذ يمكن لكل صوت إضافي، حتى ولو أتى من مواقع يضعف فيها تواجد الحزب، أن يسهم في الحصول على مقعد إضافي.

  • تحد هذه النظم من نمو ما يعرف بالإقطاعيات المحلية. وذلك لكونها تمنح الأحزاب الصغيرة فرصة الحصول على بضعة مقاعد، مما يقلل من إمكانية حصول الحزب الواحد على كافة مقاعد الدائرة الانتخابية الواحدة. وهو ما تزيد أهميته بالنسبة للأقليات، خاصةً تلك التي لا تتمركز في مواقع جغرافية محددة ومحصورة ولا تملك وسائل بديلة للحصول على تمثيل لها.

  • تقود نظم التمثيل النسبي إلى تحقيق مستويات أعلى من الاستمرارية واستقرار السياسات. فقد أثبتت التجارب في أوروبا الغربية نجاعة هذه النظم لدى اعتمادها لانتخاب البرلمانات في تحقيق استقرار أفضل للحكومات، بالإضافة إلى تحقيق مستويات أعلى من المشاركة والأداء الإقتصادي. أما السبب في ذلك فيعود إلى أن التناوب المتكرر في مقاليد الحكم بين أحزاب سياسية متناقضة كلياً من الناحية الأيديولوجية، كما يمكن أن يحصل في ظل نظام الفئز الأول، يصعب عملية التخطيط الإقتصادي على المدى الطويل، بينما تسهم الحكومات الائتلافية الناتجة عن النظم النسبية في تأصيل الاستقرار والتماسك في القرارت الهامة والتي تفسح المجال أمام التطوير والنمو المستدام.

  • تسهم هذه النظم في تجذير مبدأ الشراكة في الحكم بين الأحزاب والمجموعات ذات الاهتمامت المختلفة. ففي كثير من الديمقراطيات الناشئة تعتبر مسألة الشراكة في الحكم بين الأكثرية العددية للسكان والتي تسيطر على القوة السياسية والأقلية التي تسيطر على القوة الإقتصادية في البلد أمراً لا بد منه وحقيقة لا يمكن تجاهلها. إذ نرى بأنه حيث تنفرد الأكثرية العددية بالسيطرة على السلطة بينما تنحصر اهتمامات الأقلية في السيطرة على مصادر الثروة والقوة الإقتصادية تصبح المشادات بين مختلف مصادر القوى أقل وضوحاً وأكثر ضبابية ولا تخضع لبمادئ المساءلة والمحاسبة (كما حصل في زمبابوي خلال العشرين سنة الأولى من استقلالها على سبيل المثال). وعليه، فكثيراً ما يعتقد بأن نظم التمثيل النسبي، ومن خلال إشراك كافة المجموعات في السلطة التشريعية، توفر فرصة أكبر لاتخاذ القرارت الهامة تحت الضوء وعلى مرأى من أعين العامة وبما يحقق متطلبات شرائح أوسع من المجتمع.

عيـوب التـمثيـل النسـبي (PR)

 

لنظم التمثيل النسبي مساوئها كذلك، وأهمها كونها تميل إلى إفراز حكومات ائتلافية وتعمل على شرذمة الأحزاب السياسية. أما أهم الانتقادات الموجهة عادةً لهذه النظم فتكمن في كونها تقود إلى ما يلي:

  • حكومات ائتلافية تفضي بدورها إلى اختناقات في سير الأعمال التشريعية وما ينتج عنه من عدم القدرة على تنفيذ السياسات المتماسكة. وتزداد خطورة الوقوع في ذلك بشكل خاص في حالات ما بعد الصراع والمراحل الانتقالية، حيث تكون تطلعات الشعب للانجازات الحكومية في أوجها. إذ يمكن للحكومات الائتلافية وحكومات الوحدة الوطنية المشكلة من أحزاب مختلفة الحؤول دون القدرة على اتخاذ القرارات بشكل سريع ومتماسك.

  • انقسامات في الاحزاب السياسية تمس باستقرار النظام السياسي. حيث يمكن لنظم التمثيل النسبي أن تؤدي إلى، أو على الأقل أن تسهم في تشرذم الأحزاب السياسية. وقد يفسح تعدد الأحزاب السياسية بشكل كبير المجال أمام الأحزاب الصغيرة جداً لاستنزاف الأحزاب الكبيرة ودفعها إلى تقديم التنازلات الكبيرة بهدف تشكيل حكومة ائتلافية. وهنا يعتبر البعض ميزة التعددية في نظم التمثيل النسبي كأحد ارتداداتها السلبية. ففي إسرائيل على سبيل المثال، عادةً ما تلعب الأحزاب الدينية المتطرفة الصغيرة دوراً مفصلياً في تشكيل الحكومات، بينما عانت إيطاليا لسنوات طويلة من تقلبات مستمرة وانعدام في استقرار الحكومات الائتلافية المتعاقبة. وكثيراً ما تتخوف البلدان المتحولة إلى النظام الديمقراطي من أن تؤدي نظم التمثيل النسبي إلى ظهور الأحزاب السياسية المستندة إلى قيادات تقليدية أو جماعات عرقية، وذلك بسبب عدم تطور نظامها الحزبي السياسي بشكل عام.

  • استخدامها كقاعدة لظهور الأحزاب المتاطرفة. إذ كثيراً ما تنتقد نظم التمثيل النسبي لكونها تفسح المجال أمام الأحزاب المتطرفة، اليسارية أو اليمينية على حد سواء، للحصول على تمثيل في الهيئة التشريعية. فلقد رأى الكثيرون في أن أحد الأسباب خلف انهيار جمهورية ويمر في ألمانيا يعود إلى كيفية إعطاء النظام الانتخابي النسبي الفرصة للأحزاب المتطرفة اليمينية واليسارية للحصول على موطئ قدم لها في السلطة.

  • حكومات ائتلافية لا تتمتع بقدر كاف من الخلفية المشتركة سواء فيما يتعلق بسياساتها أو بقواعدها الشعبية. وكثيراً ما تتم مقارنة هذا النوع من ائتلافات المصلحة بالائتلافات المتماسكة الناتجة عن نظم انتخابية أخرى (مثل نظام الصوت البديل)، حيث تميل مختلف الأحزاب السياسية إلى الاعتماد، وبشكل متبادل، على أصوات الأحزاب الأخرى كذلك، مما يؤدي إلى قيام ائتلافات أقوى وأكثر تعاضداً.

  • حصول أحزاب سياسية صغيرة على حصص من السلطة لا تتناسب مع حجمها وقوتها الحقيقية. إذ قد تضطر الأحزاب الكبيرة للائتلاف مع أحزاب صغيرة جداً لتشكيل الحكومة، وذلك من خلال إعطاء الحزب الممثل لنسبة ضئيلة من الناخبين القدرة على تعطيل أية اقتراحات ومبادرات قد تأتي بها الأحزاب الكبيرة.

  • عدم قدرة الناخب على تنفيذ مبدأ المساءلة من خلال حجب ثقته وإقصاء حزب سياسي ما عن السلطة. حيث قد يكون من الصعب بمكان إقصاء حزب مركزي كبير من السلطة في ظل نظم التمثيل النسبي. فعندما تتشكل الحكومات من ائتلافات، نجد بأن بعض الأحزاب متواجدة دائماً في الحكومة بشكل أو بآخر، على الرغم من تراجع أدائها الانتخابي من حين لآخر. وعلى سبيل المثال، استمر الحزب الديمقراطي الحر في ألمانيا كعضو في كافة الحكومات الائتلافية على مدى خمسين عام، من عام 1949 إلى عام 1998، ما عدا فترة ثماني سنوات منها فقط، وذلك على الرغم من عدم حصوله أبداً على ما يزيد على 12 بالمئة من أصوات الناخبين في أفضل الحالات.

  • الصعوبات التي قد يفرضها تنفيذ هذه النظم على أرض الواقع، سواء بالنسبة للناخبين وقدرتهم على فهم بعض تفاصيل النظام، أو بالنسبة للإدارة الانتخابية في تطبيق قواعده المعقدة أحياناً. إذ تعتبر بعض نظم التمثيل النسبي أكثر تعقيداً من غيرها من النظم غير النسبية، وهو ما يتطلب جهوداً توعوية أكبر للناخبين، بالإضافة إلى مزيد من التدريب المهني لموظفي الانتخابات لضمان صحة العملية.

نظـام القـائمـة النسـبيـة (List PR)

يقوم نظام القائمة النسبية على تقديم كل حزب سياسي لقائمة من المرشحين في كل واحدة من الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل. ويقوم الناخبون بالاقتراع لصالح الأحزاب، حيث يفوز كل حزب سياسي بحصة من مقاعد الدائرة الانتخابية تتناسب مع حصته من أصوات الناخبين. ويفوز بالانتخاب المرشحون على قوائم الأحزاب وذلك بحسب ترتيبهم التسلسلي على القائمة. إلا أن اختيار نظام القائمة النسبية لا يحدد بمفرده شكل النظام الانتخابي المعتمد، حيث يتطلب ذلك تحديد مزيد من التفاصيل. إذ يمكن أن تستند الطريقة المعتمدة لاحتساب وتوزيع المقاعد بعد عد الأصوات إلى طريقة المتوسط الأعلى أو طريقة الباقي الأعلى. وللمعادلة المعتمدة لهذا الغرض تأثير ما، قد يكون كبيراً في بعض الأحيان، على نتائج الانتخابات في ظل نظم التمثيل النسبي. ففي انتخابات عام 1998 في كمبوديا، أدى التغيير المعتمد في المعادلة الانتخابية بضعة اسابيع قبل موعد الانتخابات إلى فوز أكبر الأحزاب السياسية بما مجموعه 64 مقعداً، بدلاً من 59 مقعد، من مقاعد الجمعية الوطنية البالغة 121 مقعداً. ولم تتقبل أحزاب المعارضة تلك النتائج بسهولة نظراً لعدم الإعلان عن ذلك التغيير في المعادلة بشكل كافٍ. وهذا المثال يدل على أهمية وعي القائمين على تصميم النظم الانتخابية بأصغر وأدق التفاصيل.

 

وهناك مسائل هامة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار لتحديد طريقة عمل نظام القائمة النسبية. فقد يفرض النطام المعتمد اجتياز نسبة حسم محددة للحصول على تمثيل في الهيئة التشريعية المنتخبة، وإذا كانت تلك النسبة مرتفعة (10 بالمئة، كما هو معمول به في تركيا على سبيل المثال) سيؤدي ذلك إلى اسثناء الأحزاب الصغيرة وحرمانها من الحصول على تمثيل لها، بينما قد تسمح لهم بذلك نسبة حسم منخفظة (1.5 بالمئة، كما هي الحال في إسرائيل مثلاً). في جنوب أفريقيا لا توجد نسبة حسم، وقد أدى ذلك في انتخابات عام 2004 إلى فوز الحزب المسيحي الديمقراطي الأفريقي بستة مقاعد من أصل 400 مقعد رغم حصوله على 1.6 بالمئة فقط من أصوات الناخبين. وتختلف نظم القائمة النسبية فيما بينها استناداً إلى إمكانية قيام الناخب بالاختيار بين المرشحين بالإضافة إلى اختياره بين مختلف الأحزاب، أي إذا ما كانت القوائم مغلقة، مفتوحة أم حرة. ولهذا الخيار تبعاته المتعلقة بسهولة أو صعوبة التعامل مع ورقة الاقتراع.

 

أما الخيارات الأخرى الخاصة بهذا النظام الانتخابي فتتعلق بترتيبات تجميع الأصوات، سواء كان ذلك بشكل رسمي أو غير رسمي؛ أو المجال المفتوح أمام الأحزاب السياسية لعقد الاتفاقات الانتخابية، كتلك التي تتعلق بتشكيل التكتلات الانتخابية؛ أو حجم الدوائر الانتخابية وطريقة ترسيمها.

ميـزات وعيـوب نظـام القـائمـة النسـبيـة (List PR)

 

الميزات

  • بالإضافة إلى الميزات التي تتمتع بها نظم التمثيل النسبي بشكل عام، يعمل هذا النظام على زيادة حضوض ممثلي الأقليات في الفوز بالانتخاب. فعندما يقترع الناخبون، كما هي العادة، بما يتماشى مع واقع التركيبة الاجتماعية والثقافية لمجتمع ما، يمكن لنظام القائمة النسبية أن يسهم في إفراز سلطة تشريعية تضم ممثلين عن كل من مجموعات الأكثرية والأقليات في ذلك المجتمع. وذلك لكون النظام يعمل كحافز لدى الأحزاب السياسية لتقديم قوائم متوازنة من المرشحين يمكنهم من خلالها التطلع لدعم أوسع شريحة ممكنة من الناخبين. ولقد أثبتت التجربة في عدد من الديمقراطيات الناشئة (كجنوب أفريقيا، وأندونيسيا، وسيراليون) بأن نظام القائمة النسبية يفسح المجال أمام الأحزاب السياسية لتقديم قوائم من مرشحين ينتمون لمجموعات عرقية وإثنية مختلفة. وعلى سبيل المثال، ضمت الجمعية الوطنية المنتخبة في جنوب أفريقيا سنة 2004 ما نسبته 52 بالمئة من الممثلين السود (بما في ذلك 11 بالمئة من جماعة الزولو، بينما توزع الباقون على أكثر من ثمانية جماعات أخرى)، و32 بالمئة من البيض (ثلثهم من الناطقين بالإنجليزية والثلثين الآخرين من الجماعات الناطقة بلغة الأفريكان)، و7 بالمئة من السمر، بالإضافة إلى 8 بالمئة من الهنود. وكذلك الحال بالنسبة لتركيبة البرلمان في ناميبيا، والتي تضم ممثلين ينتمون لجماعات مختلفة مثل الأوفامبو، والدامارا، والهيريرو، والناما، والباستر، بالإضافة إلى بعض البيض.

  • يعطي نظام القائمة النسبية فرصاً أكبر لحصول المرأة على تمثيل لها، وذلك استناداً إلى توفير نظم التمثيل النسبي عامةً فرصاً أكبر لانتخاب الممثلات من النساء مما توفره نظم التعددية/الأغلبية. إذ يمكن هذا النظام الأحزاب السياسية من تضمين قوائمهم لمرشحات من النساء والدفع بذلك باتجاه انتخابهن من قبل الناخبين دون أن يكون ذلك بالضرورة استناداً إلى اعتبارات جندرية (تتعلق بالنوع) بالضرورة. وكما سبق وبينا أعلاه، يحفز وجود الدوائر الانتخابية أحادية التمثيل معظم الأحزاب للبحث عن المرشح الأكثر حظاً بالفوز حسب اعتقادهم، وهو الموقع الذي قل ما تحتله امرأة في كثير من المجتمعات. ونجد بأن نتائج النظم النسبية، في كافة أنحاء العالم دون استثناء، أفضل من نتائج نظام الفائز الأول فيما يتعلق بعدد النساء المنتخبات. ويعتمد 14 بلد من بين أفضل 20 بلد في هذا المجال نظام القائمة النسبية. وحسب المعطيات المتوفرة حتى عام 2004 فلقد فاق متوسط عدد النساء المنتخبات لعضوية الهيئات التشريعية حول العالم من خلال نظام القائمة النسبية بحوالي 4.3 بالمئة متوسط عددهن الكلي والبالغ ما نسبته 15.2 بالمئة، بينما كان عددهن في ظل نظام الفائز الأول يقل بما نسبته 4.1 بالمئة عن ذلك المعدل.

 

العيوب

بالإضافة إلى ما ورد حول مساوئ نظم التمثيل النسبي عامةً، يمكن التطرق كذلك إلى الجوانب التالية:

  • صلات ضعيفة وعلاقة غير وثيقة بين الممثلين ومنتخبيهم. فعندما يستخدم نظام القائمة النسبية، ويتم توزيع المقاعد من خلال دائرة انتخابية وطنية واحدة، كما هي الحال في ناميبيا أو إسرائيل، ينتقد النظام لكونه يقضي عملياً على العلاقة بين الناخبين وممثليهم. وفي حال استخدام القوائم المغلقة لا يملك الناخبون أية إمكانية لتحديد هوية ممثليهم، ولا تحديد من يمثل بلداتهم أو دائرتهم أو منطقتهم، كما ولا يمكنهم رفض أو إقصاء ممثل ما قد يرون بأنه أخفق في تمثيل مصالحهم. وفي بعض الدول النامية، حيث يتمركز غالبية الناخبون في مجتمعات ريفية، تكون تبعيتهم وولائهم لمناطق سكناهم أقوى بكثير من ولائهم لأي من الأحزاب السياسية أو المجموعات الأخرى. إلا أن هذا الانتقاد يمكن حصره في التمييز بين النظم التي يقترع فيها الناخبون لصالح الأحزاب السياسية فقط، وتلك التي يقترعون فيها لصالح المرشحين الأفراد.

  • تركيز السلطة في أيدي القيادات الحزبية ومقراتها الرئيسية، خاصةً في ظل استخدام القوائم المغلقة. إذ يعتمد موقع المرشح التسلسلي على قائمة الحزب، وبالتالي حضوضه بالفوز، على مدى رضى القيادات الحزبية عنه والتي عادةً ما تكون علاقاتها بجمهور الناخبين على قدر أقل من الأهمية. وفي تحريف غريب لنظام القائمة النسبية تقوم الأحزاب السياسية في غوايانا بنشر قوائم مرشحيها مرتبة حسب الترتيب الأبجدي للأسماء، وهو ما يعطي القيادات الحزبية مزيداً من القدرة على مكافأة الولاءات ومعاقبة العمل المستقل للمرشحين إذ أن توزيع المقاعد بين المرشحين لا يتم إلا بعد ظهور النتائج النهائية للانتخابات.

  • حاجة النظام إلى وجود شكل ما من الأحزاب السياسية أو التجمعات الانتخابية. وهو ما يجعل تنفيذ نظام القائمة النسبية صعب بشكل خاص في المجتمعات التي تفتقد للأحزاب السياسية الفاعلة، أو التي لا يوجد فيها إلا نواة لهيكلية حزبية هشة، كما هي الحال على سبيل المثال في الكثير من الدويلات/الجزر في منطقة المحيط الهادئ. وبينما يمكن السماح للمرشحين المستقلين المشاركة في الانتخابات في ظل تركيبات مختلفة من نظم التمثيل النسبي، من الناحية الفنية على الأقل، إلا أنه أمر صعب التطبيق ويفرض مزيداً من التعقيدات خاصةً فيما يتعلق بالأصوات الضائعة وطرق احتسابها.

نظـام الصـوت الواحـد المتـحول (STV)

دافع علماء السياسة لسنوات طويلة عن نظام الصوت الواحد المتحول كأكثر النظم الانتخابية جذباً، إلا أن استخدامه لتنظيم الانتخابات التشريعية ما زال محصوراً في بضعة حالات هي: جمهورية أيرلندا منذ عام 1921، ومالطا منذ عام 1947، كما تم استخدامه لمرة واحدة في انتخابات العام 1990 في إستونيا. كما ويستخدم هذا النظام في انتخابات مجلس الشيوخ في أستراليا وفي انتخابات بعض المقاطعات الأسترالية، وكذلك لتنظيم الانتخابات للبرلمان الأوروبي والانتخابات المحلية في أيرلندا الشمالية. ولقد تم اعتماده لأغراض الانتخابات المحلية في أسكوتلاندا ولانتخاب بعض الإدارات في نيوزيلندا. كما وتم اختياره كتوصية من قبل جمعية مواطني مقاطعة بريتيش كولومبيا.

 

ولقد قام كل من توماس هاري في بريطانيا وكارل أندراي في النمارك، كل على حدى، بابتكار مكونات هذا النظام الأساسية في القرن التاسع عشر. ويقوم نظام الصوت الواحد المتحول على أساس وجود دوائر انتخابية متعددة التمثيل، حيث يقوم الناخبون بترتيب المرشحين على ورقة الاقتراع بالتسلسل حسب الأفضلية، كما هي الحال في ظل نظاام الصوت البديل. وفي غالبية الأحوال، تكون عملية الترتيب هذه اختيارية، حيث لا يطلب من الناخبين ترتيب كافة المرشحين، ولهم إن أرادوا اختيار مرشح واحد فقط.

 

بعد الانتهاء من فرز وعد الأفضليات الأولى على أوراق الاقتراع، يتم تحديد عدد الأصوات المطلوبة لانتخاب المرشح الواحد. وعادة ما يتم استخراج ذلك عملاً "بحصة دروب"، والتي يتم احتسابها استناداً إلى المعادلة البسيطة التالية:

الحصة = [ عدد الأصوات / (عدد المقاعد + 1) ] + 1

 

يتم تحديد النتيجة النهائية للانتخابات في ظل نظام الصوت الواحد المتحول من خلال سلسلة من عمليات العد. ففي العد الأول، يتم احتساب مجموع الأفضليات الأولى التي حصل عليها كل مرشح. ويفوز بشكل مباشر المرشحون الحاصلون على عدد من الأفضليات الأولى يساوي أو يفوق الحصة التي تم تحديدها من خلال المعادلة المبينة أعلاه.

 

وتتم من خلال عمليات العد الثانية والتي تليها إعادة توزيع الفائض من أصوات المرشحين المنتخبين في العد الأول (تلك التي تزيد عن الحصة المطلوبة) استناداً إلى عدد الأفضليات الثانية على أوراق الاقتراع للمرشحين المتبقين. وللعمل على تحقيق أعلى مستوى من العدالة في عملية إعادة التوزيع، يتم توزيع أوراق كافة المرشحين، ولكن كل منها بحسب نسبة جزئية تساوي صوتاً واحداً، بحيث يساوي عدد الأصوات التي يعاد توزيعها الفائض الخاص بذلك المرشح. فعلى سبيل المثال، لو حصل المرشح على 100 صوت، وكان الفائض الخاص به 5 أصوات، عندها يتم إعادة توزيع كل ورقة بقيمة تساوي 1/20 من الصوت. وبعد كل عملية إعادة، إذا لم يحصل أي مرشح على فائض من الأصوات يساوي الحصة المعتمدة، يتم استبعاد المرشح الحاصل على أدنى عدد من الأصوات. ويتم توزيع أصوات ذلك المرشح على باقي المرشحين، استناداً إلى الأفضلية الثانية والتي تليها فيما بعد. وتستمر إعادة هذه العملية، بحيث ينتج عن كل منها إما إعادة توزيع الأصوات الفائضة أو استبعاد مرشح ما، إلى أن يتم انتخاب العدد المماثل للمقاعد المنتخبة بواسطة مرشحين يحصلون من خلال تكرار العملية وإعادة التوزيع على الحصة المطلوبة، وفي حال لم يتم ملئ كافة المقاعد ولم يبقى من المرشحين غير المستبعدين ما لا يزيد بأكثر من واحد عن عدد المقاعد المتبقية، يعتبر أولئك المرشحون عدا واحد منهم منتخبون رغم عدم حصولهم على النسبة المطلوبة.

ميـزات وعيـوب نظـام الصـوت الواحـد المتـحول (STV)

الميزات

 

يمكن القول بأن الميزات العامة لنظم التمثيل النسبي تنطبق على نظام الصوت الواحد المتحول، على الرغم من كونه أكثر النظم الانتخابية تعقيداً، حيث أنه يفسح المجال أمام الناخبين للاختيار بين الأحزاب السياسية وبين مرشحي تلك الأحزاب السياسية كذلك. وتتمخض نتائجه عن مستوى عادل من النسبية والتناسب. كما ويدل حجم الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل الصغير نسبياً في كافة الأمثلة حيث يستخدم هذا النظام على أنه يعمل على الحفاظ على العلاقة المباشرة بين الناخبين وممثليهم المنتخبين. بالإضافة إلى ذلك، يمكّن هذا النظام الناخبين من التأثير في تركيبة التحالفات التي تعقب الانتخابات، كما حصل في جمهورية أيرلندا، حيث أنه يحفز الأحزاب السياسية على التعاون فيما بينها وذلك من خلال تبادل الأفضليات التي يعبر عنها ناخبوها.

 

كما وأن نظام الصوت الواحد المتحول يوفر فرصاً أكبر أمام المرشحين المستقلين للفوز مقارنة مع نظام القائمة النسبية، وذلك لأن الناخبين يعبرون عن خيارهم بين المرشحين بدلاً من الأحزاب (على الرغم من إمكانية استخدام عنصر القائمة الحزبية في ظل نظام الصوت الواحد المتحول، وهو ما يعمل به في انتخابات مجلس الشيوخ في أستراليا).

 

العيوب

 

بالإضافة إلى مساوئ النظم النسبية بشكل عام، يعاني هذا النظام من بعض العيوب الأخرى وهي:

  • ينتقد هذا النظام على أساس أن النظم التفضيلية غريبة وغير معهودة من قبل الكثير من المجتمعات، وتتطلب مستويات جيدة من الوعي الثقافي والمعرفي.

  • تنطوي تفاصيل عد وفرز الأصوات في ظل نظام الصوت الواحد المتحول على كثير من التعقيد، وهو ما ينظر إليه على أنه إحدى مساوئه. ولقد كان هذا السبب الرئيسي في تراجع إستونيا عن العمل به بعد استخدامه في انتخاباتها الأولى، فهو نظام يتطلب تكرار الكثير من عمليات احتساب وتوزيع الأصوات الفائضة. ولهذا السبب، يتحتم عد وفرز الأصوات في مراكز خاصة بذلك وليس في مراكز الاقتراع. ولا يخفى على أحد بأن القيام بعمليات العد والفرز في مراكز الاقتراع، خاصةً في تلك الحالات حيث تعتبر مسألة سلامة واستقامة العملية الانتخابية من المسائل الهامة، يصبح أمراً ضرورياً للتأكيد على شرعية الانتخاب، مما يتطلب اختيار النظام الانتخابي بما يحقق ذلك.

  • على العكس من نظام القائمة النسبية، يمكن لنظام الصوت الواحد المتحول أن يؤدي إلى انقسامات داخل الأحزاب السياسية، إذ أن مرشحي الحزب الواحد يتنافسون فيما بينهم في حقيقة الأمر، بالإضافة إلى منافسة مرشحي الأحزاب الأخرى. وهو ما قد ينتج عنه ما يعرف بسياسة الزبانية حيث يعمد المرشحون إلى محاولات لشراء ولاءات مجموعات محددة من الناخبين.

  • قد ينتج عن هذا النظام فوز حزب ما بمقاعد أقل من منافسيه، على الرغم من حصوله على عدد أعلى من الأصوات. فعلى سبيل المثال قامت مالطا بتعديل نظامها الانتخابي في أواسط الثمانينات من القرن الماضي وذلك لفسح المجال أمام إمكانية تخصيص بعض المقاعد الإضافية لتعويض الحزب المتضرر في حال حدوث ذلك.

 

إلا أنه تبين بأن كثيراً من هذه الانتقادات اتجاه هذا النظم لا تتعدى كونها مسائل هامشية على أرض الواقع. فقد أدت الانتخابات بموجب نظام الصوت الواحد المتحول في كل من جمهورية أيرلندا ومالطا إلى إفراز حكومات مستقرة تتمتع بشرعية نسبية جيدة تتألف من حزب واحد أو حزبين رئيسيين عادةً.

القضـايـا المتـعلقـة بنظـم التـمثيـل النسـبي

يتطلب العمل بنظم التمثيل النسبي، أكثر من أية نظم أخرى، الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من القضايا الأخرى بالإضافة إلى مسألة اختيار النظام الذي يتم اعتماده. إذ أن لتلك القضايا تأثيرها على نتائج الانتخابات من الناحيتين الميكانيكية والسيكولوجية، من خلال تأثيرها على السلوك الانتخابي لكل من الناخبين والأحزاب السياسية على حد سواء. وقد تبدو تلك المؤثرات متواضعة للوهلة الأولى، وهي قد تكون كذلك عملياً، إلا أن حتى الاختلافات الصغيرة في نتائج الانتخابات من شأنها أن تؤدي إلى تغيير في تركيبة الهيئة التشريعية المنتخبة (البرلمان)، وبالتالي في التشكيلة الحكومية، وقد تؤثر كذلك في شرعية الانتخابات ونتائجها، وهو الأمر الأهم هنا. وعلى الرغم من محدودية التأثير الذي قد ينجم عن بعض هذه القضايا في نتنائج الانتخابات، مثل مسألة حجم الدوائر الانتخابية، إلا أنها قد تؤثر بشكل جوهري في كيفية ترجمة أصوات الناخبين إلى مقاعد منتخبة، مما قد يجعل منها مسألةً سياسية من الدرجة الأولى. لذلك يجب على القائمين على تصميم واعتماد النظام الانتخابي أخذ كافة هذه القضايا بعين الاعتبار ومعالجتها قبل حلول موعد الانتخابات بوقت كافي، والانتباه إلى المؤثرات الإدارية والسياسية التي تتمخض عنها.

حجـم الدائـرة الانتخـابيـة

يجمع خبراء الانتخابات حول العالم على اعتبار حجم الدائرة الانتخابية كأحد العناصر الأساسية المؤثرة في قدرة النظام الانتخابي على ترجمة الأصوات إلى مقاعد بشكل تناسبي. ويقصد بحجم الدائرة الانتخابية هنا عدد الممثلين الذين يتم انتخابهم عن كل دائرة انتخابية.

 

وينحصر حجم الدائرة الانتخابية في ظل بعض النظم الانتخابية، مثل نظام الفائز الأول، ونظام الصوت البديل ونظام الجولتين بممثل (مقعد) واحد فقط، حيث يقوم الناخبون بانتخاب ممثل واحد عن الدائرة الانتخابية. وعلى العكس من ذلك، تتطلب كافة نظم الانتخاب النسبية، بالإضافة إلى بعض نظم التعددية/الأغلبية مثل نظام الكتلة ونظام الكتلة الحزبية، وبعض النظم الانتخابية الأخرى كنظام الصوت المحدود ونظام الصوت الواحد غير المتحول، تتطلب جميعها وجود دوائر انتخابية تنتخب كل منها أكثر من ممثل واحد لها. وفي ظل أي من نظم الانتخاب النسبية، يلعب عدد الممثلين المنتخبين عن كل دائرة انتخابية دوراً أساسياً في تحديد مدى نسبية نتائج الانتخاب.

 

تحقق النظم التي تستند إلى دوائر انتخابية كبيرة الحجم (من حيث عدد الممثلين المنتخبين عن كل منها) أعلى مستويات النسبية، حيث أنها تضمن بذلك حصول أصغر الأحزاب على تمثيل ما في الهيئة التشريعية المنتخبة (البرلمان). أما في ظل وجود الدوائر االصغيرة فيكون تأثير نسبة الحسم أكبر بكثير. وعلى سبيل المثال، ففي دائرة انتخابية تنتخب ثلاثة ممثلين لها فقط، يتوجب على أي حزب مشارك الفوز بما لا يقل عن 25 بالمئة زائد واحد من أصوات الناخبين للتحقق من الفوز بمقعد واحد من المقاعد الثلاثة المتنازع عليها. أما الحزب الذي لا يحصل سوى على 10 بالمئة من أصوات الناخبين فلن تسنح له الفرصة للحصول على أي من تلك المقاعد، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى اعتبار تلك الأصوات على أنها أصوات ضائعة أو مهدورة. وعلى العكس من ذلك، فلو خصص للدائرة الانتخابية تسعة مقاعد بدلاً من ثلاثة، فإن حصول أي حزب على نسبة 10 بالمئة من الأصوات زائد 1 سيضمن له الفوز بمقعد واحد منها على الأقل. إلا أن المشكلة تكمن في أن ازدياد حجم الدائرة الانتخابية، من ناحية عدد المقاعد المخصصة لها، ولكن كذلك من ناحية حجمها الجغرافي، عادةً ما يؤدي إلى إضعاف صلة الوصل بين الممثلين المنتخبين وناخبيهم.

 

وقد يترتب على ذلك نتائج سلبية في المجتمعات التي تلعب فيها الاعتبارات المحلية دوراً هاماً في الحياة السياسية العامة، وحيث ينتظر الناخبون من ممثليهم الحفاظ على صلات قوية معهم والعمل كمبعوثين لهم في السلطة التشريعية.

 

وبناءً على ما تقدم لا يزال الجدل قائماً حول تحديد الحجم الأمثل للدوائر الانتخابية. وكمبدأ عام يتفق معظم الباحثون بأن حجم الدائرة الانتخابية المتمثل في تخصيص ما بين ثلاثة إلى سبعة مقاعد لكل منها من شأنه أن يفي بالغرض المطلوب، مع التأكيد على أن الأعداد الفردية (ثلاثة، خمسة أو سبعة) تفضي إلى نتائج افضل على أرض الواقع، خاصة في ظل وجود نظام يتقاسم فيه حزبين كبيرين الساحة السياسية. إلا أن ذلك لا يعدو كونه مبدأً عاماً، إذ أن هناك الكثير من الحالات التي قد يكون فيها قيام دوائر انتخابية أكبر حجما أمراً ضرورياً ومطلوباً لتحقيق مستويات مرضية من التمثيل النسبي. وفي كثير من البلدان تستند الدوائر الانتخابية إلى التقسيمات الإدارية القائمة أصلاً، كالمقاطعات أو الألوية أو المحافظات، مما يعني وجود اختلافات كبيرة بين أحجامها. ومن محاسن هذا الخيار أنه يلغي الحاجة لرسم حدود جديدة لأغراض الانتخابات فقط، ويمكّن ربط الدوائر الانتخابية بمناطق ومجموعات قائمة ومحددة ومقبولة من قبل الجميع.

 

تميل الأعداد في طرفي المعادلة الأعلى والأدنى إلى إفراز نتائج أكثر تطرفاً. ففي الطرف الأعلى لها، حيث يشكل كامل البلد دائرة انتخابية واحدة، لا يتطلب الفوز بتمثيل ما في الانتخابات سوى الحصول على أعداد قليلة جداً من الأصوات، الأمر الذي يمكّن الأحزاب الصغيرة جداً من الانتخاب. ففي إسرائيل على سبيل المثال، يشكل البلد بأكمله دائرة انتخابية واحدة تتنتخب 120 ممثلاً، مما يعني تحقيق الانتخابات لنتائج على درجة عالية من النسبية، ولكنه يعني كذلك فوز الأحزاب الصغيرة جداً ببعض التمثيل على الرغم من حصولها على أعداد ضئيلة من أصوات الناخبين، ويعني كذلك ضعفاً حاداً في العلاقة بين الممثلين المنتخبين وناخبيهم في أي من أرجاء البلد.

 

وعلى الطرف الآخر للمعادلة، يمكن تطبيق نظم التمثيل النسبي في بلد يتم تقسيمه إلى دوائر انتخابية لا تنتخب كل منها سوى ممثلين اثنين فقط، كما هي الحال في التشيلي على سبيل المثال. وينتج عن ذلك خللاً كبيراً في نسبية النتائج، إذ لا يستطيع أكثر من حزبين الفوز بمقاعد عن أي من تلك الدوائر. وهو ما يعمل على تقويض الفوائد المرجوة من تطبيق النظام النسبي فيما يتعلق بتعددية ونسبية التمثيل وشرعيته.

 

تفيد هذه الأمثلة لحالات متناقضة للتأكيد على أهمية حجم الدائرة بالنسبة لأي من نظم التمثيل النسبي. وعليه، يعتبر الكثيرون هذه المسألة بأنها أكثر الجوانب أهمية والتي يجب معالجتها عند تصميم نظام انتخاب نسبي، كما وأنها بالغة الأهمية بالنسبة لعدد من النظم الانتخابية الأخرى غير النسبية. فنظام الصوت الواحد غير المتحول على سبيل المثال يميل لإفراز نتائج نسبية إلى حد ما على الرغم من عدم كونه نظاماً نسبياً وذلك بسبب تطبيقه ضمن دوائر انتخابية متعددة التمثيل. كذلك الأمر فعندما يتم استخدام نظام الصوت الواحد المتحول ضمن دوائر انتخابية أحادية التمثيل يتحول إلى نظام الصوت البديل، فاقداً بذلك ميزاته التناسبية على الرغم من حفاظه على بعض ميزاته التفضيلية الأخرى. أما في نظامي الكتلة والكتلة الحزبية، فكلما كبر حجم الدائرة الانتخابية كلما تراجعت نسبية النتائج. وللخلاصة نقول بأن مسألة حجم الدائرة الانتخابية (بمفهومها المتعلق بعدد الممثلين المنتخبين عن كل دائرة) تصبح أمراً مفصلياً في عملية تصميم النظام الانتخابي لكونها تلعب دوراً هاماً في كيفية عمل النظام ونتائجه على أرض الواقع، وفيما يتعلق بقوة الصلة والعلاقة بين الممثلين المنتخبين وناخبيهم، بالإضافة إلى أهميته القصوى فيما يتعلق بنسبية النتائج.

 

أخيراً يعتبر حجم وشأن الحزب السياسي (بمعنى العدد المتوسط للممثلين المنتخبين عن الحزب الواحد في كل دائرة انتخابية) عاملاً هاماً في تحديد من يتم انتخابهم في المحصلة. فلو تم انتخاب ممثل واحد عن حزب ما في الدائرة، فسيكون ذلك الممثل على الأرجح رجلاً، وينتمي إلى الأكثرية العرقية أو الاجتماعية في تلك الدائرة. أما لو تم انتخاب ممثلين اثنين أو أكثر عن ذلك الحزب في تلك الدائرة، فإن ذلك يفسح مجالاً أكبر لفوز أعداد أكبر من النساء ومن ممثلي الأقليات. ويمكن القول بأن كبر حجم الدائرة الانتخابية (سبعة ممثلين أو أكثر) وقلة عدد الأحزاب السياسية المتنافسة تؤدي مجتمعةً إلى زيادة حجم أو شأن الحزب السياسي.

نسـبة الحسـم

لكافة النظم الانتخابية نسبة حسم ما. والمقصود بنسبة الحسم الحد الأدنى من الأصوات التي يحتاجها حزب ما للفوز بتمثيل ما له في الهيئة المنتخبة. ويمكن أن يتم فرض نسبة الحسم قانونياً (نسبة الحسم الرسمية أو القانونية) أو أن تكون كمحصلة حسابية للنظام الانتخابي (نسبة الحسم الفعلية أو الطبيعية).

 

يتم تحيد نسبة الحسم الرسمية من خلال المواد الدستورية أو القانونية التي تحدد ماهية النظام الانتخابي. ففي نظم الانتخاب المختلطة المطبقة في كل من ألمانيا، ونيوزيلندا وروسيا على سبيل المثال، تعتمد نسبة حسم مقدارها 5 بالمئة للمقاعد المنتخبة حسب النظام النسبي، حيث يتم استبعاد كافة الأحزاب التي لا تحصل على هذه النسبة كحد أدنى من أصوات الناخبين على المستوى الوطني من عملية توزيع المقاعد النسبية. أما مصدر ذلك الإجراء فيكمن في وضع العراقيل أمام الأحزاب المتطرفة في ألمانيا والحد من إمكانية انتخابها، وهو مصمم بشكل عام للحؤول دون حصول الأحزاب الصغيرة جداً على تمثيل لها في الهيئة المنتخبة.

 

إلا أنه توجد في كل من ألمانيا ونيوزيلندا طرق جانبية أخرى تستخدمها تلك الأحزاب للحصول على مقاعد تمثيلية: ففي نيوزيلندا يساوي فوز الحزب بمقعد واحد على الأقل في إحدى الدوائر الانتخابية، وفي ألمانيا بثلاثة مقاعد، اجتياز نسبة الحسم. أما في انتخابات العام 1995 في روسيا فلم تعتمد أي من هذه الإجراءات، الأمر الذي أدى إلى ضياع حوالي نصف أصوات القوائم الحزبية هباءً. وتتراوح نسبة الحسم في أماكن أخرى بين 0.67 بالمئة في هولندا و10 بالمئة في تركيا. وتستثنى كافة الأحزاب السياسية التي لا تجتاز هذه النسبة من عملية توزيع المقاعد التمثيلية. ونجد في انتخابات العام 2002 في تركيا مثالاً هاماً على ذلك، حيث أخفق العديد من الأحزاب السياسية في اجتياز نسبة الحسم (10 بالمئة)، مما أدى إلى ضياع أو هدر ما نسبته 46 بالمئة من مجمل أصوات الناخبين. وفي كافة الحالات يعمل وجود نسبة الحسم الرسمية (القانونية) على رفع مستويات عدم التناسب في نتائج الانتخابات، وذلك بسبب ضياع أصوات الأحزاب التي لا تجتاز النسبة والتي كان يمكن لها الحصول على تمثيل ما في حال عدم تطبيق نسبة الحسم. في انتخابات العام 1993 في بولندا، أدى تطبيق نسبة حسم مقدارها 5 بالمئة بالنسبة للأحزاب و8 بالمئة بالنسبة للتكتلات الحزبية إلى ضياع ما نسبته 34 بالمئة من أصوات الناخبين التي ذهبت لأحزاب أو تكتلات لم تفز بأية مقاعد تمثيلية.

 

أما نسبة الحسم الفعلية أو الطبيعية فتنتج بشكل حسابي محض عن مجموعة من مقومات النظام الانتخابي، من أهمها حجم الدائرة الانتخابية. فعلى سبيل المثال، في دائرة انتخابية تنتخب أربعة ممثلين بموجب إحدى نظم الانتخاب النسبي، يضمن الفوز لأي مرشح يحصل على ما يفوق 20 بالمئة من الأصوات، في الوقت الذي يفقد أية حضوض بالفوز كل مرشح يحصل على أقل من حوالي 10 بالمئة من الأصوات (تعتمد النسبة الحقيقية على مجموعة من العوامل، منها عدد الأحزاب السياسية المتنافسة، وعدد المرشحين والمقترعين).

القـوائـم المـفتـوحـة، والمغـلقـة والحـرة

بينما يقوم نظام القائمة النسبية على مبدأ طرح الأحزاب السياسية أو تكتلاتها لقوائم من المرشحين، إلا أنه من الممكن لهذا النظام أن يعمل بشكل يفسح المجال أمام الناخبين للاختيار بين المرشحين الأفراد بالإضافة إلى الاختيار بين مختلف الأحزاب. وهناك ثلاثة خيارات يمكن اعتمادها هي: القوائم المفتوحة والقوائم المغلقة والقوائم الحرة.

 

تعتمد غالبية نظم القائمة النسبية المعمول بها في العالم على القوائم المغلقة، بمعنى أن ترتيب المرشحين على القائمة يكون ثابتاً وحسب ما يعتمده الحزب الذي يقوم بتسمية القائمة، حيث لا يمكن للناخبين التعبير عن أية خيارات أو تفضيل أي من المرشحين عن غيرهم أو تعديل ترتيبهم. ويعطي نظام التمثيل النسبي المطبق في جنوب أفريقيا مثالاً حياً على القائمة المغلقة. حيث تتضمن ورقة الاقتراع أسماء الأحزاب السياسية ورموزها فقط، بالإضافة إلى صورةٍ شخصية لقائد الحزب، دون أن تتضمن أسماء أي من المرشحين الأفراد. ويقوم الناخبون بالتأشير على ورقة الاقتراع لصالح الحزب المفضل، وعليه فإن الحزب هو من يحدد المرشحين المنتخبين. وبذلك تستطيع الأحزاب السياسية تضمين مرشحين محددين في قوائمهم قد يصعب عليهم الفوز بالانتخاب بطريقة أخرى (مثل المرشحين المنتمين للأقليات أو المرشحات من النساء، إلخ). أما الوجه السلبي للقائمة المغلقة فيتمثل في عدم قدرة الناخبين على تحديد من يمثلهم ضمن قائمة الحزب الذي يقومون بالاقتراع له. كما وأن القوائم المغلقة تعتبر أقل قدرة للتفاعل مع المتغيرات المتسارعة في الجو العام. ففي انتخابات العام 1990 في ألمانيا الشرقية ما قبل الوحدة، أكتشف بأن المرشح الأول على قائمة أحد الأحزاب كان مخبراً في أحد أجهزة الاستخبارات السرية، وذلك أربعة ايام فقط قبل موعد الانتخابات، الأمر الذي أدى إلى طرده من الحزب بشكل فوري؛ وعلى الرغم من ذلك لم يكن أمام الناخبين الراغبين بالاقتراع لذلك الحزب أي خيار آخر سوى الاقتراع لذلك المرشح وذلك لكون القوائم مغلقة.

 

تسستخدم كثيراً من نظم القائمة النسبية المعمول بها في غربي أوروبا القوائم المفتوحة، حيث يستطيع الناخبون تحديد مرشحيهم المفضلين ضمن قائمة الحزب بالإضافة إلى اختيارهم للحزب المفضل. وتبقى ممارسة ذلك الخيار اختيارية في معظم الحالات، وعليه، وبسبب تبعية معظم الناخبين للأحزاب السياسية أكثر من المرشحين الأفراد، فإن تأثير القائمة المفتوحة وإمكانية انتقاء المرشحين الأفراد تبقى محدودةً. إلا أن ما يزيد عن 25 بالمئة من الناخبين في السويد عادةً ما يقومون بانتقاء المرشحين بالإضافة إلى الأحزاب، الأمر الذي يؤدي إلى فوز بعض المرشحين في الانتخاب والذين لا يمكنهم الفوز فيما لو كانت القوائم مغلقة.

 

أما في كل من البرازيل وفنلندا، فيجب على الناخبين الاقتراع لصالح المرشحين الأفراد، حيث يتم تحديد عدد المقاعد التي يفوز بها كل حزب من خلال مجموع الأصوات التي يحصل عليها مرشحوه. أما ترتيب المرشحين الفائزين عن كل حزب فيستند إلى عدد الأصوات التي يحصل عليها كل مرشح بشكل فردي. وبينما تعطي هذه الطريقة مستويات أعلى من الحرية للناخب في ممارسة خياراته، إلا أن لها تأثيراتها الجانبية غير المرغوب فيها. ومن أهم تلك المؤثرات أنها تؤدي إلى صراعات وانقسامات داخلية ضمن الحزب الواحد، وذلك بسبب تنافس مرشحي الحزب الواحد بين بعضهم البعض من الناحية العملية. كما وأنها قد تلغي الفوائد المرجوة من العمل على إعداد قوائم حزبية تشتمل على تنوع في المرشحين. ففي سيريلانكا على سبيل المثال، حيث تعتمد القوائم المفتوحة ضمن نظام القائمة النسبية، لم يستفد حزب الأكثرية (السنهاليز) من ترشيح بعض مرشحي الأقلية التاميل في مواقع متقدمة على قوائمه، وذلك بسبب تعمد الناخبين الاقتراع لصالح مرشحين آخرين ينتمون للأكثرية السنهاليزية على الرغم من ترتيبهم في مواقع متخلفة من القائمة. وفي إقليم كوسوفو نتج عن التحول من نظام القائمة المغلقة إلى القائمة المفتوحة فوز أعداد أكبر من المرشحين المتطرفين. وبنفس الاتجاه، فلقد أثبتت القوائم المفتوحة بأنها تحد من حضوض المرشحات النساء في الفوز في بعض المجتمعات، على الرغم من الاستثناء الحاصل في بولندا حيث برهن الناخبون، من خلال استخدام القوائم المفتوحة، عن رغبتهم في انتخاب أعداد أكبر من النساء مما كان يمكن أن ينتج عن استخدام القوائم المغلقة.

 

هناك عدد من الإجراءات الأخرى التي يتم تطبيقها في بعض الأماكن لإضفاء مزيد من الليونة على طريقة عمل القوائم المفتوحة. ففي كل من لوكسمبورغ وسويسرا يتمتع الناخب بعدد من الأصوات يساوي عدد المقاعد التي يتم انتخابها، حيث يمكنه توزيعها على مختلف المرشحين، وذلك سواء كانوا يتبعون لحزبٍ واحدٍ أو لأحزاب مختلفة، أي أن الناخب غير مقيد بالاقتراع لصالح مرشحي حزب واحد فقط. ويمكن لذلك أن يأخذ أشكالاً مختلفة، كأن يتمكن الناخب من الاقتراع لصالح أكثر من مرشح واحد يتبعون لأحزاب مختلفة (كما في المثالين السابقين)، أو أن يعطي أكثر من صوت واحد من أصواته لمرشح ما لزيادة حضوضه في الفوز. وفي كلتا الحالتي فإن ذلك يعطي الناخب مزيداً من السيطرة والقدرة على التأثير في النتائج الفعلية للانتخابات، وهو ما يعرف بنظم القوائم الحرة.

الكتـلـة الانتخـابيـة

تهدف نسبة الحسم المرتفعة بشكل أساسي إلى استثناء الأحزاب السياسية الصغيرة من الساحة. وقد لا يكون من الضروري بمكان اللجوء لمثل هذا التمييز في كثير من الحالات، خاصةً عندما تتقاسم مجموعات من الأحزاب الصغيرة أصوات مجموعات محددة من الناخبين، مخفقة بذلك في الحصول على أي تمثيل لها، إلا إذا تكتلت وحالت دون تشتت أصوات مؤيديها. ولمعالجة هذه المسألة تسمح بعض البلدان التي تستخدم نظام القائمة النسبية للأحزاب السياسية الصغيرة في تشكيل ما يعرف بالكتلة الانتخابية، وذلك لغرض خوض الانتخابات معاً ككتلة واحدة، ولكن دون الاتحاد في إطار حزبي موحد، وبحيث تبقى تلك الأحزاب مستقلةً عن بعضها البعض، وتظهر على ورقة الاقتراع بشكل منفصل. ويعني التكتل الانتخابي احتساب الأصوات التي يحصل عليها أي من الأحزاب المنخرطة في التكتل وكأنها أصوات لصالح التكتل برمته، مما يسهم في تخطيها نسبة الحسم وبالتالي تمكينها من الحصول على بعض المقاعد التمثيلية. ويستخدم هذا الإجراء في عدد من بلدان أوروبا وأمريكا اللاتينية التي تعتمد نظام القائمة النسبية، إلا أن استخدامه محدود جداً في بلدان أفريقيا وآسيا العاملة بنظم التمثيل النسبي. وفي إندونيسيا على سبيل المثال تم إلغاؤه في العام 1999 بعدما وجدت بعض الأحزاب بأن مستويات تمثيلها كأحزاب مستقلة تراجعت على الرغم من فوز تكتلاتها بمقاعد تمثيلية.

المـرشـحون المسـتقلـون ونظـم التـمثيـل النسـبي

من الأخطاء الشائعة أنه لا يمكن للمرشحين المستقلين المشاركة في الانتخابات في ظل نظم التمثيل النسبي. وهذا غير صحيح، على الرغم من تنفيذ معظم الانتخابات في ظل هذه النظم بمشاركة مرشحين عن الأحزاب السياسية فقط. إلا أننا نجد بأن نظام الصوت الواحد المتحول (STV) يتمحور حول المرشح الفرد، وعليه فإن مشاركة المرشحين المستقلين في ظله أمر اعتيادي في بلد مثل أيرلندا.

 

وفي كثير من الحالات نرى بأنه يتم التعامل مع المرشح المستقل وكأنه حزب سياسي من عضو واحد، يقوم بتقديم قائمة تضم مرشحاً واحداً فقط يمكنه الفوز بأحد المقاعد التمثيلية في حال حصوله على العدد الكافي لذلك من أصوات الناخبين.

النظـم المختـلـطة

تقوم نظم الانتخاب المختلطة على أساس الاستفادة من ميزات كل من نظم التعددية/الأغلبية (أو النظم الأخرى) ونظم التمثيل النسبي. وعليه، يتركب النظام المختلط من نظامين انتخابيين مختلفين عن بعضهما البعض ويعملان بشكل متوازي. ويتم الاقتراع بموجب النظامين من قبل نفس الناخبين حيث تجتمع نتائج النظامين لانتخاب الممثلين في الهيئة التي يتم انتخابها. ويستخدم في ظل النظام المختلط أحد نظم التعددية/الأغلبية (أو أحياناً إحدى النظم الأخرى)، والذي عادةً ما يقوم استناداً إلى دوائر انتخابية أحادية التمثيل، بالإضافة إلى نظام القائمة النسبية.

 

وهناك شكلين للنظم الانتخابية المختلطة: فعندما ترتبط نتائج الانتخاب في ظل كلا النظامين الانتخابيين ببعضها البعض، بحيث يستند توزيع المقاعد في ظل النظام النسبي على نتائج النظام الآخر، وذلك لتعويض ما قد ينتج عن ذلك النظام من خلل في نسبية النتائج، يطلق على النظام المختلط اسم نظام تناسب العضوية المختلطة (MMP). أما عندما ينفصل النظامان عن بعضهما البعض بشكل كلي ويعملان بشكل مستقل تماماً، حيث لا يستند توزيع المقاعد في ظل أي منهما على ما يحدث في النظام الآخر، يطلق على ذلك النظام اسم نظام الانتخاب المتوازي (Parallel).

 

وبينما يسفر نظام تناسب العضوية المختلطة عن نتائج نسبية بشكل عام، عادةً ما يسفر النظام المتوازي عن نتائج لا تحقق سوى نسبية متوسطة المدى بين ما ينتج عن نظم التعددية/الأغلبية ونظم التمثيل النسبي بشكل عام.

 

ولقد تم اعتماد هذه النظم بشكل واسع من قبل الديمقراطيات الناشئة في كل من أفريقيا ودول الإتحاد السوفيتي سابقاً.

نظـام تـناسـب العضـويـة المختـلـطة

يتم توزيع المقاعد النسبية في ظل هذا النظام للتعويض عن الخلل الحاصل في نسبية النتائج الخاصة بمقاعد الدوائر الانتخابية أحادية التمثيل والمنتخبة بموجب أحد نظم التعددية/الأغلبية أو أحد النظم الأخرى التي يتركب منها النظام المختلط. وعلى سبيل المثال، فلو فاز حزب ما بما نسبته 10 بالمئة من أصوات الناخبين على المستوى الوطني من أصوات القائمة النسبية، في الوقت الذي لم يحصل فيه على أية مقاعد من تلك المخصصة للانتخاب في الدوائر الانتخابية بموجب النظام الآخر، فسيعطى ذلك الحزب ما يكفي من المقاعد المخصصة للانتخاب النسبي بما يكفل له الحصول على 10 بالمئة من مقاعد الهيئة التشريعية المنتخبة (البرلمان). وقد يطبق هذا النظام من خلال إعطاء الناخبين إمكانيتين للخيار (تتبع كل منهما لواحد من النظامين الانتخابيين)، كما هي الحال في كل من ألمانيا ونيوزيلندا، أو من خلال إعطائهم خياراً واحداً يتمثل في الاقتراع لصالح المرشحين في دوائرهم الانتخابية، ويتم احتساب الأصوات التي يحصل عليها كل حزب من خلال تجميع أصوات مرشحيه في مختلف الدوائر الانتخابية.

 

أما نسبة المقاعد التي يتم توزيعها استناداً إلى كل واحد من النظامين الانتخابيين الذين يتألف منهما نظام تناسب العضوية المختلطة، فتختلف من بلد إلى آخر. ففي ليسوتو مثلاً يتم انتخاب 80 مقعداً بموجب نظام الفائز الأول و40 مقعداً للتعويض عن الخلل في نتائج انتخاب تلك المقاعد، أما في ألمانيا فيتم انتخاب 299 مرشحاً بموجب كل واحد من النظامين.

 

على الرغم من تصميم نظام تناسب العضوية المختلطة لإفراز نتائج نسبية، إلا أن حجم الخلل في نسبية النتائج في انتخابات الدوائر أحادية التمثيل قد يكون كبيراً إلى حد لا تستطيع معه المقاعد المخصصة للانتخاب النسبي التعويض عنه. وهو ما قد يحصل بصورة جلية خاصةً عندما يتم تحديد الدوائر الانتخابية للانتخاب النسبي على المستوى المحلي وليس الوطني. حيث قد يفوز حزب ما بعدد من المقاعد المنتخبة بموجب نظام التعددية/الأغلبية يفوق العدد الذي قد يخوله الفوز فيه عدد أصواته الحزبية. ولمعالجة ذلك، يمكن مقاربة النسبية بشكل أفضل من خلال توسيع عدد مقاعد الهيئة المنتخبة بعض الشئ، حيث تكون المقاعد الإضافية بمثابة مقاعد تعويضية. وهذا ما حصل في معظم الانتخابات التي جرت في ألمانيا. كما أن النظام في نيوزيلندا يسمح بذلك. أما في ليسوتو أدى عدد مقاعد البرلمان المحدد والنهائي إلى نتائج غير نسبية بشكل كافٍ في أول انتخابات تجرى في ظل نظام تناسب العضوية المختلطة سنة 2002.

ميـزات وعيـوب نظـام تـناسـب العضـويـة المختـلـطة

من محاسن نظام تناسب العضوية المختلطة أنه يتمتع بمزايا نظم التمثيل النسبي، في نفس الوقت الذي يسهم في ربط الممثلين المنتخبين بمناطق جغرافية محددة، مما يقوي من صلتهم بناخبيهم. إلا أنه في تلك الحالات التي يعطى فيها الناخب صوتين، واحداً للحزب وواحداً للمثله المحلي، فكثيراً ما لا يعي الناخبون تماماً الأهمية الأكبر للصوت الخاص بالحزب في توزيع المقاعد النهائي في الهيئة المنتخبة. كما ويمكن لهذا النظام أن يؤدي إلى إيجاد شريحتين مختلفتين من الممثلين المنتخبين: أولئك المسؤولين أمام ناخبيهم في دوائرهم الانتخابية بالدرجة الأولى، وأولئك المنتخبين على قائمة الحزب الوطنية والذين لا يشعرون بأية مسؤولية أخرى غير تلك التي تربطهم بالحزب الذي تم انتخابهم على قائمته، ودون أية روابط جغرافية. وهو ما من شأنه التأثير على تماسك الأحزاب والفرق البرلمانية في عملها البرلماني.

 

يمكن لنظام تناسب العضوية المختلطة أن يحقق ذات المستويات من النسبية في نتائج الانتخابات كتلك الناتجة عن نظام القائمة النسبية، وبذلك فهو يشترك معه في كثير من مزاياه ومساوئه. إلا أنه غالباً ما يفضل نظام القائمة النسبية على نظام تناسب العضوية المختلطة لكون هذا الأخير يحفز على ما يسمى بالاقتراع الاستراتيجي وما ينتج عنه من سلوكيات مشبوهة. ففي انتخابات عام 1996 في نيوزيلندا، وفي دائرة ويلينغتون بالتحديد، قام مسؤولو حملة الحزب الوطني بتوجيه ناخبي الحزب لعدم التصويت لصالح مرشحه في تلك الدائرة وذلك لأن حساباتهم بينت لهم بأن انتخاب ذلك المرشح بموجب نظام تناسب العضوية المختلطة لن يعطي الحزب مقعداً إضافياً بل سيعمل على استبدال مرشح آخر سيتم انتخابه من خلال القائمة الحزبية على أية حال. وعليه، فضّل الحزب الوطني أن يتم انتخاب مرشح آخر من حزب آخر يتعاطف مع الحزب الوطني ويقف في صفه أيديولوجياً، بدلاً من هدر الأصوات في دعم مرشحهم الذي لن يكسبهم مقعداً إضافياً.

النظـم المتـوازيـة (Parallel)

تقوم نظم الانتخاب المتوازية على استخدام مركبين أحدهما نظام انتخاب نسبي والآخر يتبع نظم التعددية/الأغلبية، ولكن على العكس من نظام العضوية المختلطة، ففي هذا النظام لا علاقة للنظامين ببعضهما البعض، حيث لا يعمل النظام النسبي على تعويض الخلل في تناسب النتائج الناتج عن نظام التعددية/الأغلبية المستخدم بموازاته (ويمكن أن يرافق النظام النسبي إحدى نظم الانتخاب الأخرى، كما هي الحال في التايوان حيث يستخدم نظام الصوت الواحد غير المتحول).

 

وفي ظل هذا النظام، يمكن أن يعطى الناخب ورقة اقتراع واحدة، كما في نظام تناسب العضوية المختلطة، حيث يدلي بصوته لكل من مرشحه المفضل وللحزب الذي يختاره، على غرار ما يحصل في جمهورية كوريا الجنوبية، كما ويمكن أن يعطى ورقتي اقتراع منفصلتين، تخص واحدة منهما المقعد المنتخب بموجب نظام التعددية/الأغلبية بينما تستخدم الورقة الأخرى للاقتراع للمقاعد المنتخبة بموجب النظام النسبي، وهو ما يعمل به في كل من اليابان وليتوانيا والتايلاند. ولقد شاع استخدام النظم المتوازية على امتداد ما يزيد على 15 عام مضت، وذلك بسبب الانطباع السائد بأنها تجمع بين مزايا كل من نظام القائمة النسبية ونظم التعددية/الأغلبية (أو النظم الأخرى).

ميـزات وعيـوب النظـم المتـوازيـة (Parallel)

الميزات

 

تتلخص مزايا النظم المتوازية في كونها تحد من الخلل في نسبية النتائج، إذ تفرز نتائجاً وسطية بين ما تسفر عنه نظم التعددية/الأغلبية وما ينتج عن نظم التمثيل النسبي. ومن ميزاتها كذلك أنها تعطي الأحزاب الصغيرة التي تمثل الأقليات فرصةً في الحصول على تمثيل لها من خلال المقاعد المتخبة بموجب التمثيل النسبي في حال إخفاقها في الحصول على أي من مقاعد التعددية/الأغلبية، خاصةً كلما ارتفع عدد المقاعد المنتخبة بموجب النظام النسبي. أخيراً، ومن الناحية النظرية على الأقل، فإن نظم الانتخاب المتوازية لا تحفز على تشرذم الأحزاب السياسية وتعددها بنفس المقدار الذي تعمل عليه نظم التمثيل النسبي عندما تطبق بشكل منفرد.

 

العيوب

 

أما مساوئ هذه النظم فتتمثل في كونها قد تفرز شريحتين مختلفتين من الممثلين، كما هي الحال بالنسبة لنظام تناسب العضوية المختلطة. كما وأن نظم التمثيل المتوازية لا تضمن نسبية تامة في نتائج الانتخابات، مما ينتج عنه استبعاد بعض الأحزاب السياسية من الحصول على أي تمثيل لها على الرغم من فوزها بأعداد لا بأس بها من أصوات الناخبين. أخيراً فإن هذه النظم معقدة بعض الشئ وقد تضلل الناخبين الذين يصعب عليهم إدراك تفاصيلها بالكامل وكيفية عملها على أرض الواقع.

النظـم الأخـرى

بالإضافة إلى نظم التعددية/الأغلبية، ونظم التمثيل النسبي والنظم المختلطة، هناك ثلاثة نظم انتخابية أخرى لا تنطبق في تفاصيلها على أي من هذه التصنيفات. فنظام الصوت الواحد غير المتحول يقوم في دوائر انتخابية متعددة التمثيل، وهو يتمحو حول المرشحين الأفراد ويمتلك الناخب في ظله صوتاً واحداً. أما نظام الصوت المحدود فهو يشابه نظام الصوت الواحد غير المتحول إلا أنه يعطي الناخب أكثر من صوت واحد (ولكن، على العكس من نظام الكتلة، فإن عدد أصوات الناخب يكون أقل من عدد المقاعد التي يتم انتخابها عن دائرته الانتخابية). ونظام بوردا، وهو نظام تفضيلي يمكن تطبيقه في دوائر انتخابية أحادية أو متعددة التمثيل على حد سواء.

 

وتميل هذه النظم إلى إفراز نتائج انتخابية تقع ما بين نتائج النظم النسبية ونتائج نظم التعددية/الأغلبية.

نظـام الصـوت الـواحـد غيـر المتحـول (SNTV)

يقوم الناخب في ظل هذا النظام بالاقتراع لصالح مرشح واحد فقط في دائرته، ولكن على العكس من نظام الفائز الأول، يتم ذلك في دوائر متعددة التمثيل حيث يتم انتخاب أكثر من ممثل واحد عن كل دائرة انتخابية، ويفوز بالانتخاب المرشحون الحاصلون على أعلى الأصوات. ويضع هذا النظام الأحزاب السياسية أمام تحدي كبير، فلو كان لدينا على سبيل المثال دائرة انتخابية تنتخب أربعة ممثلين لها، فسيفوز بالانتخاب كل مرشح يحصل على ما يزيد على 20 بالمئة من الأصوات تقريباً. ولو حصل حزب سياسي ما على 50 بالمئة من الأصوات، وذلك بفوز اثنين من مرشحيه على حوالي 25 بالمئة من الأصوات لكل منهما، فإن ذلك قد يخوله الفوز بمقعدين من مقاعد الدائرة. أما في حال حصول أحد مرشحي ذلك الحزب على 40 بالمئة من الأصوات في حين لم يحصل المرشح الآخر سوى على 10 بالمئة من الأصوات، فقد يعني ذلك عدم فوز المرشح الثاني بالمقعد، وبالتالي عدم فوز الحزب سوى بمقعد واحد فقط. وفيما لو قام ذلك الحزب بتسمية ثلاثة مرشحين له في تلك الدائرة، فإن حضوضه بالفوز بمقعدين قد تضمحل أكثر فأكثر وذلك بسبب توزيع الأصوات بين مرشحيه الثلاثة في الدائرة.

ميـزات وعيـوب نظـام الصـوت الـواحـد غيـر المتحـول (SNTV)

 

الميزات

  • الفارق الأساسي بين هذا النظام ونظم التعديية/الأغلبية يتمثل في كونه يسهم بشكل أفضل في تمكين مرشحي الأحزاب الصغيرة ومرشحي الأقليات والمرشحين المستقلين من الحصول على تمثيل لهم في الهيئة المنتخبة. وترتفع نسبية النتائج المتمخضة عن هذا النظام كلما زاد حجم الدائرة الانتخابية (أي كلما ارتفع عدد الممثلين المنتخبين عن الدائرة الانتخابية الواحدة). ونجد بأن نظام الصوت الواحد غير المتحول قد مكن عدداً من المرشحين المستقلين في الأردن، والمعروفين بولائهم للنظام الملكي، من الفوز وهو ما يعتبر ميزةً إيجابية في بلد ما زال النظام الحزبي فيه في طور النشوء.

  • يسهم هذا النظام في دفع الأحزاب لتنظيم نفسها داخلياً بشكل أفضل وللعمل على توجيه ناخبيها لتوزيع أصواتهم على مرشحيها بشكل يضمن لها الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد. وبينما يعطي نظام الصوت الواحد غير المتحول للناخبين إمكانية الاختيار بين مختلف المرشحين المتقدمين عن الحزب الواحد، فهو لا يسفر عن ذات المستويات من تعدد تلك الأحزاب كما هي الحال في ظل نظم التمثيل النسبي. وكدليل على ذلك نجد بأن تطبيق هذا النظام على مدى ما يزيد عن 45 عام في اليابان لم يقف عائقاً أمام تدعيم قوة الحزب الواحد الذي استمر متماسكاً وبالتالي حافظ على سيطرته على الساحة السياسية طوال تلك المدة.

  • يمكّن هذا النظام المرشحين المستقلين من المشاركة في الانتخابات في ظله بسهولة ودون معوقات.

  • أخيراً يتميز هذا النظام بكونه سهل الفهم وبالتالي سهل التطبيق على أرض الواقع.

 

العيوب

  • يمكن أن ينتج عن هذا النظام عدم فوز الأحزاب الصغيرة بأي تمثيل لها في حال توزعت أصواتها بشكل كبير بين مرشحيها، بينما تفوز الأحزاب الكبيرة بأعداد إضافية من المقاعد مما يمكنها من السيطرة على الأغلبية المطلقة في البرلمان من خلال حصولها على أغلبية بسيطة من أصوات الناخبين على المستوى الوطني. وعلى الرغم من أن توسيع حجم الدائرة الانتخابية من حيث عدد الممثلين المنتخبين عن كل منها من شأنه أن يرفع من مستوى نسبية النتائج، إلا أن ذلك بدوره يضعف العلاقة المباشرة بين الناخب وممثله. وتمثل الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل والتي تنتخب كل منها 18 ممثلاً في التايلاند الحد الأقصى المقبول في ظل هذا النظام.

  • كما هي الحال في أي نظام انتخابي حيث يتنافس مرشحو الحزب الواحد فيما بينهم للفوز بأصوات الناخبين، فإن ذلك من شأنه أن يسهم في تعميق الانقسامات الداخلية ضمن الأحزاب السياسية. وهو ما يمكن أن يحفز على انتهاج سياسات الزبانية الانتخابية، حيث يعمل المرشحون على تقديم الإغراءات لمجموعات محددة من الناخبين.

  • يتطلب هذا النظام من الأحزاب السياسية اعتماد سياسات استراتيجية معقدة فيما يتعلق بتسمية مرشحيهم وإدارة أصوات ناخبيهم. فقد تكون تسمية أعداد كبيرة من المرشحين على ذات القدر من الضرر بالمصالح الحزبية كتسمية أعداد ضئيلة منهم. هذا بالإضافة إلى الأهمية البالغة لكيفية توجيه ناخبي الحزب الواحد إلى توزيع أصواتهم بالتساوي بين مرشحي ذلك الحزب.

  • لا يحفز هذا النظام الأحزاب السياسية للعمل على توسيع قواعد مؤيديها وذلك لكونه لا يعطي للناخب سوى صوتاً واحداً فقط، فطالما تمكّن الحزب من تأمين مجموعة أساسية كافية من الأصوات فإن ذلك يضمن له الفوز دون الحاجة للبحث عن تأييد إضافي من قبل مجموعات أخرى من الناخبين.

  • عادةً ما ينتج عن نظام الصوت الواحد غير المتحول ضياع أعداد كبيرة من الأصوات التي تذهب هباءً، خاصةً في ظل وجود شروط لينة للترشيح والتي تمكّن أعداداً كبيرة من المرشحين من الترشح للانتخاب.

نظـام الصـوت المحـدود (LV)

يمكن اعتبار نظام الصوت المحدود على أنه أحد نظم التعددية/الأغلبية المستخدم في دوائر انتخابية متعددة التمثيل، كما في نظام الصوت الواحد غير المتحول. إلا أنه في ظل هذا النظام، يملك الناخب أكثر من صوت واحد، ولكن بعدد يقل عن عدد الممثلين المنتخبين عن الدائرة الانتخابية. ويتم فرز الأصوات بذات الطريقة التي يتم فيها في ظل نظام الصوت الواحد غير المتحول، حيث يفوز بالانتخاب المرشحون الحاصلون على أعلى الأصوات. ويستخدم هذا النظام لتنظيم العديد من الانتخابات المحلية، إلا أن استخدامه على المستوى الوطني ينحصر في كل من جبل طارق وأسبانيا، حيث يستخدم لانتخاب مجلس الشيوخ الأسباني منذ عام 1977 وحتى الآن. وفي هذه الحالة، يملك الناخب عدداً من الأصوات يقل بواحد عن عدد الممثلين المنتخبين عن كل واحدة من الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل وذات الحجم الكبير نسبياً.

ميـزات وعيـوب نظـام الصـوت المحـدود (LV)

يعتبر هذا النظام بسيطاً بالنسبة للناخبين كما وأنه لا يتطلب عمليات معقدة لفرز الأصوات. إلا أنه يميل عادةً لإفراز نتائج أقل نسبية من تلك الناتجة عن نظام الصوت الواحد غير المتحول. وتسري على نظام الصوت المحدود الكثير من الاعتبارات المتعلقة بالتنافس الداخلي بين مرشحي الحزب الواحد، ومسائل إدارة أصوات الناخبين وتوزيعها وسياسات الزبانية الانتخابية والمنطبقة على نظام الصوت الواحد غير المتحول.

نظـام بـوردا (BC)

النوع الأخير من نظم الانتخابات هو نظام بوردا المعدل والمستخدم في ناورو فقط، وهي إحدى جزر المحيط الهادئ المستقلة. وهو نظام تفضيلي، حيث يقوم الناخبون بترتيب المرشحين حسب الأفضلية، كما هي الحال بالنسبة لنظام الصوت البديل. ويمكن استخدامه في دوائر أحادية التمثيل أو دوائر متعددة التمثيل على حد سواء. وفي ظل هذا النظام، على العكس من نظام الصوت البديل، هناك عملية عد واحدة، حيث يتم احتساب الأفضليات التي يحصل عليها كل مرشح كأجزاء من الصوت الواحد. وبموجب النظام المستخدم في ناورو، تعطى الأفضلية الأولى القيمة واحد، بينما تعطى الأفضلية الثانية قيمة تساوي النصف، والثالثة قيمة تساوي الثلث وهكذا. ويتم جمع هذه القيم لكل مرشح حسب الأفضليات التي حصل عليها من أصوات الناخبين، ويفوز بالانتخاب المرشحون الحاصلون على أعلى المجاميع.

ميـزات وعيـوب نظـام بـوردا (BC)

يتشارك نظام بوردا مع باقي النظم التفضيلية فيما يتعلق بميزاته وعيوبه. فبينما يمكن للناخبين التعبير عن أفضلياتهم المختلفة بوضوح، إلا أنه يفرض عليهم مستوى أدنى على الأقل من الوعي الحسابي والثقافة الانتخابية، وقد يصعب على الناخبين فهمه بسهولة. أما نسبية النتائج الناجمة عنه وحجم الأصوات المهدورة فيعتمدان إلى حد كبير على حجم الدوائر الانتخابية في ظل هذا النظام.

مستويات النظـم الانتخـابيـة والنظـم المـركبـة

لكثير من النظم الانتخابية، النسبية منها وتلك التي تتبع نظم التعددية/الأغلبية، مستوى تمثيلي واحد: حيث يقترع كل ناخب مرةً واحدة وذلك لانتخاب مجموعة واحدة من الممثلين. ففي نظام القائمة النسبية ذات المستوى الواحد، يمكن أن تكون القوائم وطنية، كما في كل من ناميبيا وهولندا، أو محلية، كما في كل من فنلندا وسويسرا. أما في النظم الانتخابية المختلطة، فهناك عادةً مستويين اثنين من الممثلين: أولئك المنتخبون بموجب أحد نظم التعددية/الأغلبية وأولئك المنتخبون استناداً إلى نظام نسبي. أما في هنغاريا فهناك ثلاثة مستويات: الممثلون المنتخبون بموجب نظام الجولتين في دوائر انتخابية أحادية التمثيل، والمنتخبون على المستوى المحلي والمنتخبون على المستوى الوطني، وذلك استناداً إلى نظام القائمة النسبية في كلتا الحالتين. ويمكن أن يكون للنظام الانتخابي مستويين تمثيليين دون أن يكون ذلك النظام مختلطاً. إذ يمكن أن يحدث ذلك من خلال استخدام أحد النظم النسبية بوجود قوائم وطنية وقوائم محلية في نفس الوقت (كما في جنوب أفريقيا)، أو من خلال قوائم محلية فقط (كما في الدنمارك). أما في النظام المعمول به في الجزر العذراء البريطانية (الفيرجن)، وهو أحد نظم التعددية/الأغلبية ذي المستويين التمثيليين، فهناك ممثلون لدوائر انتخابية أحادية التمثيل يتم انتخابهم بموجب نظام الفائز الأول، وممثلون لكل واحدة من الجزر كوحدة كاملة يتم انتخابهم عملاً بنظام الكتلة.

 

يجب تمييز النظم الانتخابية التي تتمتع بمستويين تمثيليين أو أكثر عن النظم الانتخابية المركبة، حيث يتم انتخاب ممثلي جزء ما من البلاد عملاً بنظام انتخابي معين، بينما يتم انتخاب ممثلي جزء آخر منها بالاستناد إلى نظام انتخابي مختلف. ففي بنما، يتم انتخاب حوالي ثلثي الممثلين في دوائر انتخابية متعددة التمثيل عملاً بنظام القائمة النسبية، بينما يتم انتخاب الثلث المتبقي من دوائر انتخابية أخرى أحادية التمثيل بموجب نظام الفائز الأول.

 

يجدر بنا التنويه إلى أن الحسنات والعيوب الواردة هنا قد تختلف من حالة إلى أخرى، حيث أنها تعتمد على مجموعة من العوامل. وعلى سبيل المثال، فقد يدفع نظام الفائز الأول إلى رفع مستويات المشاركة، في الوقت الذي قد ينتج عن نظام القائمة النسبية توفير دعم قوي داخل السلطة التشريعية لمؤسسة الرئاسة. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يعتبر من ضمن الحسنات في واقع ما أو من قبل حزب ما فقد يعتبر على أنه واحد من العيوب في ظل ظروف أخرى أو من قبل حزب آخر.

إعتـبارات حـول مسـألـة التـمثيـل

يمكن للقواعد الانتخابية أن تؤثر في مجموعة من المسائل المتعلقة بكيفية تمثيل جمهور المواطنين في بلد ما. وتعتبر كثير من تلك المؤثرات نتيجة مباشرة للنظام الانتخابي الذي يتم اعتماده، بينما تنتج المؤثرات الأخرى عن كيفية تصميم القواعد القوانين الانتخابية الأخرى.

تـمثيـل المـرأة

 

هناك العديد من الطرق لرفع مستويات تمثيل المرأة. ,تميل نظم التمثيل النسبي إلى الإسهام في انتخاب أعداد أكبر من النساء حيث أنها تلغي حاجة الأحزاب السياسية للبحث عن أقوى المرشحين وأكثرهم حضاَ في الفوز كما هي الحال في ظل نظام الفائز الأول مثلاً. وبشكل عام، تعمل النظم الانتخابية التي تستند إلى دوائر انتخابية ذات أحجام أكبر (أي التي تنتخب أعداد أكبر من الممثلين عن كل منها) على تحفيز الأحزاب السياسية لترشيح مزيد من النساء على قوائمها، حيث أن التوازن الأكبر في تركيبة تلك القوائم بحيث تشمل مرشحين من الجنسين من شأنه أن يزيد من حضوض تلك الأحزاب بالفوز بعدد أكبر من المقاعد التمثيلية. وتفرض بعض البلدان التي تستخدم نظام القائمة النسبية على الأحزاب السياسية تضمين نسبة معينة من النساء المرشحات على قوائمها.

 

وبالإضافة إلى نوع النظام الانتخابي الذي يتم اختياره، يمكن اعتماد مجموعة من الاستراتيجيات بهدف رفع مستويات تمثيل المرأة، ومنها:

  • أولاً، من خلال حجز حصة معينة من مقاعد البرلمان للنساء (الكوتا). ويتم إشغال هذه المقاعد من قبل المرشحات المنتخبات سواء من المناطق أو الدوائر الانتخابية، أو من قبل مرشحات الأحزاب السياسية، وذلك بالتناسب مع حصة تلك الأحزاب من أصوات الناخبين على المستوى الوطني. ويتم اللجوء إلى هذا الإجراء عادةً في البلدان التي تعتمد إحدى نظم التعددية/الأغلبية، وعادةً ما يتم ضمانها (التأكيد على حجزها) من خلال المواد الدستورية. ففي الهند، يتم تقسيم المقاعد المنتخبة في بعض الإدارات المحلية إلى ثلاث مجموعات، حيث لا يمكن ترشيح سوى النساء ضمن إحدى تلك المجموعات، مما يضمن للمرأة الحصول على ثلث المقاعد على الأقل.

  • ثانياً، يمكن أن يفرض قانون الانتخابات على الأحزاب السياسية تسمية عدد محدد من المرشحات النساء. وهذا ما يستخدم عادةً في ظل نظم التمثيل النسبي، كما هي الحال في ناميبيا على سبيل المثال (30 بالمئة من المرشحين على المستوى المحلي) والبيرو (30 بالمئة من مجموع المرشحين). وهو ما يفرضه القانون فيما يتعلق بالمرشحين للمقاعد المنتخبة بموجب نظام القائمة النسبية ضمن نظام تناسب العضوية المختلطة في بوليفيا (30 بالمئة من مجموع المرشحين). إلا أن ذلك بحد ذاته لا يضمن دائماً تحقيق الهدف المرجو، ما لم يضع القانون ضوابط تضمن ترتيب النساء المرشحات في مواقع قابلة للانتخاب على قوائم الأحزاب، بالإضافة إلى ضوابط كافية لتنفيذ ذلك على أرض الواقع. وهذا ما يحصل في الأرجنتين (حيث يفرض القانون تضمين القوائم 30 بالمئة من المرشحات النساء في مواقع متقدمة وقابلة للانتخاب)، وفي بلجيكا (حيث يفرض القانون ترشيح امرأة من بين أول مرشحين على كل قائمة)، وكوستاريكا (40 بالمئة من المرشحات النساء في مواقع متقدمة وقابلة للانتخاب).

  • ثالثاً، يمكن أن تعتمد الأحزاب السياسية كوتا داخلية خاصة بها لترشيح عدد من النساء للانتخاب. وهذه هي الطريقة الأكثر شيوعاً لتحفيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية، والمستخدمة حول العالم ولكن بنسب متفاوتة من النجاعة، إذ يستخدمها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، والحزب البيروني والاتحاد الشعبي الراديكالي في الأرجنتين، وحزب أرض الآباء في بوليفيا، وحزب الثورة الديمقراطية في المكسيك، وحزب العمال في كل من أستراليا وبريطانيا، وكثير من الأحزاب في البلدان الاسكندنافية. ولقد أدى اللجوء إلى استخدام قوائم أولية نسائية محضة من قبل حزب العمال في بريطانيا في انتخابات العام 1997 إلى رفع عدد النساء المنتخبات في مجلس العموم من 60 إلى 119 امرأة.

 

حسب المعطيات المتوفرة حتى عام 2004، نص الدستور في 14 بلد على فرض كوتا نسائي، بينما نصت على ذلك قوانين الانتخابات في 32 بلد، وما لا يقل عن 125 حزب سياسي في 61 بلد اعتمدت كوتا طوعية خاصة بها. أما فيما يتعلق بأنواع النظم الانتخابية، نجد بأن 17 بلد تستخدم إحدى نظم التعددية/الأغلبية تعتمد كوتا نسائية، بينما يعتمدها 15 بلد تعمل بإحدى نظم الانتخابات المختلطة و45 بلد تعتمد نظماً نسبية. وذلك بالإضافة إلى كل من أفغانستان والأردن، حيث يتم استخدام أحد النظم الانتخابية الأخرى، والتي تعتمد الكوتا أيضاً.

 

أما النظم التي تضمن تمثيل المرأة فتختلف في مستويات نجاعتها ونتائجها على الأرض. فعلى سبيل المثال، يمكن لاعتماد طريقة الكوتا أن تضمن انتخاب المرأة، إلا أن الكثيرين، وخاصةً من النساء، يرون في ذلك إجراءً إرضائياً فحسب لا يهدف سوى إلى تحييد المرأة وتحجيم دورها وتوفير فرصة للفوز لأقرباء وأصدقاء السياسيين الرجال بدلاً من إعطاء المرأة فرصة حقيقية لدخول المعترك السياسي. وطالما أن دخول العمل السياسي عادةً ما يبدأ بالمستوى المحلي، حتى بالنسبة للرجال، فقد يكون من الأفضل البدء باعتماد الكوتا النسائية، على الأقل في المراحل الأولية، على المستوى المحلي بدلاً من المستوى الوطني.

 

كما وأن الفوز بأحد مقاعد البرلمان لا يعني بالضرورة الحصول على موقع مؤثر في سلطة صنع القرار، وفي بعض البلدان، يتم تهميش النساء المنتخبات من مواقع صنع القرار، خاصةً عندما يتم انتخابهن من خلال مقاعد محجوزة للنساء فقط. ولكن على الرغم من ذلك، فلقد استطاعت المرأة في بلدان أخرى، ومن خلال استغلال الفرصة المتاحة لها عبر الكوتا، إثبات وجودها والإسهام بشكل فاعل في صنع القرارات ورسم السياسات، والتأثير بذلك على النهج التقليدي في العمل السياسي.

تـمثيـل الأقليـات

تتعدد السبل الرامية لتحسين مستويات تمثيل الأقليات. وكما هي الحال بالنسبة لتمثيل المرأة، تعمل النظم الانتخابية التي تستند إلى دوائر انتخابية ذات أحجام أكبر (أي التي تنتخب أعداد أكبر من الممثلين عن كل منها) على تحفيز الأحزاب السياسية لترشيح مزيد من المنتمين للأقليات على قوائمها، حيث أن التوازن الأكبر في تركيبة تلك القوائم بحيث تشمل مرشحين من الأقليات من شأنه أن يزيد من حضوض تلك الأحزاب بالفوز بعدد أكبر من المقاعد التمثيلية. كما وأن اعتماد نسبة ضئيلة للحسم، أو غيابها بالكامل ضمن نظم الانتخاب النسبية من شأنه أن يسهم في تمكين الأقليات والمجموعات غير الممثلة من الحصول على تمثيل لها. وعادةً ما يتم حجز عدد من المقاعد، خاصةً في ظل استخدام إحدى نظم التعددية/الأغلبية الانتخابية، لتمثيل الأقليات والمجتمعات المحلية.

 

ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال حجز عدد من المقاعد لضمان تمثيل الأقليات في البرلمان. ويتم حجز المقاعد لمجموعات معرفة ومحددة من الأقليات العرقية أو الدينية في بلدان تتنوع تركيبتها الاجتماعية، كما في كولومبيا (للأقلية السوداء)، وفي كرواتيا (لكل من الأقليات التالية: المجر، والطليان، والتشيك، والسلوفاك، والروثانيين، والأوكرانيين، والألمان، والنمساويين)، وفي الهند (لمختلف القبائل والطبقات)، وفي الأردن (للمسيحيين والشركس)، وفي النيجر (للطوارق)، وفي نيوزيلندا (لشعب الماوري)، وفي الباكستان (للأقليات من غير المسلمين)، وفي فلسطين (للمسيحيين)، وفي ساموا (للأقليات من غير السكان الأصليين)، وفي سلوفينيا (للمجر والطليان)، وفي التايوان (للسكان الأصليين). ويتم انتخاب الممثلين عن تلك القليات عادةً بنفس الطريقة التي يتم فيها انتخاب باقي الممثلين، إلا أن انتخابهم ينحصر أحياناً بالناخبين التابعين لتلك الأقليات المنصوص عليها في القانون. وذلك يتطلب بطبيعة الحال إعداد سجل خاص لللناخبين من تلك الأقليات. وبينما يتفق الكثيرون على الفائدة من ضمان تمثيل المجموعات الصغيرة والأقليات، إلا أن آخرون يرون أنه من الأفضل العمل على انتهاج سياسات تفضي إلى إفراز هيئات تشريعية تمثيلية دون المزيد من المعالجات والشروط القانونية، حيث أن الكوتا قد تؤدي إلى امتعاض الأكثرية والإضرار بجهود بناء الثقة والتعايش بين مختلف المجموعات الثقافية والاجتماعية.

 

وبدلا من حجز عدد من المقاعد، يمكن اللجوء إلى طريقة أخرى تتمثل في زيادة عدد ممثلي المقاطعات/الألوية أو المحافظات، الأمر الذي قد يسهم في رفع مستويات تمثيل المجموعات المتمركزة جغرافياً في مناطق محددة. ففي المملكة المتحدة البريطانية تحصل مقاطعات سكوتلندا وويلز على عدد من الممثلين في مجلس العموم يفوق العدد الذي يمكنهم الحصول عليه في حال اعتماد مبدأ الحجم السكاني لكل مقاطعة لتوزيع المقاعد. وكذلك الأمر بالنسبة لللمقاطعات الجبلية في النيبال.

 

ويوفر نظام ما يعرف "بالخاسر الأفضل" المستخدم حالياً في موريشيوس إمكانية أخرى لتحقيق ذلك، حيث يمنح الخاسرون الحاصلون على أعلى الأصوات (دائماً من بين المرشحين الخاسرين) والتابعون لأقليات عرقية محددة، يمنحون مقاعد في البرلمان وذلك للعمل على إيجاد توازن في تمثيل مختلف المجموعات العرقية في البلد.

 

كما ويمكن تعديل حدود الدوائر الانتخابية وتجييرها لضمان تمثيل الأقليات. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، كان يسمح قانون الحقوق الانتخابية للحكومة بترسيم حدود الدوائر الانتخابية بكافة الأشكال الملتوية وغير المتناسقة، وذلك بهدف إيجاد دوائر انتخابية تتمتع فيها بعض المجموعات العرقية بالأغلبية، مثل السود، أو اللاتينيين أو الأسيويين الأمريكان، وهو ما يمكن اعتباره على أنه تلاعب إيجابي في حدود الدوائر. وعلى أية حال، قلما تخلو أية إجراءات تهدف إلى حماية حقوق الأقليات في التمثيل من الجدل.

تـمثيـل المجتـمعـات المحـليـة

قامت بعض المجتمعات المنقسمة عرقياً باستغلال مفهوم المقاعد المحجوزة إلى أبعد حد ممكن. وذلك ليس فيما يتعلق بتوزيع المقاعد على أساس التوزيع العرقي للمجتمع فحسب، بل أن مجمل النظام التمثيلي في الهيئة التشريعية يستند كذلك إلى اعتبارات عرقية، حيث يفضي ذلك إلى وجود سجل انتخابي خاص بكل مجموعة أو فئة، وتنتخب كل من هذه المجموعات ممثليها بشكل منفصل (أي أنها لا تقترع لممثلي المجموعات الأخرى).

 

ففي لبنان يعمل بدوائر انتخابية متعددة التمثيل محددة مسبقاً، حيث يتم توزيع المقاعد المخصصة لكل منها بين مختلف الطوائف المتواجدة في تلك الدائرة. ويتم انتخاب الممثلين بموجب نظام الكتلة، استناداً إلى سجلات للناخبين تخص كل واحدة من تلك الطوائف والتي تقترع لصالح ممثليها فقط. أما في فيجي، فيستطيع الناخبون الاقتراع لقوائم مفتوحة، بالإضافة إلى اقتراعهم لصالح مرشحي مجموعاتهم أو فئاتهم العرقية.

 

ولقد تم الاستغناء عن هذه الإجراءات في غالبية الحالات (السجلات العرقية أو الطائفية المنفصلة)، بعدما اتضح بأن ذلك، وعلى الرغم من كونه يضمن للمجموعات والأقليات الحصول على تمثيل لها، إلا أنه يقوض جهود التعايش والتوافق بين مختلف المجموعات والفئات، ولا يدفع باتجاه التفاعل السياسي فيما بينها. كما وأن عملية تحديد هوية كل ناخب وتبعيته لإحدى المجموعات أو الفئات، وبالتالي توزيع المقاعد بينها بشكل عادل، عادةً ما يكون أمراً صعباً للغاية ولا يخلو من المخاطر. ففي الهند على سبيل المثال، تم بعد الاستقلال إلغاء الدوائر الانتخابية المعتمدة في العهد الاستعماري بشكل منفصل لكل من المسلمين، والمسيحيين، والسيخ وغيرهم، على الرغم من الإبقاء على بعض المقاعد المحجوزة لتمثيل القبائل والطبقات. كما وتم الاستغناء عن إجراءات وسجلات مماثلة في كل من باكستان، وقبرص والزيمبابوي. وعلى الرغم من الجدل المحيط باستخدامها في الفيجي، ما زال انتخاب الممثلين في البرلمان يتم من خلال سجلات منفصلة لكل من الفيجيين الأصليين، والهنود، والروتومان، بالإضافة إلى السجل الخاص بباقي الناخبين.

 

بينما تسند مهمة تحديد المجموعة/الفئة التي يتبع لها كل ناخب إلى جهات مسؤولة عن تسجيل الناخبين في بعض الحالات، يترك تحديد ذلك في حالات أخرى للناخب للقيام بذلك بنفسه. أما المثال الأهم للسجل المنفصل والمعمول به في الديمقراطيات الحالية فنجده في السجل الاختياري الخاص بشعب الماوري في نيوزيلندا. حيث يمكن للناخب من هذه الفئة أن يختار تسجيل نفسه على سجل الناخبين العام أو على السجل الخاص بتلك الأقلية، والتي تنتخب حالياً سبعة ممثلين لها في البرلمان. إلا أن نتائج الانتخابات الأولى بموجب نظام نسبي في نيوزيلندا منذ العام 1996 قد أضعفت المبررات لاستخدام السجل الخاص، حيث فاز بالانتخاب على أساس السجل العام للناخبين عدد من الممثلين من جماعة الماوري يساوي ضعف العدد المنتخب بموجب السجل الخاص بتلك الفئة.

مـواعيـد الانتخـابـات

يمكن إجراء الانتخابات على مراحل وليس بالضرورة في يوم واحد أو محدد، سواء كانت تلك انتخابات تشريعية، عامة، أو محلية أوغيرها. ويمكن أن يكمن السبب في فصل مواعيد الانتخاب وتوزيعها على فترات زمنية متباعدة في اعتبارات عملية وسياسية في نفس الوقت. وعادةً ما يتم تنظيم الانتخابات على مراحل عندما يتطلب ذلك مزيداً من التحضيرات اللوجستية (كما هي الحال في انتخابات مجلس العموم في الهند)، أو عندما تفرض ذلك الاعتبارات الأمنية. ونجد بأن الاعتبارات الإدارية والأمنية تجعل تنظيم الانتخابات على مراحل متتالية، إن من حيث التوقيت أو من حيث المواقع، أسهل بكثير بالنسبة للجنة الانتخابات الهندية. ويمكن أن تفصل عدة أسابيع بين الانتخابات التشريعية في كل مقاطعة والتي تليها. أما الصعوبات التي تواجه تنظيم الانتخابات على مراحل فتكمن في تأمين وحماية أصوات الناخبين المقترعين. حيث أنه يجب تأمين الأصوات الخاصة بالأماكن التي انتهت من الاقتراع في موقع مركزي آمن إلى أن تنتهي باقي المواقع من الاقتراع، وذلك كي لا تؤثر نتائج الأولى في سلوك وتوجهات الناخبين في المواقع التي لم تنتخب بعد.

 

أما الإجراء الأكثر شيوعاً فهو تنظيم الانتخابات الرئاسية، والتشريعية والمحلية في مواعيد مختلفة. حيث دلت التجارب على أن تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية في نفس الوقت وبشكل متزامن من شأنه أن يرجح كفة حزب مرشح الرئاسة صاحب أفضل الحضوض في الفوز، الأمر الذي ينتج عنه تماسكاً وتناسقاً أكبر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وبالتالي منح السلطة التنفيذية سلطة أقوى في إدارة الحكم، خاصةً في الديمقراطيات الناشئة. لكن، إذا كانت هناك رغبة في تدعيم الفصل بين السلطات، وإذا سمحت بذلك الاعتبارات والقدرات اللوجستية، فقد يكون من الضروري العمل على فصل الانتخابات الرئاسية عن التشريعية وتنظيمها في مواعيد مختلفة.

التصـويـت عـن بعـد

يستخدم التصويت عن بعد في العديد من البلدان، بما فيها الديمقراطيات الناشئة والراسخة، وذلك في محاولة لرفع مستويات المشاركة. وقد يتم التصويت عن بعد من خلال الاقتراع شخصياً في موقع يختلف عن مركز الاقتراع الذي يتبع له الناخب، أو في موعد يختلف عن موعد الانتخابات، أو من خلال اتباع إجراءات محددة لإرسال الصوت عبر البريد أو الاقتراع بواسطة وكيل. ويمكن للأصوات عن بعد أن تمثل نسبة هامة من مجمل أصوات الناخبين، خاصةً عندما تنحصر الشروط للمارسة ذلك في حدها الأدنى. ففي فنلندا تبلغ نسبة الأصوات عن بعد حوالي 37 بالمئة من مجمل أصوات الناخبين، وفي انتخابات عام 2003 في جزر المارشال بلغت تلك النسبة 58 بالمئة. أما في السويد، حيث تبلغ نسبة الأصوات عن بعد حوالي 30 بالمئة عادةً، فيمكن للناخبين تغيير صوتهم عن بعد من خلال التوجه إلى مركز الاقتراع الخاص بهم يوم الانتخاب. إلا أن استخدام الاقتراع عن بعد له انعكاساته على تصميم النظام الانتخابي، كما وأنه على درجة من الأهمية فيما يتعلق بسلامة ونزاهة العملية الانتخابية.

 

ويسهل تطبيق التصويت عن بعد في ظل نظام القائمة النسبية المستند إلى قوائم وطنية وحيث يتم ترشيح قائمة واحدة عن كل حزب، بينما يصبح بالغ التعقيد في ظل نظام يستند إلى دوائر انتخابية أحادية التمثيل. وعندما يتعلق الأمر بالاقتراع من خارج حدود البلد المعني، يجب الانتباه إلى ضرورة تأمين وصول ورقة الاقتراع الصحيحة إلى كل ناخب (أي الورقة التي تخص الدائرة الانتخابية التي يتبع لها) وتنظيم ذلك بكل حذر ودقة. فقد لا تسير العملية حسب المطلوب فيما لو طلب من الممثليات الدبلوماسية توزيع أوراق الاقتراع إذا ما كان البلد المعني ينقسم إلى عدد كبير من الدوائر الانتخابية، أخذاً بعين الاعتبار الصعوبات اللوجستية الكامنة في ضمان استلام كل ممثلية لأوراق الاقتراع الصحيحة والمطلوبة وبالتالي قدرتها على إيصال الورقة الصحيحة لكل ناخب بشكل فردي. أما إذا ما اختير اللجوء إلى إرسال أوراق الاقتراع عبر البريد فيجب أخذ انعكاسات ذلك على الجدول الزمني للعملية الانتخابية.

 

بعد الإدلاء بها، يمكن دمج الأصوات عن بعد مع باقي أصوات الناخبين في الدائرة الانتخابية التي يتبع لها الناخب عن بعد (كما في نيوزيلندا)، أو يمكن عدها وفرزها بشكل منفرد ضمن دوائر خارجية خاصة بالمقترعين خارج البلد (كما في كرواتيا)، أو إتباعها للأصوات في دائرة انتخابية محددة أو أكثر (كما في إندونيسيا)، أو إضافتها إلى مجموع الأصوات على المستوى الوطني عندما يقوم النظام على أساس التمثيل النسبي للقائمة من خلال قوائم وطنية (كما في هولندا).

مسـتويـات المشـاركـة

هناك علاقة مباشرة بين مستوى المشاركة في الانتخابات (بمعنى نسبة الناخبين المشاركين بالاقتراع) والنظام الانتخابي المعتمد. وترتبط نظم التمثيل النسبي بشكل عام بمستويات أعلى لمشاركة الناخبين. أما في نظم التعددية/الأغلبية، فعادةً ما ترتفع نسبة المشاركة عندما يتوقع جمهور الناخبين نتائج متقاربة لمختلف الأحزاب أو المرشحين، على العكس مما يحصل عندما يكون واضحاً للجميع تفوق حزب ما منذ البداية.

 

وللعمل على الارتقاء بشرعية العملية الانتخابية، قامت بعض البلدان، وخاصة جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، بإدخال نسب إلزامية للمشاركة كحد أدنى لاعتبار الانتخابات على أنها صحيحة وقانونية: فلو لم تصل نسبة المشاركة إلى الحد المطلوب في دائرة انتخابية ما (50 بالمئة على سبيل المثال)، لا تعتبر الانتخابات صحيحة في تلك الدائرة وتتم إعادتها. إلا أن إدخال مثل هذه النسب الإلزامية يزيد في تعقيد العملية الانتخابية من الناحية الإدارية فيما لو أخفقت الانتخابات المعادة مراراً وتكراراً في تحقيق النسبة المطلوبة. ففي أوكرانيا على سبيل المثال تم إلغاء نسبة المشاركة الإلزامية في انتخابات عام 1998 بعدما أخفقت الانتخابات التكميلية المعادة في تحقيق نسبة المشاركة المطلوبة في انتخابات العام 1994.

 

وتعمد عدة بلدان لمعالجة مسألة المشاركة من خلال فرض الاقتراع كواجب قانوني إلزامي على الناخب، كما يحدث في كل من أستراليا، وبلجيكا، واليونان وكثير من دول أمريكا اللاتينية. إلا أن الكثير من البلدان الأخرى ترفض هذا الإجراء من منطلق مبدأي. وبينما يمكن اللجوء لهذا الإجراء في ظل أي من النظم الانتخابية، يمكن كذلك تطبيقه بالتزامن مع أي من الإجراءات الأخرى الهادفة إلى رفع مستويات مشاركة الناخبين في العملية الانتخابية.

إعتبارات إضافية حول الانتخابات الانتقالية ومراحل ما بعد الصراع

عادةً ما لا يتوفر الوقت الكافي للحوار والتفاوض في المراحل الانتقالية والتي تلي انتهاء الصراعات مباشرة. حيث يمكن أن تدفع التطورات السياسية الناتجة عن التوصل لاتفاق سلام أو عن سقوط نظام ديكتاتوري باتجاه إجراء انتخابات بأسرع ما يمكن. وبينما تبقى الكثير من الاعتبارات المتعلقة بنجاعة وجودة الانتخابات الانتقالية ومعوقاتها بعيدة عن اختصاص هذا النص، إلا أن هناك بعض المسائل المتعلقة بتصميم النظام الانتخابي في هذه الظروف والتي لا بد من التطرق لها.

 

تحتاج النظم الانتخابية المختلفة إلى فترات زمنية متفاوتة لإعداد البنية التحتية الضرورية لتطبيق كل منها. فمسألتي تسجيل الناخبين وترسيم الدوائر الانتخابية، على سبيل المثال، من المسائل التي تحتاج إلى مزيد من الوقت لإتمامها، والتي من شأنها أن تفضي إلى صعوبات تمس شرعية العملية الانتخابية برمتها. فلو قام النظام الانتخابي على أساس اقتراع كافة الناخبين شخصياً، بحيث يتم استخدام إحدى الوسائل الشائعة للدلالة على قيام الناخب بالاقتراع والحؤول دون ممارسته لذلك أكثر من مرة واحدة، فيمكن العمل بنظام القائمة النسبية على أساس دائرة وطنية واحدة تشمل كافة مساحة البلد، دون الحاجة لسجل الناخبين ولا لترسيم الدوائر الانتخابية. أما لو كان الخيار اعتماد إحدى نظم التعددية/الأغلبية على أساس دوائر انتخابية أحادية التمثيل، فسيتطلب ذلك إنجاز كلا الأمرين (السجل وترسيم الدوائر) قبل إجراء الانتخابات. وعلى أية حال فقد لا يكون النظام الانتخابي الذي يتم اختياره لتنظيم أول انتخابات انتقالية هو الأفضل على المدى الطويل، على الرغم من أن التغيير المستمر في النظام الانتخابي، بحيث لا يتمكن الناخبون ولا المرشحون أو الأحزاب من الاعتياد على النظام المعتمد في كل مرة، أمر غير مرغوب فيه كذلك.

 

عادةً ما يميل القائمون على التفاوض حول ماهية النظام الانتخابي وتفاصيله إلى جعله شمولياً إلى أبعد الحدود، مما يحدو بهم إلى تخفيف شروط المشاركة وعدم تعقيدها، سواء من خلال اعتماد شروط سهلة للترشيح أو من خلال اعتماد نظام لا ينطوي على نسبة حسم عالية (في شقيها القانوني/الرسمي أو الفعلي). وفي المقابل، فقد يعنى المفاوضون بالحد من تعدد الأحزاب السياسية وانسياقها خلف الاعتبارات الشخصية أو العرقية، مما يدفعهم نحو رفع شروط المشاركة وضبطها بشكل أكبر. إلا أن ظهور أعداد كبيرة من الأحزاب السياسية يبدو بأنه أحد الميزات الملازمة للانتخابات التي تعقب سقوط الأنظمة الديكتاتورية، لكن كثيراً منها لا تلبث أن تتلاشى بعدما تثبت فشلها في الانتخابات.

 

في حالات التحول نحو الديمقراطية في المجتمعات التي تعاني من جو سياسي هش ومنقسم، هناك الكثير من الأصوات المنادية بأفضلية البدء في تنظيم انتخابات محلية، ومن ثم الانتقال، شيئاً فشيئاً وتمشياً مع تحسن الظروف السياسية والمادية، إلى مستويات أعلى حتى الوصول إلى المستوى الوطني، كما تم طرحه في السودان على سبيل المثال. وفي حال اللجوء إلى هذا الخيار، فمن المهم بمكان تصميم النظام الانتخابي بما يفي بالمتطلبات السياسية للانتخابات المحلية وبشكل قابل للتطبيق أخذاً بعين الاعتبار الوقت المتوفر والظروف المحيطة.

 

وقد يكون لتمكين المهجرين واللاجئين من المشاركة في الانتخابات أهمية خاصة في حالات ما بعد الصراع. إذ نجد في التأثير البالغ لأصوات المهجرين واللاجئين في البوسنة والهرسك مثالاً حياً على ذلك. ففي انتخابات عام 1998، تم تسجيل ما مجموعه 314,000 ناخب للاقتراع من خارج البلد، من أصل حوالي مليوني ناخب، حيث تواجد حوالي نصفهم في كل من كرواتيا ويوغوسلافيا سابقاً (صربيا حالياً)، بينما توزع الباقون على 51 بلد آخر. وشارك 66 بالمئة من هؤلاء الناخبين بالاقتراع.

النظـم الانتخـابيـة والإطـار التنظيـمي وإدارة الحـكم

للنظم الانتخابية مؤثراتها الخاصة فيا يتعلق بمسائل إدارة الحكم، ورسم السياسات والاستقرار السياسي بشكل عام. إذ ينتج عن مختلف النظم الانتخابية تبعات محددة تتعلق بإدارة الحكم في الأنظمة البرلمانية. وبشكل خاص، هناك فارق كبير في المؤثرات الناتجة عن النظم الانتخابية التي تدفع باتجاه تمكين الحزب الواحد من السيطرة على الحكم (كنظم التعددية/الأغلبية) وتلك الناتجة عن النظم التي تميل إلى إفراز حكومات ائتلافية (كنظم التمثيل النسبي). وينتج عن كلتا الحالتين تبعات واضحة تنعكس على النظام االسياسي: إذ تكون عملية صنع القرار ورسم السياسات، وكذا تحديد المسؤوليات أوضح وأسهل في ظل حكومة الحزب الواحد، بينما تعمل الحكومات الائتلافية على توليد سياسات أكثر تمثيلية من خلال إشراك عدد أكبر من الأحزاب والقوى السياسية. وبنفس الوقت، يسهل على حكومة الحزب الواحد اعتماد تحولات جذرية في سياساتها بينما يتطلب ذلك لمزيد من التفاوض والجدل في ظل الحكومات الائتلافية.

 

تنتخب معظم البلدان التي تعتمد نظاماً رئاسياً أو شبه رئاسي رئيسها بشكل مباشر. كما وتعمل على انتخاب رئيسها بشكل مباشر كذلك بعض الجمهوريات التي ينص دستورها على اعتماد النظام البرلماني. أما في الأنظمة الرئاسية، فتعتمد شرعية الرئاسة إلى حد كبير على الطريقة التي يتم انتخاب الرئيس من خلالها. إذ نجد بأن الرؤساء المنتخبين من خلال نظام يحتم عليهم الفوز بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين يتمتعون بشرعية أقوى لطرح وتنفيذ أجندتهم السياسية من أولئك المنتخبين بموجب نظام لا يتطلب فيه الفوز إلا بأغلبية بسيطة من الأصوات. ولذلك انعكاساته الهامة على العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والسلطة التشريعية، إذ يتمكن الرئيس المنتخب بالأغلبية المطلقة من الاستناد إلى شرعية أكبر في مواجهة أي صراع قد يحصل بينه وبين السلطة التشريعية. وعلى العكس من ذلك، نجد بأن انتخاب الرئيس التشيلي سالفادور أيندي سنة 1970 بفوزه بنسبة 36 بالمئة فقط من أصوات الناخبين، والذي تلازم مع انتخاب برلمان يميني معارض، قد أسهم في إيجاد الأرضية الملائمة للانقلاب العسكري ضده سنة 1973.

 

وتختلف طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بين الأنظمة البرلمانية والأنظمة شبه الرئاسية والرئاسية. ففي الأنظمة الرئاسية أو شبه الرئاسية لا تستند مواقف الرئيس وسياساته إلى حفاظه على ثقة السطلة التشريعية: حيث لا يمكن إقصاء الرئيس عن منصبه بناءً على اختلاف في السياسات بينه وبين السلطة التشريعية. إلا أن التجربة في بلدان أمريكا اللاتينية على وجه التحديد تثبت بأن افتقاد الرئيس المنتخب بشكل مباشر لأغلبية داعمة له داخل السلطة التشريعية لا يسهم في قيام حكومات فاعلة بل على العكس من ذلك يعرقل عمل السلطة التنفيذية. وبناءً على ما تقدم، يمكن القول بأنه من الضروري اعتبار النظم الانتخابية المعتمدة لانتخاب كل من الرئاسة والسلطة التشريعية معاً، في الديمقراطيات التي تتبع الأنظمة الرئاسية أو شبه الرئاسية، على الرغم من أن الأدوار المختلفة لكلتا السلطتين تفرض اعتبارات وعوامل مختلفة يجدر الأخذ بها أثناء اختيار النظام الانتخابي الخاص بكل منهما. إذ يجب الأخذ في نفس الوقت بكافة الاعتبارات المتعلقة بتزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية أو تباعدها، وكذا الضوابط التي تحفز أو تحد من تشتت الأحزاب السياسية، بالإضافة إلى تلك المتعلقة بتحديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والمثثلين المنتخبين.

إنتـخاب الرئيـس

يمكن من حيث المبدأ اللجوء إلى استخدام أي من نظم الانتخاب المستندة إلى دوائر انتخابية أحادية التمثيل لتنظيم الانتخابات الرئاسية المباشرة. فعندما يتم انتخاب الرئيس، بصفته السلطة التنفيذية الأعلى في البلاد، يفضل العمل بإحدى النظم الانتخابية التي تقوم على الفوز بالأغلبية المطلقة من الأصوات للفوز بالرئاسة. لذلك، نجد بأن غالبية البلدان التي تنتخب رئيسها انتخاباً مباشراً تستخدم نظام الجولتين.

 

يستفيد المرشحون المتقدمون في نتائج الجولة الأولى من الفاصل الزمني بين الجولتين للعمل على حشد الدعم والتأييد من قبل المرشحين الخاسرين في الجولة الأولى وناخبيهم. وعادةً ما ينحصر هذا النوع من التحالفات والتفاهمات في اعتبارات تتعلق بتحديد هوية الفائز في الجولة الثانية، دون الاستناد بالضرورة إلى توافق مسبق حول البرامج والسياسات، كما يمكن أن يحصل في ظل النظم التفضيلية المنتظمة من خلال جولة انتخابية واحدة. بالإضافة إلى ذلك، وكما سبق وأشرنا في موقع آخر من هذا الدليل، فإن نظام الجولتين يرفع من تكاليف العملية الانتخابية كما أنه يتطلب مزيداً من الموارد لتطبيقه، زد على ذلك النتائج المضرة بالنظام السياسي برمته والتي يؤدي إليها انخفاض مستويات المشاركة في الجولة الثانية، مقارنة بالجولة الأولى، والذي قد يشكل انخفاضاً حاداً في بعض الأحيان. لهذا السبب تنتشر مؤخراً محاولات البحث في إمكانية استخدام نظم أخرى لتنظيم الانتخابات الرئاسية، كنظام الصوت البديل.

إنتـخاب الرئيـس من خـلال نظـام الفـائـز الأول

تتمثل الطريقة الأبسط في انتخاب الرئيس من خلال الفوز بموقع الرئاسة من قبل المرشح الحاصل على أعلى عدد من الأصوات، حتى ولو لم يعني ذلك فوزه بالأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين. وهذا ما يعمل به في انتخابات الرئاسة في كل من البوسنة والهرسك، والكاميرون، وجزر القمر، وغينيا الإكواتورية، وغوايانا، والهندوراس، وأيسلاندا، وكيريباتي، وكوريا الجنوبية، ومالاوي، والمكسيك، وفلسطين، وبنما، والبرغواي، والفلبين، ورواندا، وسنغافورة، والتايوان، وتونس، وفنزويلا، وزامبيا. ومن الواضح بأن هذا النظام هو نظام بسيط، قليل التكلفة وفعال، إلا أنه يفسح المجال، خاصةً في الحالات التي يزداد فيها عدد المرشحين المتنافسين، أمام انتخاب رئيس لا يفوز سوى بعدد قليل من أصوات الناخبين، مما يفقده إمكانية الظهور كخيار الأغلبية، بل على العكس من ذلك فقد يبدو وكأن أغلبية معتبرة من الناخبين المقترعين للمرشحين الآخرين تعارض انتخابه. وهناك العديد من الأمثلة على ذلك، ومنها ما حصل في انتخابات عام 1993 في فنزيلا حيث فاز السيد رفائيل كالديرا بالانتخاب بحصوله على 30.5 بالمئة فقط من أصوات الناخبين، وانتخابات عام 1992 في الفلبين، حيث انتخب السيد فيدل راموس، أحد المرشحين السبعة، بفوزه بنسبة 24 بالمئة فقط من أصوات الناخبين. أما في التايوان، ففاز مرشح المعارضة في انتخابات عام 2000 بحصوله على 39 بالمئة من الأصوات، بفارق لا يصل إلى 3 بالمئة فقط عن المرشح التالي.

 

وتنفرد الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم انتخاباتها الرئاسية استناداً إلى نظام الفائز الأول على مستوى الولايات، حيث يفوز المرشح الحاصل على أعلى الأصوات في كل ولاية بكافة أصوات المجمع الانتخابي الخاص بتلك الولاية، وذلك باستثناء ما يحصل في كل من ولاية ماين ونبراسكا، حيث يخصص للفائز على مستوى الولاية صوتين من أصوات المجمع الانتخابي، بينما يعطى الفائز في كل واحدة من الدوائر الانتخابية الخاصة بانتخابات الكونغرس في الولاية صوتاً واحداً. بعد ذلك يقوم المجمع الانتخابي بانتخاب الرئيس عملاً بنظام الأغلبية المطلقة. ويمكن أن يؤدي هذا النظام إلى فوز أحد المرشحين بالرئاسة على الرغم من حصوله على عدد من أصوات الناخبين يقل عن أصوات منافسيه على المستوى العام، كما حصل في انتخابات عام 2000 حيث فاز مرشح الحزب الجمهوري جورج بوش بالرئاسة على الرغم من حصوله على عدد من الأصوات يقل بحوالي نصف مليون صوت عما حصل عليه منافسه عن الحزب الديمقراطي، آل غور.

إنتـخاب الرئيـس عـملاً بنظـام الجـولتيـن

كما هي الحال في الانتخابات التشريعية، يمكن اللجوء إلى تنظيم جولة انتخابية ثانية في حال عدم فوز أي من المرشحين في الجولة الأولى بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين، وذلك لتفادي فوز مرشح ما بحصوله على نسبة ضئيلة فقط من تلك الأصوات. ويمكن تنظيم ذلك من خلال حصر المنافسة في الجولة الثانية بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات في الجولة الأولى (وهو ما يعرف بنظام الأغلبية)، أو من خلال تمكين عدد أكبر من المرشحين الراغبين من المشاركة في الجولة الثانية (نظام الأغلبية/التعددية). وتستخدم نظام الجولتين لتنظيم انتخاباتها الرئاسية كل من فرنسا، ومعظم دول أمريكا اللاتينية، وكافة الجمهوريات الخمس في آسيا الوسطى والتابعة للاتحاد السوفياتي سابقاً، بالإضافة إلى العديد من البلدان الناطقة بالفرنسية في القارة الأفريقية. أما الدول الأفريقية الأخرى التي تستخدم هذا النظام فهي أنغولا، والقرن الأخضر (كاب فيردي)، وغامبيا، وغانا، وغينيا-بيساو، وكينيا، والموزامبيق، وناميبيا، ونيجيريا، وساو تومي، وجزر السيشيل، وسيراليون، والسودان، وتنزانيا، وأوغندا، والزمبابوي. وفي أوروبا فبالإضافة إلى فرنسا يستخدم نظام الجولتين في كل من أرمينيا، وأذربيجان، والنمسا، وبيلاروسيا، وبلغاريا، وكرواتيا، وقبرص، وفنلندا، وجورجيا، وليتوانيا، ومقدونيا، وبولندا، والبرتغال، ورومانيا، وروسيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، وأوكرانيا. كما وأنه يستخدم في كل من أفغانستان، وهايتي، وإندونيسيا، وإيران، وتيمور الشرقية واليمن.

 

وهناك بعض التعديلات التي تم إدخالها على نظام الجولتين في بعض الحالات. ففي كوستاريكا، يمكن لمرشح ما الفوز بالرئاسة بحصوله على 40 بالمئة فقط من أصوات الناخبين في الجولة الأولى. وعلى العكس من ذلك، نجد بأن النظام في سيراليون يحتم الفوز بنسبة 55 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى لتفادي الذهاب إلى جولة ثانية. أما في الأرجنتين فيمكن الفوز بالرئاسة في الجولة الأولى من خلال الحصول على 45 بالمئة من الأصوات، أو من خلال حصول أحد المرشحين على 40 بالمئة من الأصوات إذا ما كان الفارق بينه وبين المرشح الذي يليه يزيد عن 10 بالمئة. وهو مل يعمل به كذلك في الإكوادور.

 

تعتمد بعض البلدان مطلباً إضافياً يتمثل في تحقيق حد أدنى من نسبة المشاركة في الانتخابات، عادةً ما يكون 50 بالمئة من مجموع الناخبين المسجلين، كما هي الحال في روسيا الاتحادية والعديد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، وهو ما يعتبر إجراءً إضافياً للتأكيد على شرعية النتائج، على الرغم من كونه يفرض مزيداً من الأعباء المادية واللوجستية في حال عدم توافر نسبة المشاركة المطلوبة والاضطرار لإعادة الانتخابات .

 

أسفر استخدام نظام الجولتين في بلدان أمريكا اللاتينية عن جدل كبير، وذلك باستثناء بعض الحالات في البلدان التي تمكنت أحزابها السياسية من التوصل إلى توافقات وتحالفات تسبق الانتخابات لتمكين مرشحي الرئاسة من الفوز بالانتخاب في الجولة الأولى (كما في انتخابات عام 1994 في البرازيل وانتخابات العامين 1989 و1994 في التشيلي على سبيل المثال). في انتخابات عام 1990 في البيرو فاز ألبيرتو فوجيموري بالانتخابات بحصوله على 56 بالمئة من الأصوات في الجولة الثانية، بينما لم يحصل حزبه سوى على 14 مقعداً من أصل 60 في مجلس الشيوخ وعلى 33 مقعداً من أصل 180 في مجلس العموم. أما في انتخابات عام 1989 في البرازيل، فاز فيرناندو كولور ديميلو بحصوله على أقل من نصف الأصوات في الجولة الثانية، إلا أن حزبه لم يفز في الانتخابات التشريعية اتي أجريت في موعد مختلف عن موعد الانتخابات الرئاسية سوى بثلاثة مقاعد من أصل 75 في مجلس الشيوخ، وعلى 40 مقعد فقط من أصل 503 في مجلس النواب. وفي الإكوادور لم يحصل حزب أي من الرؤساء المنتخبين على أغلبية في البرلمان منذ اعتماد نظام الجولتين سنة 1978.

 

وتثبت الإشكاليات المتعلقة بإدارة الحكم والناتجة عن هذه الحالات أهمية النظر إلى كافة الاعتبارات والمسائل المرتبطة ببعضها البعض والمتعلقة بمسائل الحكم والإطار المؤسسي بذات القدر من الاهتمام. فعلى الرغم من أن نظام الجولتين أدى في جولته الثانية إلى انتخاب رؤساء يتمتعون بتأييد الأغلبية، إلا أنه تلازم مع نظم انتخابية تشريعية لم تضمن لهم تحقيق أغلبية كافية داخل السلطة التشريعية.

 

وبينما تمكن المرشحون الفائزون من ضمان تأييد أحزاب سياسية أخرى لهم بين الجولتين الأولى والثانية، إلا أنهم أخفقوا في الحفاظ على ذلك التأييد بعد فوزهم بالانتخابات.

إنتـخاب الرئيـس بـموجـب النظـم التـفضيـليـة

تتمثل إحدى الطرق الممكنة للالتفاف على مساوئ نظام الجولتين في دمجهما في جولة انتخابية واحدة. وهناك عدة طرق للقيام بذلك، في مقدمتها اللجوء إلى نظام الصوت البديل، والمعمول به لانتخاب الرئيس في جمهورية أيرلندا. حيث يمكن لمرشح لا يحصل على أعلى الأفضليات التغلب على مرشح متقدم عليه من خلال حصوله على عدد كبير من الأفضليات الثانية من أصوات الناخبين. ويعطي فوز السيدة ماري روبنسون في انتخابات الرئاسة للعام 1990 مثالاً حياً على الاستفادة من تطبيق النظام التفضيلي بهذا الشكل.

 

أما الإمكانية الأخرى فتكمن في استخدام النظام المعمول به لانتخاب الرئيس في سريلانكا وكذلك لانتخاب رئيس بلدية لندن، والمعروف باسم الصوت التكميلي. حيث يطلب من الناخبين تحديد أفضلياتهم الأولى والثانية من بين المرشحين (وحتى الثالثة في سريلانكا). أما طريقة تطبيق هذا النظام فتختلف في كلتا الحالتين: ففي سريلانكا يطلب من الناخبين ترقيم مرشحيهم المفضلين من خلال الأرقام التسلسلية، 1 و2 و3، كما هي الحال في نظام الصوت البديل أو نظام الصوت الواحد المتحول. أما في لندن فلا يحتاج الناخبون لاستخدام الأرقام، حيث تحتوي ورقة الاقتراع على عمودين، يستخدم الأول لتحديد الأفضلية الأولى بينما يستخدم الثاني لتحديد الأفضلية الثانية بين مختلف المرشحين، ويقوم الناخبون بالتأشير على مرشحهم المفضل بالدرجة الأولى في العمود الأول وبالتأشير على مرشحهم المفضل بالمرتبة الثانية في العمود الثاني.

 

أما فرز الأصوات فيتم بذات الطريقة في كلتا الحالتين: فإذا فاز أحد المرشحين بالأغلبية المطلقة لأفضليات الناخبين الأولى يفوز بالانتخابات، وإلا فيتم استبعاد كافة المرشحين عدا المرشحين الحاصلين على أعلى النتائج، ويتم احتساب الأفضليات الثانية (والثالثة في سريلانكا) للمرشحين الخاسرين لصالح المرشحين المتنافسين حسب أفضليات الناخبين. ويفوز بالانتخاب المرشح الحاصل على أعلى النتائج بعد الانتهاء من هذه العملية. وبذلك يحقق هذا النظام من خلال جولة انتخابية واحدة ما يحققه نظام الجولتين، موفراً بذلك الكثير من التكلفة ومحققاً نجاعةً إدارية أكبر للعملية الانتخابية.

 

وتتلخص مساوئ نظام الصوت التكميلي في كونه أكثر تعقيداً، وبكونه يتطلب من الناخبين استخدام حدسهم لتخمين هوية المرشحين الأكثر حضاً بالفوز لاستخدام أصواتهم بشكل أكثر فاعلية. وعلى الرغم من الاختلافات بين نظامي الصوت البديل والصوت التكميلي إلا أنهما يهدفان إلى تحقيق ذات الهدف: ألا وهو ضمان فوز المرشح المنتخب بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين. فاستخدام النظم التفضيلية لتمكين الناخب من التعبير عن خياره (أفضليته) الثاني يلغي الحاجة إلى جولة انتخابية ثانية، وهو ما يؤدي إلى توفير في التكاليف ونجاعة أكبر في العملية الانتخابية من النواحي الإدارية، واللوجستية والأمنية.

شـرط الحصـول عـلى تـأييـد مـوزع جغـرافيـاً للفـوز بالرئاسـة

يشترط في كل من إندونيسيا وكينيا ونيجيريا حصول المرشح الفائز في انتخابات الرئاسة على تأييد موزع جغرافياً على مختلف أرجاء البلاد (المحافظات، أو الألوية والمقاطعات)، بالإضافة إلى حصوله على الأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين على المستوى الوطني. ففي إندونيسيا، حيث نظمت أول انتخابات رئاسية مباشرة عام 2004، يشترط في الثنائي الفائز بموقعي الرئيس ونائب الرئيس، بالإضافة إلى فوزهما بالأغلبية المطلقة للأصوات، حصولهما على ما لا يقل عن 20 بالمئة من أصوات الناخبين في نصف المحافظات على الأقل لتفادي الذهاب إلى جولة انتخابية ثانية. ولقد استوحت إندونيسيا هذا الإجراء من نيجيريا، وهو البلد المترامي الأطراف والمنقسم إلى مقاطعات مختلفة، حيث يشترط في المرشح الفائز حصوله على ما لا يقل عن ثلث أصوات الناخبين في ثلثي المحافظات على الأقل، بالإضافة إلى فوزه بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين.

 

ومن أهم فوائد هذا الإجراء كونه يدفع بمرشحي الرئاسة نحو العمل على حشد تأييد أوسع لحملتهم، يمتد إلى خارج مناطقهم أو مجموعاتهم العرقية. إلا أن فرضه كشرط إضافي (بالإضافة إلى شرط الفوز بالأغلبية المطلقة للأصوات) من شأنه أن يؤدي إلى عدم تمكن أي من المرشحين من استكمال كلا الشرطين معاً. وعليه، فمن الضروري أن يأخذ القائمين على تصميم النظام الانتخابي هذه الإمكانية بعين الاعتبار لوضع المعالجات اللازمة لمواجهتها، وإلا فقد يؤدي النظام إلى استحالة فوز أي من المرشحين، الأمر الذي لو تلازم مع غياب المعالجات الناجعة للخروج بحلول ممكنة من شأنه أن يؤدي إلى فراغ في السلطة قد تصحبه الكثير من مخاطر عدم الاستقرار. أما الفوز في الجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية في إندونيسيا فلا يتطلب سوى الحصول على أغلبية بسيطة من أصوات الناخبين، بينما تبقي نيجيريا على الشرط الإضافي في الحصول على تأييد موزع جغرافياً لتطبيقه كذلك في الجولة الثانية، مما ينتج عنه إمكانية الحاجة إلى جولة انتخابية ثالثة، والتي يترتب عليها، في حال حدوثها، الكثير من التبعات المتعلقة بإطالة مدة العملية الانتخابية وزيادة حجم الموارد المادية والإدارية التي يتطلبها ذلك.

 

ويفرض شرط الحصول على تأييد موزع جغرافياً على المرشحين رسم استراتيجيات إضافية لإدارة حملاتهم. ففي كينيا يشترط في المرشح الفائز حصوله على ما لا يقل عن 25 بالمئة من أصوات الناخبين في خمسة من محافظات البلد الثمانية على الأقل، بالإضافة إلى حصوله على الأغلبية المطلقة بطبيعة الحال على المستوى العام. ولكن على الرغم من ذلك سمحت الانقسامات التي ما برحت تعاني منها أحزاب المعارضة لدانييل أراب موي بالاحتفاظ بالرئاسة على امتداد التسعينات من القرن الماضي وذلك رغم عدم حصوله على الأغلبية المطلقة للأصوات. وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن تعميم متطلبات توزيع الدعم الجغرافي على وتطبيقها على شروط الترشيح كذلك.

إنتـخاب مجـلس الشـيوخ

كثيراً ما تتألف السلطة التشريعية في بلد ما من مجلسين، خاصةً في البلدان الكبيرة. ويكمن أحد السببين التاليين أو كليهما معاً خلف وجود المجلس الثاني (والذي غالباً ما يعرف بالمجلس الأعلى، أو مجلس الشيوخ، أو مجلس الأعيان، أو مجلس المستشارين – Senate): يتمثل الأول في العمل على إيجاد نوع آخر من التمثيل أو مستوى مختلف عن ذلك في المجلس الأول، غالباً ما يكون لتمثيل المقاطعات أو الألوية أو المحافظات التي يتركب منها البلد. أما السبب الثاني فيكمن في إيجاد مجلس لمعاينة قرارات المجلس الآخر وإعادة النظر بها والحؤول دون التسرع في اتخاذها. وعادةً ما تقل أهمية السلطات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ عن تلك التي يمنحها الدستور للمجلس الأول، خاصةً عندما يأخذ مجلس الشيوخ دور المعاينة وإعادة النظر فقط. ونجد بأن حوالي ثلثي البلدان حول العالم تعتمد نظام المجلس الواحد، بينما يتبع الثلث المتبقي نظام المجلسين بأحد اشكاله المختلفة.

 

تختلف تركيبة هذه المجالس من بلد إلى آخر، إلا ان معظمها يستخدم في البلدان الفيدرالية حيث يستخدم مجلس الشيوخ لتمثيل الوحدات الإدارية التي يتألف منها النظام الفيدرالي (المقاطعات أو الولايات)، كالولايات )ٍStates) في الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وأستراليا، أو المقاطعات (Länders) في ألمانيا والمحافظات (Provinces) في جنوب أفريقيا، والتي يتم تمثيلها جميعاً في مجلس الشيوخ. وعادةً ما يشتمل هذا النظام على ترجيح وزن الوحدات الإدارية الصغيرة، استناداً إلى الافتراض القائم بضرورة تحقيق المساواة في تمثيل مختلف المقاطعات أو المحافظات في مجلس الشيوخ المنتخب. بالإضافة إلى ذلك يتم انتخاب هذه المجالس في بعض الحالات على مراحل، كالحال في كل من أستراليا واليابان حيث يتم انتخاب نصف أعضاء مجلس الشيوخ كل ثلاث سنوات، أو ما يحصل في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والهند حيث يتم انتخاب ثلث أعضاء هذا المجلس كل سنتين.

 

وتضع بعض البلدان قيوداً معينة على هذه المجالس، خاصةً تلك التي يأخذ مجلس الشيوخ فيها طابع المجلس المعاين. ففي التايلاند على سبيل المثال، وعلى الرغم من كون مجلس الشيوخ مجلساً منتخباً، إلا أنه يمنع على أعضاء المجلس الانتماء لأي حزب سياسي أو القيام بحملات انتخابية. وهناك نوع آخر من هذه المجالس أقل شيوعاً، يقوم على استخدامها لتمثيل مجموعات أو أقليات عرقية، أو لغوية، أو دينية، أو ثقافية محددة. كما ويمكن أن يفسح المجال أمام تمثيل منظمات المجتمع المدني في هذه المجالس. ففي مالاوي على سبيل المثال ينص الدستور على قيام الأعضاء المنتخبين في مجلس الشيوخ بانتقاء 32 عضو من أصل 80 من قائمة من الشخصيات المرشحة من قبل مختلف المجموعات التي تمثل المصالح المختلفة في البلاد. أما هذه المجموعات فتضم المنظمات النسائية، ومنظمات المعاقين، والمؤسسات الصحية والتعليمية، وتنظيمات رجال الأعمال والمزارعين، ونقابات العمال، بالإضافة إلى الشخصيات البارزة والقيادات الدينية. ويدافع الكثيرون عن دور مجلس اللوردات في بريطانيا لكونه يحوي أعضاءً ذوي الخبرة العالية والتي تمكنهم من معاينة مشلريع القوانين التي تطرحها الحكومة والسياسيون العموميون الأقل خبرة عادةً. أما في بلدان أخرى مثل الفيجي وبوتسوانا، فتستخدم هذه المجالس لتمثيل القيادات التقليدية، سواء من خلال التعيين كما في الفيجي أو الانتخاب كما في بوتسوانا.

 

وبناءً على هذه الاختلافات في طبيعة مجالس الشيوخ، نجد بأن بعضها منتخب، وبعضها الآخر منتخب جزئياً أو معين. وفي معظم الحالات التي يتم فيها انتخاب هذه المجالس، نجد بأن البلدان المعنية تعتمد نظماً انتخابية مختلفة لانتخابها غير تلك المستخدمة في انتخاب المجلس الآخر، وذلك للتأكيد على الدور المختلف المسند لكل من المجلسين. ففي أستراليا على سبيل المثال يتم انتخاب مجلس العموم بواسطة أحد نظم الأغلبية (الصوت البديل)، بينما ينتخب مجلس الشيوخ استناداً إلى نظام نسبي (الصوت الواحد المتحول). وهو ما يؤدي عادةً إلى تمكين الأقليات التي لا يمكنها الحصول على تمثيل في مجلس العموم من الحصول على ذلك من خلال مجلس الشيوخ. وفي إندونيسيا ينتخب مجلس العموم عملاً بنظام القائمة النسبية، بينما يستخدم نظام الصوت الواحد غير المتحول لانتخاب أربعة ممثلين عن كل محافظة في مجلس الشيوخ. أما في كولومبيا، فبينما يتم انتخاب كلا المجلسين بواسطة أحد النظم النسبية، إلا أن انتخاب مجلس الشيوخ يقوم على أساس دائرة انتخابية واحدة تشمل كامل الوطن، مما يزيد من حضوض الأحزاب الصغيرة وممثلي الأقليات في الفوز بتمثيل لها في هذا المجلس.

المسـتويـات المختـلفة لإدارة الحـكم

كما يتضح مما ورد أعلاه، تختلف متطلبات تصميم النظام الانتخابي باختلاف الهيئة التي يتم انتخابها واختلاف أدوارها وسلطاتها. فعندما يتعلق الأمر بانتخاب هيئة إقليمية، أو محلية، تختلف الاعتبارات التي يجب الأخذ بها في اختيار النظام الانتخابي عن تلك المتعلقة بانتخاب هيئات تشريعية وطنية.

إنتـخاب الهيـئات الإقليـميـة

ما زالت الهيئات الإقليمية التي تتمتع بسلطات فاعلة والتي تشمل تحت رايتها عدد من البلدان، كالبرلمان الأوروبي، قليلة العدد، إلا أن عددها مرشح للتزايد تمشياً مع اتساع نطاق العولمة في عالم السياسة وتقاطع المصالح على المستوى الإقليمي. ويفرض الإتحاد الأوروبي على كافة الدول الأعضاء ضرورة اعتماد نظام انتخابي نسبي لانتخاب ممثليها في البرلمان الأوروبي، حيث تستخدم 23 من هذه الدول نظام القائمة النسبية، بينما تعمل دولتين منها (جمهورية ايرلندا ومالطا) بنظام الصوت الواحد المتحول. ويتم توزيع المقاعد على الدول الأعضاء ليس استناداً إلى حجمها الديمغرافي فحسب، بل عملاً بمستويات مختلفة يخصص بموجبها ذات العدد من المقاعد للدول المصنفة ضمن كل فئة والتي يتقارب حجمها السكاني من بعضها البعض، بالإضافة إلى تمكين الدول الصغيرة من الحصول على تمثيل أعلى نسيباً لها في البرلمان.

 

ويعطي مصممو تلك النظم الانتخابية أهمية أكبر لتمثيل الوحدات الإدارية التي يتألف منها كل بلد والأحزاب السياسية العاملة فيها بشكل أكبر توازناً. ويتشكل البرلمان الأوروبي حالياً (حسب معطيات العام 2004، وقبل انضمام كل من بلغاريا ورومانيا لعضوية الإتحاد) من 732 عضو، يمثلون ما يزيد عن 500 مليون مواطن، مما يجعل العلاقة المباشرة بين الممثلين وناخبيهم أمراً صعب المنال.

إنتـخاب المجـالس الفدراليـة ومجـالس المقـاطعـات المسـتقلـة

يمكن أن تستخدم في انتخابات الهيئات التشريعية الخاصة بالولايات أو المقاطعات التي يتألف منها بلد فيدرالي ذات النظم الانتخابية المستخدمة في انتخاب البرلمانات الوطنية، كما يحصل في جنوب أفريقيا (نظام القائمة النسبية عملاً بالقوائم المغلقة)، كما ويمكن استخدام نظم مختلفة في كل حالة، كما في بريطانيا حيث ينتخب البرلمان في سكوتلندا وويلز بموجب نظام العضوية المختلطة بينما ينتخب البرلمان الفيدرالي (الوطني) استناداً إلى نظام الفائز الأول. ويمكن أن تعطي النظم الانتخابية المعتمدة لانتخاب مجالس المقاطعات أهمية أكبر لتمثيل الأقليات القاطنة ضمن حدودها، أو لتحقيق توازن بين تمثيل المناطق الحضرية والريفية. وكلما تعاظمت استقلالية المقاطعات كلما خفت الضغوطات عليها لاعتماد نظم انتخابية تماثل تلك المعتمدة في مقاطعات أو محافظات وولايات أخرى. إذ أن وجودها كوحدة إدارية مستقلة يعني بحد ذاته بأن لها واقعاً واحتياجاتٍ تختلف عن باقي المناطق.

إنتـخاب الهيـئات المحليـة

يمكن استخدام أي من النظم الانتخابية التي تم التطرق لها في هذا الدليل لانتخاب الهيئات المحلية والبلدية، إلا أنه عادةً ما تبرز مجموعة من الاعتبارات المؤثرة في ذلك والنابعة أساساً من الدور الخاص الذي تضطلع به الإدارات المحلية. وبشكل خاص، غالباً ما تحتل مسألة التمثيل الجغرافي مكانةً خاصة من الأهمية، وذلك لكون الإدارة المحلية تختص بشكل أساسي في تصريف وإدارة أمور الحياة اليومية للمواطنين.

 

قد تستخدم الدوائر الانتخابية أحادية التمثيل لإعطاء كل حي يتبع للسلطة المحلية المنتخبة دوراً في إدارة الشؤون المحلية، خاصةً في ظل غياب الأحزاب السياسية أو ضعفها. وكلما صغرت مساحة تلك الدوائر كلما كانت على درجة أعلى من التجانس من حيث تركيبتها السكانية. وغالباً ما ينظر لذلك على أنه أمر إيجابي، إلا أنه في حال دعت الحاجة لوجود دوائر محلية متنوعة سكانياً، فلا بد من اعتماد نظام مغاير لترسيم الدوائر المحلية يقوم على تقسيم منطقة السلطة المحلية إلى دوائر تحتل كل منها شطرأً معيناً، ابتداءً من مركز المدينة وانتهاءً بالضواحي التابعة لها، مما ينتج عنه اشتمال كل دائرة انتخابية على ناخبين من المركز ومن الضواحي في نفس الوقت، الأمر الذي يحقق تنوعاً أكبر من حيث التركيبة الإقتصادية وحتى العرقية لجمهور الناخبين في كل دائرة.

 

وعلى العكس من ذلك، تشكل منطقة السلطة المحلية المنتخبة برمتها دائرة انتخابية واحدة في تلك البلدان التي تعتمد نظم الانتخاب النسبي في انتخاب سلطاتها المحلية، وهو ما يمكن أن يعكس الخيارات السياسية القائمة ضمن كل سلطة محلية بشكل نسبي. ولتحقيق ذلك فقد يتطلب الأمر فسح المجال أمام الجمعيات والتظيمات المحلية التي لا تنتظم استناداً إلى التوجهات والأيديولوجيات الحزبية أو السياسية لتقديم قوائم من المرشحين عنها، بالإضافة إلى تمكين المرشحين المستقلين، في بعض الأحيان، من دخول المنافسة الانتخابية كقوائم من مرشح واحد فقط.

 

في كثير من الأحيان يتم اختيار النظام الانتخابي الخاص بالانتخابات المحلية كجزء من التوافقات التي يتم التوصل إليها فيما يتعلق بكافة العمليات الانتخابية في بلد ما، بما فيها الانتخابات العامة. ففي بعض الديمقراطيات الناشئة على سبيل المثال، كالكونغو (برزافيل) ومالي، قادت التقاليد المتبعة والتأثر بالنظام الفرنسي إلى اعتماد نظام الجولتين لانتخاب البرلمان، بينما نتج عن الحاجة لتحقيق تمثيل أفضل للمجموعات المحلية والأقليات العرقية اعتماد نظام نسبي لانتخاب السلطات المحلية.

 

يقابل الجدل القائم بين النظامين البرلماني والرئاسي على المستويات الوطنية جدلاً مماثلاً فيما يتعلق بتركيبة السلطات المحلية. ونجد هنا تعاظماً في شعبية النظم القائمة على الانتخاب المباشر للمحافظين ورؤساء البلديات، كرأس للسلطة المحليية التنفيذية المنفصلة عن المجالس المحلية المنتخبة، وذلك على حساب النظم القائمة على انتخاب سلطات تستند إلى تشكيل لجان تضطلع بالمسؤولية المباشرة عن تصريف الخدمات والشؤون المحلية. أما الخيارات المعمول بها لانتخاب المحافظين ورؤساء البلديات فتوازي تلك المستخدمة في الانتخابات الرئاسية، وتنطبق على ذلك ذات الاعتبارات المتعلقة بانعكاسات النظام الانتخابي على العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على المستوى المحلي.

النظـم الانتـخابيـة والأحـزاب السـياسـية

تؤثر النظم الانتخابية المختلفة في ماهية وتركيبة نظم الأحزاب السياسية وطريقة تنظيمها وعملها. وعملاً على قيام أحزاب سياسية يمكنها تحقيق أعلى درجة ممكنة من التمثيل، نجد بأن معظم الخبراء يفضلون النظم الانتخابية التي تحفز على إيجاد أحزاب سياسية تستند إلى قيم سياسية وأيديولوجية رحبة، بالإضافة إلى برامج سياسية واضحة المعالم، بدلاً من تلك المستندة إلى اعتبارات عرقية أو محلية ضيقة. فبالإضافة إلى كونها تحد من مخاطر تفاقم الصراعات الداخلية ضمن مجتمع ما، من شأن الأحزاب القائمة على تلك الأسس الرحبة أن تعكس بشكل أفضل الرأي العام لمجموع المواطنين وتطلعاتهم.

 

تأتي النظم السياسية التي تتصف بدرجات عالية من مركزية الحكم والتي تستخدم نظام القائمة النسبية على أساس القوائم المغلقة في مقدمة النظم التي تحفز على قيام التنظيمات الحزبية القوية والمتماسكة، على العكس تماماً مما يمكن أن ينتج عن الأنظمة القائمة على أساس تعدد الدوائر الانتخابية، مثل نظام الفائز الأول. إلا أنه هناك الكثير من المتغيرات الانتخابية الأخرى والتي تؤثر في النظام الحزبي بشكل عام.

 

فعلى سبيل المثال، حاولت بعض الديمقراطيات الناشئة مثل روسيا وإندونيسيا التأثير في تكوينة نظامها الحزبي الغض، وذلك من خلال توفير المحفزات لقيام أحزاب وطنية بدلاً من المحلية.

 

ولجأت بعض البلدان الأخرى، كالإكوادور وبابوا غينيا الجديدة إلى وسائل أخرى لتحقيق ذلك تتعلق بشروط تسجيل وتمويل الأحزاب السياسية. وتعتبر مسألة تمكين الأحزاب السياسية من الحصول على تمويل لها من القطاعين العام أو الخاص إحدى المسائل المفصلية ذات العلاقة بكافة الجوانب الخاصة بتصميم النظم الانتخابية، بالإضافة إلى تحولها في كثير من الأحيان إلى التحدي الأكبر الذي يواجه نشوء الأحزاب السياسية القابلة للحياة.

 

وكما يؤثر اختيار النظام الانتخابي في تطور الأحزاب السياسية وطريقة عملها، كذلك الأمر فللنظام الحزبي القائم تأثيره في اختيار النظام الانتخابي. إذ عادةً ما تعارض الأحزاب السياسية القائمة إدخال أية تغييرات قد تضر بمصالحها، أو قد تمكن أحزاباً أخرى منافسة لها من دخول المعترك السياسي، إلا إذا توافرت ضرورات سياسية ملحة للقبول بذلك. لذلك، فقد تعمل الأحزاب السياسية كعائق أمام تنوع الخيارات المتوفرة لتغيير النظام الانتخابي.

 

تؤدي النظم الانتخابية المختلفة إلى إفراز طبيعة مختلفة للعلاقة بين المرشحين الأفراد وناخبيهم. وبشكل عام، تعمل النظم المستندة إلى وجود دوائر انتخابية أحادية التمثيل، كمعظم نظم التعددية/الأغلبية، على تقوية تلك العلاقة من خلال تحفيز المرشحين الأفراد على العمل كممثلين أو مرسلين عن مناطق جغرافية محددة، حيث يتمثل دورهم الأساسي في تمثيل ناخبيهم في دوائرهم الانتخابية. وعلى العكس من ذلك، تعمل النظم العاملة بموجب دوائر انتخابية كبيرة ومتعددة التمثيل، كمعظم النظم النسبية، على إفراز ممثلين يعملون بشكل أساسي استناداً إلى ولاءاتهم الحزبية فيما يتعلق بمسائل وطنية عامة. ولكل من التوجهين حسناته، الأمر الذي يكمن خلف شعبية النظم المختلطة والتي تجمع بين كلا النوعين من التمثيل بمستوييه الوطني والمحلي.

 

عادةً ما يطفو على السطح كثير من الجدل فيما يتعلق بالمساءلة والمحاسبة عند التطرق إلى العلاقة بين النظم الحزبية والنظم الانتخابية، خاصةً بالنسبة لمسؤوليية الممثلين الأفراد المنتخبين. ولا تتأثر العلاقة بين الناخبين والممثلين المنتخبين والأحزاب السياسية بالنظام الانتخابي فقط، بل كذلك بجوانب أخرى تخص الإطار القانوني للنظام السايسي، كعدد المرات التي يسمح فيها للفرد بعضوية الهيئات المنتخبة، أو الضوابط الخاصة بتحديد طبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية وأعضائها المنتخبين لمواقع تمثيلية، أو تلك المتعلقة بمنع الأعضاء المنتخبين من تغيير انتماءاتهم الحزبية دون الاضطرار إلى الاستقالة من المجلس المنتخب، إلخ.

 

وتعتبر حرية الناخبين في التعبير عن خياراتهم لصالح المرشحين الأفراد عوضاً عن حصر ذلك في الاختيار بين الأحزاب السياسية فقط وجهاً آخر من أوجه المحاسبة. لذلك نجد بأن الكثير من البلدان قد قامت مؤخراً بإدخال عناصر جديدة في نظمها الانتخابية لتوفير ذلك للناخبين، كاللجوء إلى اعتماد القوائم المفتوحة في ظل نظام القائمة النسبية على سبيل المثال.

التـبعات المـاليـة والإداريـة للنظـم الانتـخابيـة

يتأثر اختيار النظام الانتخابي في أي بلد بالقدرات اللوجستية المتاحة وبتوافر الكوادر البشرية المؤهلة لتطبيقه، بالإضافة طبعاً إلى المقدرات المادية للبلد. وحتى في تلك الحالات التي يتوفر فيها الدعم المادي والفني من قبل المانحين، يجب التفكير في قدرة البلد على العمل بالنظام الانتخابي بشكل مستدام وعلى المدى الطويل. إلا أن ذلك لا يعني بأن النظام الأبسط والأقل كلفةً هو الخيار الأفضل في كافة الحالات. فقد يولد خيار ما لا يفي باحتياجات البلد ولا يتماشى مع ظروفه انعكاسات سلبية على النظام السياسي برمته وعلى استقرار النظام الديمقراطي، حتى لو بدى للوهلة الأولى بأنه أنجع من الناحية المادية. ولأي خيار يتخذ في اعتماد النظام الانتخابي تبعاته الإدارية، والتي تتطرق الصفحات التالية لمنقاشتها.

تـرسـيم الدوائـر الانتـخابيـة

تتطلب كافة النظم الانتخابية القائمة على اساس وجود دوائر انتخابية أحادية التمثيل القيام بعملية شاقة لترسيم حدود تلك الدوائر، الصغيرة الحجم نسبياً، وهي العملية المكلفة والتي تتطلب متسعاً من الوقت لإتمامها. أما طريقة ترسيم تلك الحدود فتعتمد على مجموعة من العوامل مثل عدد السكان وتوزيعهم الجغرافي، وتناسق المواقع وتواصلها الجغرافي، وتوزيع المجموعات والفئات الاجتماعية المختلفة، بالإضافة إلى ما تفرضه التضاريس الجغرافية من معوقات. وعادةً ما لا تتم هذه العملية من خلال مرحلة واحدة فقط، إذ يجب تعديل حدود الدوائر بين فترة وأخرى تبعاً للمتغيرات السكانية. وأكثر النظم الانتخابية تعقيداً بهذا الخصوص، من الناحية الإدارية، هي نظام الفائز الأول، ونظام الصوت البديل ونظام الجولتين. بينما تعتبر متطلبات ترسيم الدوائر الانتخابية أسهل في ظل نظم الكتلة، والكتلة الحزبية، والصوت الواحد غير المتحول، والصوت المحدود والصوت الواحد المتحول، وذلك لكونها تستند إلى دوائر انتخابية متعددة التمثيل، الأمر الذي يؤدي إلى ترسيم دوائر انتخابية أكبر حجماً وبالتالي أقل عدداً. وتفرض مسألة ترسيم الحدود الضرورية لتطبيق أحد النظامين الذين يتركب منهما النظام الانتخابي المختلط تحديات وصعوبات مشابهة.

 

عندما تستخدم الدوائر الانتخابية متعددة التمثيل يمكن الاستغناء عن إعادة النظر في حدود الدوائر وتعديلها من خلال تعديل أعداد الممثلين المنتخبين عن كل دائرة، خاصةً عندما تتطابق الدوائر الانتخابية مع التقسيمات الإدارية القائمة في بلد ما مثل المحافظات. ويعتبر نظام القائمة النسبية الأقل كلفة والأسهل من حيث متطلباته الإدارية فيما يتعلق بترسيم الدوائر لكونه يستند إما إلى وجود دائرة انتخابية واحدة على مستوى الوطن، مما يعني انعدام الحاجة لأية عملية ترسيم على الإطلاق، أو إلى دوائر انتخابية كبيرة تتطابق في حدودها مع حدود التقسيمات الإدارية القائمة أصلاً، كالألوية والمحافظات. ولقد نظمت الانتخابات الممولة من قبل الأمم المتحدة في كل من سيراليون سنة 1996، وليبيريا سنة 1997 وكوسوفو سنة 2001 عملاً بنظام القائمة النسبية الوطنية، وذلك بسبب عدم تمكن السلطات الانتخابية من ترسيم أية دوائر انتخابية لغياب المعطيات الإحصائية الدقيقة اللازمة لذلك، خاصةً في ظل وجود أعداد كبيرة من المهجرين.

تـسـجيل الناخبيـن

تشكل عملية تسجيل الناخبين الجزء الأكثر تعقيداً وإثارة للجدل في إدارة العملية الانتخابية، فضلاً عن كونها الأقل نجاعةً في كثير من الأحيان. وتتطلب هذه العملية جمع معلومات محددة لأعداد كبيرة من الناخبين استناداً إلى نماذج موحدة، ومن ثم معالجة تلك المعلومات وترتيبها بطريقة تسمح باستخدامها بشكل يسير يوم الاقتراع. كما ويجب إتمام ذلك بطريقة تضمن تسجيل الناخبين المؤهلين فقط وتحول دون تمكن أي ناخب من الاقتراع أكثر من مرة واحدة، فضلاً عن منع محاولات التزوير وانتحال الشخصية للأغراض الانتخابية. لذلك، فإن الحساسية السياسية لهذه الأمور وطبيعة العملية المعقدة تجعل من تسجيل الناخبين المرحلة الأكثر كلفة والتي تحتاج لأكبر متسع من الوقت من مراحل العملية الانتخابية.

 

تتأثر متطلبات تسجيل الناخبين بتصميم النظام الانتخابي. حيث تفرض النظم القائمة على أساس الدوائر الانتخابية أحادية التمثيل تسجيل كل ناخب ضمن حدود دائرة انتخابية واحدة محددة. وعليه فإن نظام الفائز الأول، ونظام الصوت البديل والجولتين، بالإضافة إلى نظام بوردا عندما يستخدم في دوائر أحادية التمثيل، هي النظم الأعلى كلفةً والأكثر تعقيداً من الناحية الإدارية فيما يتعلق بتسجيل الناخبين، كما هي الحال في النظام المتوازي ونظام العضوية المختلطة عندما يستخدمان ضمن دوائر انتخابية أحادية التمثيل. أما الأعداد الأقل للدوائر التي يعمل بها عادةً في ظل نظم الكتلة، والكتلة الحزبية، والصوت الواحد المتحول وغير المتحول فتجعل من تلك العملية أسهل بعض الشئ، بينما يعتبر نظام التمثيل النسبي المطبق ضمن دوائر انتخابية كبيرة الأقل تعقيداً نسبةً إلى باقي النظم في هذا الخصوص.

 

تجدر الإشارة إلى أن تسجيل الناخبين المقيمين خارج حدود البلد المعني عادةً ما تكون على درجة عالية من الصعوبة. ولقد أسهمت سهولة عملية التسجيل في ظل نظام القائمة النسبية في اعتماده من قبل عدد من الديمقراطيات الناشئة، كما حصل في أول انتخابات ديمقراطية في جنوب أفريقيا عام 1994. وعلى أية حال، لا يترتب على التعديلات البسيطة في النظم الانتخابية سوى انعكاسات هامشية على عملية تسجيل الناخبين وكلفتها المرتفعة غالباً.

تـصميـم وإنتـاج أوراق الاقتـراع

يجب أن تصمم أوراق الاقتراع بشكل واضح ييسر للناخبين التعامل معها بكل سهولة، وذلك لرفع مستويات المشاركة والحد من أعداد الأصوات الباطلة أو غير الصالحة والناتجة عادةً عن خطأ في تعبئة ورقة الاقتراع. ويتطلب ذلك في كثير من الأحيان استخدام الرموز للدلالة على الأحزاب أو المرشحين، بالإضافة إلى وسائل أخرى كالصور الفوتوغرافية والألوان المختلفة. عادةً ما تكون أوراق الاقتراع الخاصة بنظم الفائز الأول والصوت البديل الأبسط والأسهل للطباعة والانتاج، وغالباً ما تحتوي على أعداد قليلة من أسماء المرشحين. وكذلك الحال بالنسبة لأوراق الاقتراع الخاصة بنظام الجولتين، إلا أنه يتطلب في غالبية الأحيان طباعة اوراق جديدة للجولة الانتخابية الثانية، مما يضاعف تكاليف الانتاج، بالإضافة إلى كونه يحتاج إلى ترك متسع من الوقت بين الجولتين لإعداد وطباعة الأوراق للجولة الثانية. أما نظامي الانتخاب المتوازي والعضوية المختلطة فعادةً ما يتطلبا طباعة نوعين مختلفين من أوراق الاقتراع، فضلاً عن كونهما يستخدمان نظامين انتخابيين مختلفين (أو أكثر) في نفس الوقت، مما ينتج عنه احتياجات لوجستية إضافية لتدريب موظفي الانتخابات وتوعية الناخبين حول كيفية الاقتراع. وأما أوراق الاقتراع الخاصة بنظامي الصوت الواحد المتحول وغير المتحول، ونظام الكتلة ونظام بوردا، فهي أكثر تعقيداً من تلك المستخدمة في نظام الفائز الأول، وذلك لكونها تحتوي عادةً على أسماء عدد أكبر من المرشحين، وبالتالي أعداد أكبر من الرموز (أو الصور في حال استخدامها). أخيراً تتباين درجة التعقيد في أرواق الاقتراع الخاصة بنظام القائمة النسبية، فهي قد تكون بسيطة للغاية لدى اعتماد القوائم المغلقة، وقد تكون غاية في التعقيد في ظل اعتماد القوائم الحرة كما في سويسرا.

تـوعيـة الناخبيـن

تختلف الحاجة لبرامج توعية الناخبين وطبيعتها اختلافاً كبيراً من مجتمع إلى آخر. وعندما يتعلق الأمر بتوعية وتثقيف الناخبين حول كيفية التعامل مع ورقة الاقتراع وتعبئتها، نجد بأن هناك اختلافات واضحة ومحددة تبعاً لاختلاف النظام الانتخابي المعتمد. تعتبر المبادئ الأساسية التي تقوم عليها النظم التفضيلية، مثل نظام الصوت البديل، أو الصوت الواحد المتحول أو نظام بوردا أمراً معقداً، يجب التطرق لها بشكل خاص في حملات التوعية، خاصةً في تلك الحالات حيث تستخدم هذه النظم للمرة الأولى، وخاصةً عندما يطلب من الناخب ترتيب كافة المرشحين على ورقة الاقتراع حسب الأفضلية، وإعطاء كل مرشح رقم معين، كما هي الحال في أستراليا. ويزيد من صعوبة التعامل مع ورقة الاقتراع من قبل الناخبين التزايد المستمر في استخدام النظم الانتخابية المختلطة والتي يعطى الناخب بموجب كثير منها ورقتي اقتراع بدلاً من ورقة واحدة. وبالمقابل، يسهل فهم أوراق الاقتراع والتعامل معها في تلك الأنظمة التي لا يطلب من الناخب فيها سوى الإدلاء بصوت واحد لمرشح أو قائمة واحدة، مثل نظام الفائز الأول، أو الكتلة الحزبية أو الصوت الواحد غير المتحول. أما باقي النظم الانتخابية فتقع بين هذه الحالة وتلك فيما يتعلق بهذا الجانب من العملية الانتخابية.

عـدد أيـام الاقتـراع

بشكل عام لا يحتاج تنظيم الانتخابات لأكثر من عملية واحدة تتم في يوم اقتراع واحد في ظل كل من النظم الانتخابية التالية: الفائز الأول، الصوت البديل، الكتلة، الكتلة الحزبية، الصوت الواحد المتحول وغير المتحول، القائمة النسبية، نظام بوردا، النظم المتوازية ونظم العضوية المختلطة. أما نظام الجولتين فكلفته أعلى وإدارته أكثر مشقة حيث أنه يتطلب عادةً إعادة العملية الانتخابية برمتها (الجولة الثانية) بعد انقضاء الجولة الأولى بفترة زمنية قصيرة نسبياً.

الانتـخابـات الفرعيـة/التـكميـليـة

في حال شغر أحد المقاعد التمثيلية في الفترة الواقعة بين الانتخابات، يتم ملئ المقعد الخالي في ظل نظام القائمة النسبية من خلال المرشح التالي على قائمة الحزب الذي يتبع له الممثل السابق، مما يلغي الحاجة لتنظيم انتخابات تكميلية أو فرعية. أما نظم التعددية/الأغلبية فعادةً ما تنطوي على إجراءات لتنظيم انتخابات فرعية لشغل المقاعد الشاغرة في الفترات الواقعة بين الانتخابات. ويمكن اتباع أي من هذين الخيارين في ظل النظم الأخرى: ففي إيرلندا حيث يستخدم نظام الصوت الواحد المتحول، يتم تنظيم انتخابات تكميلية لشغل المقاعد االشاغرة في البرلمان، بينما لا تلجأ أستراليا إلى هذا الخيار لملئ المقاعد الشاغرة في مجلس الشيوخ. كما ويمكن تفادي الحاجة لتنظيم انتخابات فرعية، وذلك من خلال انتخاب بدلاء للممثلين المنتخبين أثناء العملية الانتخابية، كما هي الحال في بوليفيا على سبيل المثال.

 

الانتخابات الفرعية/التكميلية هي انتخابات أقل كلفة لكونها تخص مواقع محددة، إلا أنها قد تثقل كاهل الميزانية الوطنية في بعض البلدان، حيث نجد أحياناً بأن بعض المقاعد تترك شاغرة لفترات طويلة وذلك بسبب غياب القدرات الكافية لتنظيم الانتخابات الفرعية لملئها، خاصةً في بعض بلدان جنوب القارة الأفريقية حيث يتسبب انتشار مرض فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز) إلى خلو أعداد كبيرة من المقاعد في الفترات الواقعة بين الانتخابات.

 

يمكن أن يكون للانتخابات التكميلية، في ظل ظروف معينة، انعكاساتها الواسعة والتي تتعدى استبدال بعض الأعضاء، حيث ينظر لها كامتحان لتقييم أداء الحكومة في منتصف الطريق. بالإضافة إلى ذلك، فقد يؤدي ارتفاع عدد المقاعد الشاغرة التي يجب ملؤها إلى تغيير في تركيبة الهيئة التشريعية مما قد ينتج عنه تغيير في التركيبة الحكومية.

خـلاصـة: إسـتدامـة العمـليـة الانتـخابيـة

 تعتمد المتطلبات التي تلقي بها مختلف النظم الانتخابية على كاهل القدرات الإدارية في بلد ما على اعتبارات تتعلق بتاريخ ذلك البلد، وظروفه العامة، بالإضافة إلى تجربته الانتخابية والموارد المتوفرة لديه. ويوفر الجدول أعلاه مقاربةً مقارنة حول تكاليف مجموعة من النظم الانتخابية المختلفة. ومن خلال نظرةٍ سريعة نجد بأن نظام القائمة النسبية، خاصةً عندما يستند إلى قائمة وطنية مغلقة، يحرز تقييماً إيجابياً فيما يتعلق بكلفته الأقل ومتطلباته المحدودة من حيث الموارد الإدارية. وكذلك الأمر بالنسبة لنظام الكتلة الحزبية. يليها في هذا المجال كل من نظام الصوت الواحد غير المتحول ونظام الصوت المحدود، ومن ثم نظامي الكتلة والفائز الأول. أما نظم الصوت البديل، والصوت الواحد المتحول، والمتوازي، وبوردا والعضوية المختلطة فتأتي في مواقع متخلفة عن النظم الأخرى. أما نظام الجولتين فيعتبر النظام الذي يثقل كاهل أي بلد بشكل أكبر من الناحية المادية والإدارية.

عـد وفـرز الأصـوات

أسهل النظم الانتخابية بالنسبة لعد الأصوات وفرزها هو نظام الفائز الأول، والصوت الواحد غير المتحول والقائمة النسبية المغلقة، حيث لا يتطلب إعداد النتائج سوى لجمع الأصوات لصالح كل واحد من المرشحين أو الأحزاب المشاركة. أما نظام الصوت البديل ونظام الكتلة فيتطلب تجميع الأصوات من ورقة اقتراع واحدة، بينما عادةً ما يحتم كل من النظام المتوازي ونظام العضوية المختلطة عد الأصوات وفرزها من ورقتي اقتراع مختلفتين. والنظم الأكثر صعوبة من حيث عد الأصوات وفرزها وإعداد النتائج هي نظم الانتخاب التفضيلية كنظام االصوت البديل، ونظام بوردا ونظام الصوت الواحد المتحول.

نصـائـح حـول تـصميـم النظـم

يستدل من دراسة ومقارنة مختلف النظم الانتخابية أن الخيارات المتاحة واستخداماتها الممكنة متعددة ومتنوعة. وعادةً ما يميل القائمين على تصميم الأطر الدستورية والسياسية والانتخابية إلى اختيار النظام الانتخابي الذي يفقهون بتفاصيله بشكل أفضل، كما ونجد ميولاً في اعتماد النظام المعمول به في البلد المستعمر سابقاً في حال وجوده، بدلاً من البحث في مختلف الخيارات والبدائل. وفي كثير من الأحيان تعمل المتطلبات الناجمة عن اتفاق للسلام أو عن الضغوطات الخارجية على الحد من عدد الخيارات الممكنة.

 

وبالتالي، يهدف هذا الجزء من الموسوعة إلى توفير مصدرٍ علمي لاستنارة المعنيين وتمكينهم من اتخاذ قراراتهم على أساس من المعرفة. وهو لا يهدف بالضرورة للتشجيع باتجاه تغيير شامل في النظم الانتخابية القائمة، بل العكس من ذلك، فإن التجربة المقارنة لعمليات الإصلاح الانتخابي الحاصلة حتى يومنا هذا تظهر بأن التأني في عمليات الإصلاح، بحيث يستند ذلك إلى الإبقاء على العناصر الجيدة كنقطة انطلاق، عادةً ما يكون خياراً أفضل من التغيير الشامل والقفز نحو نظام انتخابي جديد كلياً وغير مألوف.

 

وفي هذا السياق يمكن مقاربة مسألة الإصلاح الانتخابي من خلال الاستفادة من تجارب الآخرين. فعلى سبيل المثال، يمكن لبلد ما يعمل بنظام الفائز الأول ويرغب بالتحول نحو نظام أكثر نسبية، في الوقت الذي يحافظ فيه على ربط التمثيل بالدوائر والمناطق الجغرافية المختلفة، أن يأخذ تجربة نيوزيلندا بعين الاعتبار، حيث تم اعتماد نظام العضوية المختلطة سنة 1993، أو تجربة ليسوتو والتي اعتمدت نفس التحول عام 2002. وبنفس المقدار، يمكن لبلد يرغب في الإبقاء على دوائره الانتخابية أحادية التمثيل مع إدخال عناصر تحفز على التفاعل والتوافق بين مختلف المجموعات أن ينظر إلى تجربة الصوت البديل في بعض بلدان أوقيانوسيا (خاصةً في فيجي وبابوا غينيا الجديدة). كما ويمكن لأي بلد يتحول إلى النظام الديمقراطي، في الوقت الذي تتسم فيه تركيبته الاجتماعية بالانقسامات الحادة، الاستفادة من تجربة نظام القائمة النسبية في جنوب أفريقيا، والتي نتج عنها حكومات تفسح المجال لتقاسم السلطة بين مجموعات عرقية مختلفة، أو تجربة البرلمان المتخب في أيرلندا الشمالية بموجب نظام الصوت الواحد المتحول. أخيراً، يمكن لبلد يرغب بكل بساطة في تخفيض كلفة الانتخابات والحد من عدم الاستقرار الناجم عن نظام الجولتين في انتخاباته الرئاسية، التمعن في تجربة جمهورية أيرلندا في تطبيق نظام الصوت البديل. وفي كافة الحالات المذكورة، كان لاختيار النظام الانتخابي تأثيره الواضح في الحياة السياسية في البلدان المعنية.

 

فيما يلي خلاصة للاعتبارات الرئيسية والتي ينصح الأخذ بها في تصميم النظم الانتخابية:

 

بساطة النظام الانتخابي

يجب تصميم النظم الانتخابية الفاعلة والمستدامة بما ييسر فهمها والتعامل معها من قبل جمهور الناخبين والعاملين بالسياسية. إذ تقود التعقيدات الزائدة إلى عدم وضوح النظام وبالتالي صعوبة فهمه، وإلى نتائج غير مقصودة أو عرضية، وهو ما ينتج عنه عدم ثقة الناخبين بنتائج الانتخابات.

 

عدم الخشية من الابتكار والتجديد

تمثل الكثير من النظم الانتخابية الناجعة، والمعمول بها حول العالم حالياً، حلولاً وتوجهات مبتكرة أثبتت نجاحها في معالجة مشكلات محددة. وكما أشرنا أعلاه، يمكن الاستفادة إلى حد كبير من تجارب الآخرين، بما في ذلك البلدان المجاورة أو تلك التي تبدو بأنها حالات مختلفة كلياً.

 

الاهتمام بالسياق المحيط والعامل الزمني

لا تعمل النظم الانتخابية في الفراغ، إذ يعتمد نجاحها على التوفيق السليم بين الأنماط والأعراف السياسية والتقاليد الثقافية السائدة. ويجب أن تشكل الإجابة على التساؤل التالي نقطة الانطلاق لكل من يقوم على تصميم النظام الانتخابي: ما هو السياق السياسي والاجتماعي الذي يتم تصميم النظام في ظله؟ أما المسألة التي تلي ذلك فقد تتمثل في الإجابة على ما يلي: هل يتعلق الأمر بتصميم نظام انتخابي دائم أم أنه ينحصر في الاستجابة لمتطلبات المرحلة الانتقالية الراهنة؟

 

عدم الاستهانة بجمهور الناخبين

في الوقت الذي يجب فيه الحفاظ على بساطة النظام، إلا أن ذلك يجب أن لا ينحدر بنا إلى المخاطر التي قد تنجم عن الاستهانة بقدرة الناخبين على استيعاب الخيارات المتعددة والمختلفة للنظم الانتخابية المتاحة وقدرتهم على استخدامها بالشكل الصحيح. فعلى سبيل المثال، تم استخدام نظم انتخابية تفضيلية معقدة بشكل ناجح في بعض الديمقراطيات الناشئة في منطقة آسيا-الباسيفيك، بينما أثبتت التجربة الحديثة في كثير من الانتخابات في عدد من اليمقراطيات الجديدة أهمية التمييز بين مستويات الوعي والمعرفة العملية ومستويات الوعي السياسي. وحتى في البلدان الفقيرة يرغب الناخبون عادةً في التعبير عن خيارات وأفضليات سياسية معقدة ومركبة.

 

شمولية النظام الانتخابي

يجب أن تقوم النظم الانتخابية على أساس من الشمولية، سواء أكان ذلك في المجتمعات المنقسمة أو الأكثر تجانساً، بحيث تعمل على إفراز برلمانات تتمثل فيها كافة المصالح. وبغض النظر عن ارتكاز الأقليات إلى هويات أيديولوجية، أو عرقية، أو عنصرية، أو لغوية، أو مناطقية، أو دينية، فإن استثناء مجموعات هامة من الرأي العام من التمثيل في البرلمان المنتخب، خاصةً في البلدان النامية، من شأنه أن يسفر عن نتائج كارثية.

 

الاهتمام بطريقة اختيار النظام كعنصر أساسي

تلعب الطريقة التي يتم من خلالها اختيار النظام الانتخابي دوراً هاماً في التأكيد على شرعيته. إذ ينتج عن اختيار النظام الانتخابي من خلال عملية تشارك فيها كافة المجموعات المعنية، بما في ذلك جمهور الناخبين، مستويات أعلى من تقبل الناتج النهائي للعملية، مما لو تم ذلك من خلال عملية ينظر لها بأنها تنحصر في التعبير عن مصالح حزبية أو فردية فقط. وعلى الرغم من عدم إمكانية تفادي الاعتبارات والمصالح الحزبية في معرض اختيار النظام الانتخابي، إلا أن اختيار نظام يتمتع برضى مختلف الأحزاب وأوسع شريحة ممكنة من الرأي العام يعتبر أمراً مفصلياً في تقبل ذلك النظام واحترامه من قبل الجميع. ولقد تطلب التحول من نظام االفائز الأول إلى نظام العضوية المختلطة في نيوزيلندا على سبيل المثال إلى إجراء استفتائين عامين عليه، مما أسهم في إضفاء الشرعية على النظام الجديد. بالمقابل، نتج عن قرار الحكومة الإشتراكية في فرنسا عام 1986 في التحول من نظام الجولتين إلى نظام نسبي أن ساد انطباع بأن ذلك القرار استند إلى اعتبارات حزبية محضة، وسرعان ما أعيد النظام السابق فور فقدان الحكومة للسلطة سنة 1988.

 

العمل على إرساء الشرعية والقبول بين كافة الفاعلين الأساسيين

يجب أن تشعر كافة المجموعات والفئات الراغبة في المشاركة في العملية الديمقرطية بأن النظام الانتخابي عادل ويعطيهم جميعاً فرصاً مماثلة للفوز بالانتخابات. ويتمثل الهدف الأكبر في هذا السياق في العمل على عدم توفير أرضيةٍ للخاسرين لترجمة خيبة الأمل من نتائج الانتخابات إلى رفض للنظام الانتخابي أو لاستخدامه كعذر لزعزعة استقرار النظام الديمقراطي برمته. ففي انتخابات عام 1990 في نيكاراغوا خسر الحزب الحاكم (الساندينيست) الانتخابات إلا أنه تقبل تلك الخسارة، وذلك بسبب إقراره بعدالة النظام الانتخابي بشكل أساسي. أما كمبوديا، والموزامبيق وجنوب أفريقيا، فاستطاعت جميعها إنهاء حروبها الأهلية الدموية من خلال اعتماد إجراءات وترتيبات تميزت بتقبل جميع الأطراف المتنازعة لها.

 

العمل على زيادة تأثير الناخبين

يجب أن يشعر الناخبون بأن العملية الانتخابية تحقق لهم وسائل للتأثير في الحكومات وسياساتها. ويمكن زيادة تأثير الخيارات التي يمارسها الناخبون بعددة طرق. فقد يمكّن النظام الانتخابي الناخبين من الاختيار بين مختلف الأحزاب السياسية، أو بين مرشحين ينتمون لأحزاب مختلفة، أو بين مرشحي الحزب الواحد. كما ويمكن توفير نظم انتخابية مختلفة للعمل بها في كل من انتخابات الرئاسة، وانتخابات مجلس الشيوخ، وكذلك انتخابات مجلس النواب والسلطات المحلية. ويجب أن يشعر الناخبون بأن لصوتهم وزن حقيقي في التأثير على تركيبة الحكومة، وليس فقط في تركيبة البرلمان المنتخب.

 

موازنة تأثير الناخبين مع تحفيز قيام الأحزاب السياسية المتماسكة والفاعلة

يجب موازنة العمل على زيادة تأثير الناخبين مع الحاجة للدفع باتجاه قيام أحزاب سياسية متماسكة وفاعلة. إذ قد ينتج عن إعطاء الناخبين أعلى درجات الخيار بين المرشحين من مختلف الأحزاب السياسية إلى إفراز برلمانات متفسخة ومنقسمة لا تحقق لأحد الفوز بالنتائج المرجوة. ويتفق علماء السياسية على اعتبار قيام الأحزاب المتماسكة والمستندة إلى قواعد واسعة من المؤيدين كأحد العناصر الهامة في نشوء الديمقراطيات الفاعلة والمستدامة.

 

دم إهمال متطلبات الاستقرار على المدى الطويل من خلال التركيز على المكاسب الآنية

عندما يتفاوض العاملون بالسياسية حول اعتماد نظام انتخابي جديد، عادةً ما يدفعون باتجاه المقترحات التي يعتقدون بانها تفيد بمصالحهم الحزبية في الانتخابات القادمة. إلا أن ذلك قد يمثل استراتيجية تفتقد للحكمة في كثير من الأحيان، خاصةً في البلدان النامية، حيث يمكن أن يسفر نجاح الحزب الواحد وهيمنته على المدى القصير عن انهيارات سياسية وتخلخل في السلم الاجتماعي على المدى الطويل. ففي المفاوضات التي سبقت انتخابات العام 1994 الانتقالية في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، كان يمكن لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي الدفع نحو الإبقاء على نظام الفائز الأول، والذي كان سيمنحه على الأرجح مزيداً من المقاعد بما يفوق حصته من أصوات الناخبين على المستوى الوطني، لكونه الحزب الأكبر في البلاد دون منازع. إلا أن موقفه المؤيد لاعتماد النظام النسبي، الأمر الذي أدى إلى فوزه بعدد أقل من المقاعد من ذلك الذي كان يمكنه الفوز بها في ظل نظام الفائز الأول، دلّ على رغبة ذلك الحزب في العمل على تحقيق الاستقرار على المدى الطويل على حساب المكاسب الانتخابية الآنية. وبنفس الشكل، يجب أن تكون النظم الانتخابية قادرة على الاستجابة بشكل فاعل والتكيف مع الظروف السياسية المتقلبة ومع نمو الحركات السياسية الجديدة. وحتى في الديمقراطيات الراسخة، فعادةً ما لا يستقر التأييد للأحزاب السياسية الكبيرة لفترات طويلة، بينما تتميز الحياة السياسية في الديمقراطيات الجديدة بدرجات عالية من الحيوية، حيث قد يفقد الحزب المستفيد من الترتيبات الانتخابية في انتخابات ما تلك المكاسب في الانتخابات التي تليها.

 

عدم اعتبار النظام الانتخابي على أنه الدواء الشافي من كل داء

قد تمثل النظم الانتخابية الوسيلة الأمثل لتغيير المعايير التي تحكم طبيعة التنافس السياسي، إلا أنها لا يمكن أن تكون الدواء الشافي لكافة العلل السياسية التي يعاني منها بلد ما. وكثيراً ما يكون للمؤثرات الناتجة عن عوامل أخرى انعكاساتها الأقوى على مسيرة النظام الديمقراطي، خاصةً تلك المتعلقة بالثقافة السياسية السائدة في كل بلد، أكثر من العناصر الإجرائية كالنظام الانتخابي. وقد تحتجب كافة الفوائد المنبثقة عن أي نظام انتخابي، مهما تم تصميمه بكثير من العناية، بسبب التدابير الدستورية غير الملائمة، أو هيمنة قوى تعمل على تعميق الشقاق الداخلي، أو حجم التهديدات الخارجية التي تمس سيادة البلد وسلامته.

 

عدم الاستهانة بالمؤثرات الناجمة عن النظام الانتخابي

يتعرض النظام الديمقراطي في عالمنا لكثير من التحديات والقيود، إلا أنها تترك، على الرغم من ذلك، مجالاً للاستراتيجيات السياسية الواعية والتي قد تسهم في نجاح العملية الديمقراطية أو في عرقلتها. وكما ذكرنا فإن النظم الانتخابية لا توفر دواءً لكل داء، إلا أنها تحتل موقعاً مركزياً في تحقيق الاستقرار في أي نظام سياسي. قد لا تفلح الهندسة المهنية للنظام الانتخاب في تجنب أو اجتثاث العداءات المتجذرة، إلا أن اعتماد الترتيبات الملائمة قد يدفع النظام السياسي نحو الحد من الصراعات وتحفيز الحكومات للعمل على قدر أعلى من المسؤولية. وبمعنى آخر، فبينما تبقى معظم التغييرات التي يمكن تحقيقها من خلال تفاصيل النظام الانتخابي في الجوانب الهامشية، فإن الفارق بين الديمقراطية الراسخة والديمقراطية المهزوزة يكمن في كثير من الأحيان في هذه الانعكاسات والمؤثرات الهامشية بالذات.

 

الاهتمام برغبة الناخبين في التغيير

قد يبدو تغيير النظام الانتخابي فكرةً جيدة بالنسبة للساسة المحليين العارفين بمثالب النظام القائم، لكن جمهور الناخبين قد يرفض العبث بذلك النظام إذا لم تقدم مقترحات الإصلاح والتغيير بطريقة مناسبة ومقنعة، وبما لا يدع مجالاً لديهم للاعتقاد بأن محاولات التغيير ليست سوى وسيلة يستخدمها الساسة لتعديل قواعد اللعبة وتجييرها لإفادة مصالحهم الخاصة، والحصول على مكاسب سياسية (كما حصل في الصين سنة 1989، وفي الأردن في 1993، وفي قيرقيزستان في مناسبات عدة منذ العام 1995). كما أن التعديل المستمر والمتكرر للنظام الانتخابي يسفر كذلك عن آثار سلبية تفقد الناخبين إدراكهم للقواعد المعمول بها في كل لحظة (كما هي الحال في بوليفيا بحسب رأي بعض المراقبين).

 

عدم الاستهانة بعيوب النظام والاتكال على تجاوزها لاحقاً

تؤدي كافة النظم الانتخابية إلى فوز البعض وخسارة البعض الآخر في الانتخابات بطبيعة الحال، لذلك فهي تفرز من لهم مصالح محددة تنبع من النظام الانتخابي المعتمد. وتعتبر تلك المصالح جزءً لا يتجزأ من الجو السياسي العام في ظل العمل بأي نظام انتخابي. ولكن عندما تبدأ عملية التغيير، فمن غير الحكمة الافتراض بأن الجميع سيتقبل المعالجات التي يمكن وضعها لاحقاً للمشكلات الظاهرة لحظة التغيير. وفي كافة الحالات التي قد يرغب فيها بإعادة النظر في النظام الانتخابي لاحقاً، من المفيد العمل على استباق ذلك وتضمينه في القوانين التي تنص على تغيير النظام.

 

تجنب عبودية النظم الانتخابية السابقة

على الرغم مما تقدم، كثيراً ما يتم الإبقاء على النظم الانتخابية غير الملائمة لاحتياجات الديمقراطيات الجديدة، والتي ترثها عن العهد الاستعماري، دون التمعن في كيفية تأثير تلك النظم وعملها في ظل الواقع السياسي الجديد. ونجد بأن معظم المستعمرات البريطانية سابقاً في آسيا وأفريقيا ومنطقة المحيط الهادئ (الباسيفيك) قد اعتمدت نظام الفائز الأول. ولقد أثبت هذا النظام عدم ملائمته لاحتياجات كثير من هذه الديمقراطيات الناشئة، خاصةً تلك التي تعاني من انقسامات عرقية. وبشكل مشابه، يعتقد البعض بأن كثير من المستعمرات الفرنسية سابقاً في غرب أفريقيا (كمالي على سبيل المثال) قد عانت من استقطابات مدمرة في حياتها السياسية نتيجة لاعتمادها نظام الجولتين، عملاً بالمثال الفرنسي؛ كما تحتفظ الكثير من جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقاً بمتطلبات الحد الأدنى من نسسبة المشاركة أو بشروط الأغلبية الموروثة عن العهد السوفيتي. ومن أكثر الميزات إثارة في الخارطة المرفقة بهذا الدليل كونها تعكس، بطرق مختلفة، خارطة العالم الاستعماري كما كانت عليه الحال قبل 100 عام، حيث نجد العديد من المستعمرات البريطانية سابقاً تعمل بنظام الفائز الأول، والبلدان المتأثرة بالاستعمار الفرنسي تعمل بنظام الجولتين، بينما نجد بأن المستعمرات البلجيكية والهولندية سابقاً قد اختارت العمل بإحدى نظم القائمة النسبية المعمول بها في أوروبا، إلا أن هذه التوجهات تتغير بشكل مستمر عبر السنين.

 

تقييم التبعات المحتملة لأي نظام جديد في تأجيج الصراعات الاجتماعية أو الحد منها

كما سبق وأشرنا في بداية هذا الدليل، يمكن اعتبار النظم الانتخابية كأدوات لإدارة الصراع داخل مجتمع ما، بالإضافة إلى كونها الوسيلة لانتخاب البرلمانات والرؤساء. تعمل بعض النظم الانتخابية، في ظل ظروف معينة، على تحفيز الأحزاب السياسية لانتهاج سياسات شمولية تدفع بها إلى حشد المؤيدين من خارج دوائر التأييد الرئيسية أو التقليدية لها. ولكن لسوء الحظ نجد في عالمنا اليوم ازدياداً في عدد النظم الانتخابية غير الملائمة والتي تسهم عملياً في تفاقم الطروحات والمواقف السلبية القائمة، وذلك على سبيل المثال من خلال تحفيز الأحزاب السياسية على التعامل مع الانتخابات على أنها منافسة كلية في سبيل الحصول على كل شئ مقابل لا شئ للآخرين، وبالتالي دفعها للتصرف بروح من العدائية والاستثناء لكل من لا ينتمي لمجموعتها أو دائرة مؤييديها. لذلك يجب أن يتمثل الهدف الأعلى في تصميم أية ترتيبات سياسية، بما فيها النظام الانتخابي، في عدم العمل على زيادة الأمور سوءً إن لم يكن بالمستطاع تصميمها بما يحد من تفاقم التوترات الإجتماعية.

 

توقع كافة الاحتمالات غير العادية وغير المتوقعة

غالباً ما يتم تصميم النظم الانتخابية لتفادي أخطاء الماضي، وبخاصة الماضي القريب. لذلك يجب أخذ الحيطة وعدم الوقوع في ردود الفعل المبالغ فيها وتصميم نظام يبالغ في تصحيح الإشكاليات الناجمة عن النظام السابق. وفي هذا السياق، فمن المفيد جداً أن يطرح مصممو النظم الانتخابية على أنفسهم بعض التساؤلات غير الاعتيادية لتفادي الآثار السلبية غير المتوقعة على المدى الطويل: فماذا ستكون النتيجة لو لم يحصل أحد على فوز واضح وصريح في ظل النظام المقترح؟ وهل يمكن أن ينتج عن هذا النظام انفراد حزب واحد بالفوز بكافة المقاعد؟ وماذا سيحصل فيما لو أضطر الأمر إلى توزيع عدد من المقاعد يفوق عدد المقاعد في الهيئة المنتخبة؟ وكيف يتم التعامل مع تساوي الأصوات بين المرشحين؟ وهل يفضي النظام المقترح إلى حالة يجد فيها الناخب بأنه من الأفضل له عدم الاقتراع لصالح الحزب أو المرشح المفضل لديه في بعض الدوائر الانتخابية؟

كشف بأهم الجوانب التي يجب أخذها بعين الاعتبار في تصميم النظام الانتخابي

هل يمكن اعتبار النظام الانتخابي على أنه واضح وسهل الفهم؟

هل تم أخذ السياق المحيط بالعملية بعين الاعتبار؟

هل يلائم النظام الظرف الزمني الحالي؟

هل يحتوي النظام على أدوات واضحة لتغييره وإصلاحه في المستقبل؟

هل يتفادى النظام الاستهانة بقدرات الناخبين؟

هل يحتوي النظام على عناصر تجعل منه شمولياً/تعددياً بأكبر قدر ممكن؟

هل ينظر جميع المعنيين لعملية التصميم على أنها مشروعة؟

هل سيسمح النظام بالإقرار بشرعية النتائج الانتخابية؟

هل تم أخذ الاحتمالات غير العادية بعين الاعتبار؟

هل يتمتع النظام بميزة الاستدامة من النواحي المادية والإدارية؟

هل سيعطي النظام الناخبين إحساساً بقوة تأثيرهم؟

هل يحفز النظام على قيام نظام حزبي تنافسي؟

هل يتلاءم النظام مع الإطار الدستوري العام؟

هل سيسهم النظام في الحد من الصراعات بدلاً من تفاقمها؟

النظـم الانتـخابيـة

 

فهرس المحتويات

إختبار المعلومات

 

يتطرق موضوع النظم الانتخابية إلى كيفية تصميم مختلف النظم الانتخابية وطرق عملها وتأثيرها على سير الانتخابات الوطنية، والمحلية والإقليمية.

 

ويعمل هذا الجزء من الموسوعة على تحديد، ووصف وتصنيف 12 نظام انتخابي مختلف، وعلاقتها بالإطار التنظيمي، بالإضافة إلى تأثيرها على المسائل الإدارية. كما ويتطرق بشكل خاص إلى ما يتعلق بعملية تغيير النظم الانتخابية.

 

أخيراً، يغطي هذا الموضوع المسائل المتعلقة بوسائل الديمقراطية المباشرة.

Acciones de Documento