العملية العادلة والنزيهة
تعتبر العدالة من المكونات الأساسية لنزاهة الانتخابات. حيث يجب معاملة كافة المشاركين بالتساوي، كما ويجب تطبيق وسائل الوقاية الخاصة بالنزاهة على كافة المشاركين ومجمل العملية الانتخابية. وهذا يعني ضرورة الالتزام بالمعايير الثلاثة التالية:
-
إطار قانوني مقبول
-
إدارة انتخابية محايدة
-
معاملة الجميع على أساس من المساواة
إطار قانوني مقبول
يشكل الإطار القانوني أساس النظام الانتخابي، وللتحقق من حماية النزاهة يجب على ذلك الإطار تعزيز مبادئ الحرية والنزاهة والتنافسية أو التعددية في الانتخابات. لذا يجب أن يكون الإطار القانوني محايد، ويجب أن يحدد بعدالة وحياد حقوق وواجبات كافة المشاركين في العملية الانتخابية. كما ويجب أن يوفر الإطار القانوني الوسائل التنظيمية الضرورية لحماية النزاهة في الانتخابات (كالرقابة، وإنفاذ القانون، والمتابعة، إلخ). ويجب أن يضمن، من خلال قوانينه وضوابطه، السبل الكفيلة بمعاملة كافة المشاركين في الانتخابات على قدم المساواة.
تسهم النصوص القانونية الواضحة والدقيقة في تفادي وقوع الإطار القانوني في الضبابية وفي تفسيره بما يتماشى مع روح القانون. حيث يمكن تفادي الكثير من المشكلات التي تعترض نزاهة الانتخابات من خلال وجود إطار قانوني معدل، ومحدث بحيث يعكس الظروف الحالية القائمة في بلد ما، كالإطار القانوني الذي ينص على ترسيم الدوائر الانتخابية وتوزيعها عملاً بمبدأ المساواة في قوة أصوات الناخبين مثلاً.
إدارة انتخابية محايدة
ترتبط جودة الإطار القانوني والتنظيمي بجودة تطبيقه على أرض الواقع. فالإدارة الانتخابية مسؤولة عن تنفيذ العمليات الانتخابية التزاماً بما تنص عليه القوانين، وذلك بحيادية وموضوعية وبعيداً عن المؤثرات السياسية.
الإدارة الانتخابية المحايدة هي تلك التي تتعامل مع كافة الأحزاب السياسية والمرشحين وتعاملهم بالتساوي ودون محاباة أو تمييز, وفيما عدا ذلك، فلو نظر للإدارة الانتخابية على أنها منحازة، فإن ذلك من شأنه نسف ثقة الجمهور في العملية الانتخابية والنظام الانتخابي برمته.
ويمكن للنظم الانتخابية اعتماد العديد من الوسائل لتحقيق مبدأ الحياد في الإدارة الانتخابية. ففي البلدان التي يثق فيها المواطنون بحيادية الحكومة، تقوم تلك الحكومة بإدارة الانتخابات فيها مباشرةً. وهو ما يعمل به في كل من فرنسا، أو النرويج أو السويد على سبيال المثال، حيث يعهد بمسؤولية إدارة الانتخابات إلى موظفين حكوميين على المستوى المركزي أو المحلي. (1) أما في البلدان التي تتسم بتاريخ من العبث في الانتخابات، فقد يكون من الملائم تشكيل لجنة انتخابات مستقلة، بحيث يتم إبعاد الإدارة الانتخابية عن إمكانيات التأثير عليها من قبل الحزب الحاكم. وهو ما نجده في العديد من دول أوروبا الشرقية مثلاً، والتي قامت بتشكيل لجان انتخابية مستقلة بين عامي 1989 و 1990 خلال انتقالها إلى النظم الديمقراطية. (2) وهذا التوجه يسهم في بناء الثقة في الانتخابات وحياديتها.
وبحسب رأي عدد من المختصين في مراقبة الانتخابات، تعمل لجنة الانتخابات المستقلة على تحقيق مبدأ المحاسبة كذلك في الإدارة الانتخابية، إلا أن ذلك لا يعني بأنه يمكن وقاية لجنة الانتخابات من كافة التأثيرات السياسية على الإطلاق. (3)
وفي حال عدم القدرة على إيجاد أشخاص معروفين بحيادهم لتشكيل لجنة مستقلة للانتخابات، يمكن العمل على إيجاد توازن ما في تشكيلة تلك اللجنة من خلال إعطاء ممثلي مختلف الأحزاب السياسية دوراً في إدارة الانتخابات. وهذه المشاركة من قبل الأحزاب السياسية تفيد لموازنة دور الحكومة أو أية جهة أخرى في العملية الانتخابية. كما ونجد بأن الكثير من النظم تجمع بين الإمكانيتين، وذلك من خلال تشكيل لجنة مستقلة بالإضافة إلى إعطاء دور مواز للأحزاب. وفي بعض البلدان، يحاول النظام التأكيد على حيادية المسؤولين الرئيسيين عن إدارة الانتخابات من خلال إقصائهم عن السياسة، وقد يتم تعيينهم لفترة زمنية محددة لا يمكن للحكومة خلالها إقصائهم عن مناصبهم إلا من خلال إجراءات استثنائية، كالمقاضاة مثلاً. فلجنة الانتخابات الهندية على سبيل المثال هي مؤسسة دستوية دائمة، حيث يقوم رئيس البلاد بتعيين رئيس وأعضاء اللجنة، لمدة ست سنوات، أو حتى بلوغ العضو سن 65 سنة. ولا يمكن تنحية رئيس اللجنة عن منصبه إلا من من خلال عملية خاصة (إمبيتشمينت) تتم بموافقة الأغلبية في البرلمان.
يحضر في بعض النظم على القائمين على إدارة الانتخابات الانخراط في السياسة، ففي كندا مثلاً لا يسمح لمفوض الانتخابات ونائبه التصويت في أية انتخابات فدرالية. كما وقد يطلب من مديري الانتخابات الاستقالة من مناصبهم السياسية أو الحزبية أثناء فترة عملهم في المؤسسة الانتخابية.
معاملة الجميع على أساس من المساواة
معاملة جميع المشاركين في الانتخابات على قدم المساواة تعتبر مكوناً آخر من مكونات النزاهة في الانتخابات، بما في ذلك تكافؤ الفرص. وهذا يعني حصول جميع المشاركين على ذات المعاملة من قبل الإدارة الانتخابية وموظفيها، وتمتعهم بذات القدر من فرص المشاركة. كما ويجب أن يتمتع الجميع بذات القدر من فرص الحصول على المعلومات والوصول إليها، وكذا الوصول إلى وسائل الإعلام ، والناخبين، وقيام جداول ناخبين دقيقة، ووسائل اقتراع ملائمة وإجراءات جيدة لتقديم الاعتراضات. ومن الشروط الأساسية للمساواة قدرة جميع الأحزاب على المنافسة بشروط متساوية. ففي معظم البلدان نجد أحزاباً قوية وكبيرة، وأخرى صغيرة تضطر للقيام بجهود مضاعفة للتمكن من تأسيس ذاتها وإيصال رسالتها إلى الناخبين، حيث تمتلك الأحزاب الكبيرة والصغيرة مستويات متفاوتة من الموارد المادية والبشرية، بالإضافة إلى تفاوت قدراتها التنظيمية والإعلانية. لذلك، فحتى في ظل مبدأ تكافؤ الفرص، فقد يخلق التفاوت وعدم المساواة في الموارد إحساساً بغياب العدالة التنافسية.
ملاحظات
(1) غاي غودوين-جيل، "الانتخابات الحرة والنزيهة: القانون الدولي والممارسة"، الاتحاد البرلماني، 1994.
(2) المصدر السابق.
(3) للمزيد حول أهمية الإدارة الانتخابية المستقلة، راجع "تأثير الإدارة الانتخابية على شرعية الديمقراطيات الناشئة" ليورغن إلكليت وأندرو رينولدز، المنشور في "كومونويلث أند كومباراتيف بوليتيكس" 40(2)، 2002, صفحة 86 إلى 119؛ و"مؤسسات إدارة الانتخابات كمؤسسات لإدارة الحكم" لرفائيل لوبيث بينتور، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نيويورك، 2000؛ و"الدراسة المقارنة لإدارة الانتخابات – المقدمة" لشاهين مظفر وأندرياس شيدلير، المنشور في مجلة العلوم السياسية الدولية، 23(1)، 2002، صفحة 5 إلى 27؛ و"دور الإدارة الانتخابية في التحول إلى الديمقراطية: تأثير ذلك على السياسات والأبحاث" لروبيرت باستور، والمنشور في دورية ديموكراتيزيشن، 6(4)، 1999، صفحة 1 إلى 27.
Previous
