السياق العام
تستند دراسة العمليات الانتخابية دائماً إلى الاعتبارات الخاصة بالسياق الاجتماعي والسياسي التي يتم تطبيق الضوابط الانتخابية في ظلها.
كما هي الحال بالنسبة لأية مسائل قانونية، لا يمكن إيجاد أو اعتماد النظم الانتخابية بطريقة عمياء. إذ يجب أخذ الاعتبارات والظروف الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية والثقافية لكل بلد بعين الاعتبار عند القيام بذلك. ويجب أن تحتل هذه المسائل موقع الصدارة في أية عملية تخطيط، وتحديد للأهداف والخطوات التي يجب على أي بلد اتباعها لتأسيس نظامه الديمقراطي.
تختلف نقطة الانطلاق في هذه العملية من بلد إلى آخر في البلدان الخارجة من نظام شمولي أو ديكتاتوري. فبينما قد تكون بعض البلدان قد تمتعت في الماضي بحقب من الحكم الديمقراطي في تاريخها (كما في الجمهورية التشيكية مثلاً) قد تفتقد بلدان أخرى لتلك التجربة في تاريخها، كما هي الحال بالنسبة للبلدان المتحررة من نير الاستعمار. ولا يمكن أن تتماثل الاستراتيجية المتبعة لتأسيس النظام الديمقراطي في بلد يتمتع بمستويات تطور اجتماعي وثقافي عالية مع تلك المتبعة في بلد يفتقد إلى أدنى حد من التركيبات الاجتماعية الفعالة.
عملية التحول إلى الديمقراطية، بصفتها النتيجة النهائية لعملية معقدة، تظهر بأنه من الضروري بمكان أخذ ظروف كل بلد بعين الاعتبار. فالديمقراطية هي المرحلة الأخيرة من عملية لا يجب أن تطول أكثر من اللازم، إلا أنها تحتاج إلى فترة لتعزيز الاستقرار وإتمام عدد من الانتخابات الناجحة التي تفضي إلى قيام حكومات تتمتع بالاستقرار.
لا ينصح أبداً بالعمل على تسريع عملية التحول إلى الديمقراطية بشكل غير طبيعي، إذ أن أية عملية من هذا القبيل تستند إلى مؤسسات وقوانين غير ديمقراطية سيكون مصيرها الفشل والانتكاس. كما وأن التطلعات المبالغ فيها والأفعال المرتجلة خطيرة دائماً، إذ يجب أن تستند عملية التحول إلى الديمقراطية إلى خصوصيات البلد الاجتماعية والسياسية.
لا توجد وصفات محصنة في هذا الخصوص، إلا أن الاستناد إلى الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية وأخذها بعين الاعتبار يمكن أن يشكل نقطة انطلاق معقولة. وهو ما ينطبق كذلك على الأخذ بخصوصيات النظم القضائية والإدارية، ومكانة النظام القانوني القائم، والأحزاب السياسية وتنظيماتها، ووسائل الإعلام المختلفة، ومستويات التحصيل العلمي والثقافة والتجارب الديمقراطية السابقة.
يمكن إيجاد أحد العناصر الرئيسة لخصوصيات بلد ما فيما يعرف بذاكرته التاريخية: حيث نجد بأن الخيارات الانتخابية في بلد خرج لتوه من حقبة حكم ديكتاتوري تتأثر بشكل مذهل بالاعتبارات والحقائق الجغرافية والاجتماعية.
يرتبط شيوع الحق في الاقتراع ارتباطاً وثيقاً بتطور الدور الذي يلعبه الفاعلون الرئيسيون في الديمقراطية التمثيلية (الأحزاب السياسية). ففي نشأتها تستند الأحزاب السياسية إلى التركيبة الأساسية للقانون الدستوري. وفي ذلك الوقت كانت عمليات الاقتراع تتم للحد من سلطات الحكومة، حيث انحصرت المشاركة السياسية بعدد قليل من الأفراد (الرجال البالغين فقط). وفي نشأتها خضعت الأحزاب السياسية لبرامج وأيديولوجيات تمتعت بالمرونة. وكحقيقة واقعة، ألهمت المصالح الفردية قيام الأحزاب السياسية. ونجد بأن تطور الأحزاب السياسية ومسيرتها في أمريكا تختلف عنها في أوروبا، إلا أن كلا النمطين حاولا تصدير أسسهما إلى أقاليم أخرى حول العالم.
كما وكان لاعتماد حق الاقتراع للجميع دون تمييز انعكاسات مختلفة في البلدان الديمقراطية عنها في البلدان غير الديمقراطية.
نشهد في أيامنا هذه موجة من الديمقراطية، بدأت في جنوب القارة الأوروبية في نهاية سبعينات القرن الماضي وامتدت إلى أمريكا اللاتينية في ثمانينات ذلك القرن. ولقد أسهم التعاون الدولي الفعال في تعزيز ودعم تلك الموجة وامتدادها إلى شرقي أوروبا وأفريقيا.
بالإضافة إلى ما تقدم، يجب أخذ الخصوصيات الثقافية، والإقتصادية، والقانونية، والاجتماعية والسياسية بعين الاعتبار لما لها من تأثير على المؤسسات والعمليات الانتخابية، وذلك عند القيام بتصميم الأطر القانونية وإصلاحها، ولدى اعتماد النظم الانتخابية الدولية أو الإقليمية (كالاتحاد الأوروبي أو برلمان أمريكا الوسطى مثلاً)، ولدى اعتماد النظم الانتخابية الوطنية والمحلية في كل بلد. وهو ما ينطبق كذلك على تنفيذ قوانين الانتخاب. إذ يمكن النظر للسياق الخاص بالنظام الانتخابي على أنه مجموعة من الظروف المرتبطة ببعضها البعض والمفصلية لتصميم، وتنفيذ ونتائج ذلك النظام.
لا يوجد نمط انتخابي كامل، حيث يمكن استخدام نظماً انتخابية مختلفة لتحقيق أهداف المواطنين في موقع ما. لذلك يمكن القول بأن النظام الانتخابي ملائم لحالة ما طالما أنه يحقق تطلعات التطور الديمقراطي للمجموعة التي يتم تطبيقه عليها، أو طالما أنه يمكن البلد المعني من تخطي المرحلة الانتقالية وتعزيز نظامه الديمقراطي.
وعلى الرغم من ذلك، ينتج عن التصاميم الانتخابية نتائج محددة، حيث يمكنها أن تفضي إلى إفراز أكثرية حاكمة أو إلى إفراز نتائج تنم عن تمثيل أكثر دقة للمجموعات السياسية القائمة. وهناك بعض العناصر الأخرى غير الانتخابية والتي يمكنها أن تفرز أكثريات غير تمثيلية، مثل حجم (عدد أعضاء) البرلمان المنتخب، وتوازن القوى بين الأحزاب السياسية، وقيام التحالفات والإئتلافات، والتوزيع الجغرافي للأصوات، والتوافقات الانتخابية، إلخ.
يجب على أي مشروع ديمقراطي يصبو إلى تحقيق الشرعية، والشمولية والواقعية أو يستجيب لتطلعات وأيديولوجيات كافة الفرقاء السياسيين (بمن فيهم المواطنين، والأحزاب السياسية، والتنظيمات الشعبية، والمجموعات الأخرى)، بغض النظر عن الاختلافات القائمة بين آرائهم.
تتمتع الاتفاقات السياسية، والسياق الاجتماعي والظروف القائمة بأهمية كبيرة في عملية تصميم وتطوير النظم الانتخابية. كما ويجب على هذه النظم أن تقي نفسها من التحول إلى مواقف وطروحات نظرية غير قابلة للتطبيق. إلا أنه لا يجوز لها إغفال المبادئ التي تقوم عليها الانتخابات الحرة والنزيهة، والتي يمكن تلخيصها كما يلي: حق الإنسان في الاقتراع، والانتخاب، وتنظيم انتخابات دورية، وإدارة الانتخابات من قبل سلطات محايدة، وممارسة الاقتراع بسرية، والمشاركة في الانتخابات على قدم المساواة مع الآخرين، وحقه في الحصول على معالجة قضائية للنزاعات الانتخابية.
السابق
