HTML clipboard
تنعكس جودة الإدارة الانتخابية بشكل كبير على مصداقية العملية
الانتخابية برمتها، وخاصة في الديمقراطيات الناشئة أو المستعادة. فطالما لم يثق
كافة الشركاء في العملية الانتخابية، بمن فيهم الأحزاب السياسية، والمراقبين،
وجمهور الناخبين، بأن الإدارة الانتخابية محمية من أي تأثير أو سيطرة من قبل الحزب
الحاكم، وبأن كافة فعالياتها ونشاطاتها تستند إلى مبادئ الحياد والمهنية، فسيضع
هؤلاء الشركاء قرارات الإدارة الانتخابية موضع الشك وقد تنعدم ثقتهم بشرعية النتائج
الناجمة عن الانتخابات. وقد يدفع ذلك بالجمهور إلى الإحساس بالإحباط وعدم الثقة
بإدارة الانتخابات، الأمر الذي قد ينتج عنه زعزعة الاستقرار السياسي والعنف.
لم تتمتع مسألة تنظيم الإدارة الانتخابية، وما يتعلق بمن، ومتى وكيف
تتم إدارة الانتخابات بعناية جادة في البحث من قبل العاملين في مجالات العلوم
السياسية والإدارة العامة. وغالباً ما تركز الاهتمام حول المسائل القانونية
المتعلقة بالنظام الانتخابي المتبع ومسألة توزيع المقاعد المنتخبة، والمسائل
الاجتماعية والثقافية المتعلقة بالحملات الانتخابية، وطرق ووسائل تسجيل الناخبين،
وعمليات الاقتراع وفرز الأصوات، بالإضافة إلى الوسائل التكنولوجية وتطبيقاتها
الانتخابية.
وبينما يمكن اعتبار مفهوم الحق العام للجميع في الاقتراع على أنه حديث
نسبياً، إلا أن إدارة الانتخابات تعتبر عنصراً أساسياً في أية عملية ديمقراطية وهي
قائمة بشكل أو بآخر منذ أكثر من الفين وخمسمائة عام. فلا بد أن أحدهم كان مسؤولاً
عن عد الأيدي المرفوعة والإعلان عن نتائج التصويت في مجالس الجمهورية في أثينا في
غابر العهود. وعلى مر العصور، فبينما تم التركيز على نتائج الانتخابات لما لذلك من
تأثير في إضفاء الشرعية على فعاليات الحكومات، لم تستحوذ إدارة الانتخابات على
اهتمام كبير، كما ولم يتم توفير الكوادر البشرية والموارد المادية المطلوبة لها.
تشكل العملية الانتخابية، بما فيها وسائل الديمقراطية المباشرة
كالاستفتاءات، إحدى أكبر الفعاليات الإدارية وأكثرها تعقيداً، التي يمكن لبلد ما
تنظيمها وتنفيذها في جو ساسي عادةً ما يتسم بالسخونة. وعلى الرغم من ذلك، لم تتمتع
مسألة تنظيم وإدارة الانتخابات التعددية الديمقراطية في الغالب بكثير من الاهتمام
ولم تشكل حدثاً يستقطب اهتمام وسائل الإعلام. إذ مرت إدارة الكثير من العمليات
الانتخابية دون ان تستحوذ على أي اهتمام يذكر سوى من قبل أولئك المعنيين بها بشكل
مباشر، على الرغم من اعتراض الأحزاب الخاسرة في كثير من الأحيان على طريقة إدارة
تلك الانتخابات ونتائجها. إلا أن ذلك بدأ بالتغير منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي،
حيث بدأت الانتخابات الديمقراطية تُعتبر وتُتابع كعنصر أساسي في عملية التحول من
الآنظمة الشمولية وفي حل النزاعات. وعليه، بدأت الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام،
وكذا المراقبون الدوليون والمحليون بمتابعة تلك الانتخابات ومراقبتها عن كثب.
ولقد تطورت الانتخابات وإدارتها، كما هي الحال بالنسبة لغيرها من
الخدمات العامة، خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية أكثر مما فعلته على امتداد ما
يربو على مئتين وخمسين سنة مضت. ولقد تزامنت التغيرات الحاصلة مع التزايد الملحوظ
في استخدام السوائل التكنولوجية، وعودة النظم الديمقراطية إلى الكثير من بلدان
أمريكا اللاتينية في ثمانينات القرن الماضي، وسقوط جدار برلين وانهيار الإتحاد
السوفياتي. ولقد أدى ذلك كله إلى إيقاض اهتمام المجموعة الدولية في الانتخابات
الديمقراطية وإلى اهتمامها بتوفير المساعدات الانتخابية. ولقد بدأ ذلك مع انخراط
الأمم المتحدة بإدارة ومتابعة الترتيبات التي قامت بها جنوب أفريقيا لتنظيم
انتخابات عام 1989 في ناميبيا كجزء من عملية تحررها من الاستعمار، وتلتها كمبوديا
سنة 1994، وتيمو الشرقية سنة 2001، وأفغانستان سنة 2004 والعراق سنة 2005، حيث برزت
الكثير من الوكالات، والمنظمات الدولية، والمنظمات غير الحكومية وغيرها كجهات ناشطة
في مجال المساعدات الانتخابية.
غالباً ما تركّز الاهتمام العام حول إصلاح النظام الانتخابي لتحسين
مستويات التمثيل. إلا أن إصلاح الأجهزة المختصة بتنظيم وإدارة العملية الانتخابية
لم يكن أقل أهمية من ذلك، وهو ما يبدو واضحاً من خلال الميول الشائع في تشكيل
إدارات انتخابية مستقلة، تتمتع بسلطات وصلاحيات واسعة، وتطوير التنظيم الداخلي
للإدارة الانتخابية بما يؤهلها لتقديم خدمات انتخابية على درجة أعلى من الجودة
وبمستوى أفضل من الكفاءة، في الوقت الذي تعمل فيه على تحسين نزاهة العملية
الانتخابية وحريتها.
ولقد أسهمت مراقبة ومتابعة الإدارات الانتخابية الحثيثة في تطوير
مهنيتها. حيث استفادت تلك الإدارات من تجاربها ومن تجارب المؤسسات والإدارات الأخرى
غير الانتخابية، وقامت بتشكيل شبكات فيما بينها تفيدها في تبادل الأفكار والتجارب
والارتقاء بالمعايير الأساسية للانتخابات. فبينما تتعدد طرق تصميم وتنظيم الإدارات
الانتخابية، إلا أن جميعها تواجه العديد من المسائل والتحديات المتماثلة.
ويمكن الاستدلال على التحسينات الطارئة على إدارة الانتخابات من خلال
مقارنتها مع الانتخابات السابقة لعام 1990. حيث توجد الآن أمثلة على انتخابات تتم
إدارتها بشكل جيد تنطلق في عملها من اعترافها بضرورة انتهاج المهنية في العملية
الانتخابية. كما ويظهر الالتزام بتطوير الإدارة الانتخابية من خلال تعدد وسائل
التعاون الدولي عبر شبكات الإدارة الانتخابية القائمة والفاعلة حول العالم. وتهدف
هذه الشبكات إلى تعزيز أواصر التعاون بين الإدارات الانتخابية المختلفة وتطوير
مهنيتها، حيث قامت تلك الشبكات بتطوير برامج تدريبية وتأهيلية للعاملين في المجال
الانتخابي.
ومن الميول الشائعة في مجال إدارة الانتخابات قيام مؤسسات دائمة
ومستقلة لإدارة العمليات الانتخابية، كالنظام المفضل من قبل معظم إن لم يكن كافة
البلدان التي قامت بعمليات إصلاح انتخابي خلال السنوات الأخيرة. كما ولقد قامت
الكثير من البلدان، مع بدايات الألفية الجديدة، باعتماد المعايير الإقليمية
والدولية للانتخابات الديمقراطية، بما فيها الكثير من الديمقراطيات الجديدة
والانتقالية. كما وقامت الكثير من البلدان، وخاصة في القارة الأفريقية، بالموافقة
على وسائل المراقبة والمتابعة من قبل الإدارات الانتخابية المماثلة في بلدان أخرى،
وذلك تعبيراً منها عن التزامها بالديمقراطية، وسيادة القانون، والإدارة الرشيدة
للحكم، حيث تشكل الانتخابات الديمقراطية عنصراً أساسياً من عناصر ذلك الالتزام.
على الرغم من تمتع إدارة الانتخابات بقليل من الاهتمام على مختلف
المستويات، المحلية، والوطنية والدولية، إلا أن ذلك تغير مؤخراً وسيبقى كذلك طالما
بقيت الديمقراطية على أهميتها.